على الرغم من كل التطورات والتنازلات والتراجعات التكتية والاستراتيجية والخسارات البشرية القيادية والأهلية والمادية والأرضية المواقعية،لا تزال غبار المعارك تعمي عيون مسؤولي “الحزب” ومؤيديه وكتابه ومستكتبيه وناشطيه ومغرّديه. هذه المعارك التي بدأت إسنادًا ووحدة ساحات، وانتهت اتفاقًا لوقف إطلاق النار مع تعهدات والتزامات بنزع ما درج “الحزب” والممانعون على تسميتها “عناصر قوة لبنان” والتي حملت تسمية “مقاومة” مختزلة في “الحزب” وحده بعد القضاء على باقي المقاومات بقرار إقليمي.
وها إن “الحزب” اليوم يختزل أو يحاول أن يختزل الطائفة الشيعية الكريمة به، إذ يزعم أن كل مطالبة بسيادة الدولة وحدها على أراضيها وكأنه اعتداء على الشيعة، كما يصوّر أن الحديث المتصاعد محليًا، إقليميًا ودوليًا عن نزع سلاح “الحزب” الذي وافق عليه هو نفسه، استهدافٌ للشيعة وإقصاءٌ لهم عن جنة الحكم التي انتزعها “الحزب” منذ عشرات السنين.
إن زعم “الحزب” العقائدي الإسلامي المؤمن بولاية الفقيه المطلقة على المسلمين، وادعاءه وتصويره لنفسه مختزلًا الشيعة بكافة معتقداتهم وتوجهاتهم ومرجعيات التقليد لديهم في لبنان والعراق وحتى في إيران، تسقط امام آراء وفتاوى وكتب ووصايا القيمين على الطائفة الشيعية والذين يخالفون “الحزب” عقائديًا وسياسيًا في توجهاته التي يفرضها على الناس.
نصت المادة الخامسة من الدستور الإيراني على أنه “فـي زمن غيبة الإمام المهدي تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة فـي الجمهورية الإسلامية الإيرانية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير”. تولى الخميني منصب الولي الفقيه منذ العام 1979م حتى وفاته في العام 1989م. خلفه بعدها علي خامنئي، ولا يزال محتفظًا بالمنصب حتى اللحظة.
بدأ الاعتراض على التطبيق الخميني لولاية الفقيه منذ فترة مبكرة. عارض آية الله حسين علي منتظري الولاية المطلقة التي دعا إليها الخميني. كلفه ذلك الإقالة من منصبه كنائب للمرشد الأعلى للثورة… أكد منتظري في كتابه “دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية” أن التطبيق الحالي لولاية الفقيه لا يعدو أن يكون شكلًا من أشكال الغلبة والقهر والديكتاتورية”، ورفض المرجع الشيعي في العراق أبو القاسم الخوئي الإقرار بولاية الفقيه في كتابه “التنقيح في شرح العروة الوثقى” اذ يقول: “إن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة”… في السياق نفسه، حصر علي السيستاني – المرجع الشيعي الأكبر في العراق حاليًا – ولاية الفقيه في بعض الأمور من دون البعض الآخر، وربط الولاية المطلقة بـ”قبول المؤمنين”، اما في لبنان فقد قال الفقيه محمد جواد مغنية في كتابه “الخميني والدولة الإسلامية”: “إن الإمام الخميني يعطي كافة صلاحيات النبي والإمام المعصوم إلى الفقيه، ولكني لا أثبت إلاّ بعض الصلاحيات الحكومية للفقيه”. وفي مقابلة للعلامة محمد حسين فضل الله والذي كان يعرف بالمرشد الروحي لـ”الحزب”، في أيار من العام 2003، أشار بأنه لا يؤمن بولاية الفقيه المطلقة، وهو ما كرره في مقابلة مع موقع “إسلام أونلاين” الإلكتروني في 13 آب 2008، فقال إنه لا يعتقد بهذه النظرية على غرار أكثر فقهاء الشيعة، وأبرزهم آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي وآية الله العظمى السيد محسن الحكيم، أبرز مرجعين شيعيين في القرن العشرين”. كذلك، يقول الإمام محمد مهدي شمس الدين “أن الفقيه النائب لا يجوز أن يتولى كافة الصلاحيات الروحية والسياسية، لماذا؟ لأنه ليس معصومًا مثل الإمام”، ويعتبر الشيخ شمس الدين أن غياب الإمام الثاني عشر لم يعط النيابة للفقهاء، بقدر ما أعطى الأمة بمجموعها لكي تنوب عنه في ولايتها على نفسها، وهي النظرية التي اضطلع بمشروعها تحت اسم “ولاية الأمة على نفسها”.
إن كل الآراء المناقضة لجوهر عقيدة الحزب الدينية – الدنيوية جعلت منه مع انطلاقته، دخيلًا على اللبنانيين عامة والطائفة الشيعية خاصة وبتضادٍ وتصادم مع حركة “أمل” الشيعية بخلفيات سياسية وعقائدية دامت لسنتين ونيف، وحتى بعد المصالحة التي حيكت بين طهران ودمشق بقي وجود وحضور “الحزب” خجولًا ضعيفًا، فعلى سبيل المثال المعبّر لم يستطع “الحزب” في الانتخابات البلدية لعام 1998 في معقله الأساسي، أن يتمثل بأكثر من أربعة أعضاء من أصل واحد وعشرين من مجلس بلدية مدينة بعلبك معقل “الحزب” ومنشأه منذ العام 1979، لتتغلب عليه حركة “أمل” والعشائر الشيعية.
الأكيد ومع غياب الانتخابات الحرة في مناطق نفوذ “الحزب” المسلح وضغوطاته المادية والأمنية، ومع غياب الاستفتاءات لقياس مدى التأييد التلقائي الحرّ لـ”الحزب” وعقيدته وتوجهاته، والتي تبيّن بُعدَها عن الخط الشيعي العام في لبنان والعراق وبعضا من إيران، من الضروري البناء الجدي على نسبة الممتنعين المحجمين عن التصويت في بيئة “الحزب” الملتزمة “مبدئيًا” بخط “الحزب” المقاوم في انتخابات العام 2022، إذ تراجعت نسبة الاقتراع الشيعي في بعلبك الهرمل من 60 بالمئة في العام 2018 إلى 49 بالمئة في العام 2022، على الرغم من كل التحشيد، إذ لم يستطع “الحزب” أن يفرض على الشيعة التكليف الشرعي الذي قام به الأمين العام الراحل وكيل الولي الفقيه في لبنان نصرالله بقوله في 16 آذار 2022: “في حال رأينا أن هناك وهنا في الإقبال على الإنتخابات في بعلبك – الهرمل فسأذهب بنفسي شخصيًا لأتجول في قراها ومدنها وأحيائها، للسعي إلى إنجاح هذه اللائحة مهما كانت الأثمان ولو تعرضت للخطر”.
اليوم وعلى طريقة الأمين العام السلف يقوم الخلف بتحشيد عاطفي معنوي غير واقعي وغير مسند لا على وقائع الأرض ولا على تواقيع التسليم والاستسلام، والتي يراها بأم العين أكثر من الـ61 بالمئة المحجمين عن التصويت للائحته في بعلبك الهرمل في الـ2022، كما قرأ بنود ما وقّع عليه “الحزب” مستسلمًا أكثر من الذين صوّتوا للـ17 عضوًا معارضاً لـ”الحزب” في انتخابات المجلس البلدي لمدينة بعلبك في العام 1998.
.jpg)