
“واصلة إليكَ هذه النَّعجة الوديعة أوصَّيك بها راجيًا قبولها”.
رسالة موجزة بجملةٍ أبويَّة أسقفيَّة تختصر المطلوب الأهم ببضع كلمات تبسيطيّة تختصر بلاغة مجلَّد خطَّها يوم 9 تموز 1871 النائب البطريركي العام لأبرشيَّة جبيل المارونية المطران يوسف فريفر وأرسلها مع المعنية بالتوصية ذاتها إلى رئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي أفرام جعجع البشراوي مؤسس دير مار سمعان العمودي أيطو للراهبات اللبنانيات يوم 10 كانون الأول 1863، والمعروف تاريخيًا بدير مار سمعان القرن نسبة لبنيانه القائم عند عتبة جبل القرن الأيطاوي الموازي الرَّمزية لجاره جبل قلعة حردين. وكما بعهود الأنبياء والعذراء مريم وخطِّيبها الحائر بحبلها، فإنَّ الرب أيضًا كلَّم بلغة راهبته القلقة الملتاعة على مصيرها بعد قرار حل جماعة ترهُّبها الأول في جمعية الراهبات المريمات، وفي الليلة الموعودة وصلها الصوت الموعود بصيغة فعل تأكيد: “بتترهَّبي بتترهَّبي بالرهبنه البلديه”.
معلمة معاد المتشبِّثة بدعوتها ونذورها تشبُّث سمعان قيفا بمجذاف قارب صيده رغمًا عن تضارب قاربه مع الموج، فقد جهزَّت توقها للحبيب قاربًا جذَّفت فيه صعودًا وسط غمرِ نسائم صباحٍ اكتمل نهاره قرعًا بيدها وقلبها على بوَّابة حصن ديرها المبتغى مار سمعان العمودي أيطو!!
أمَّهات بيوت عائلات الجبل اللبناني زمن القرنين التاسع عشر والعشرين وما قبلهما قد تربَّين وربَّين فلذات كبدهنَّ على طوباوية فقرٍ مسيحيٍّ مُتكرِّسٍ في أغنى آيات التطويبات: “طوبى للجياع إلى البِرِّ فأنَّهم سيشبعون”. وخبز أمَّهات البرارة فائضٌ من معجن: “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”. هو خبزهم المرشوش ماءً مُصلَّى يرشح من جباه آباء استحقّوا مال كرامة عيالهم بفائدة تلك التَّوصية: “بعرق جبينك تأكل خبزكَ”.
الأم رفقا الجميِّل البكفياويّة التي انتخبها عرس قانا حملايا لقلب الفلاَّح الحملاوي مراد صابر الريِّس بختمِ خاتم سر الزواج المقدَّس، هي كما جاراتها جارات الجيرة الموسومة بهناءة عيشة الفقر التقوي، ما كان لها ولهنَّ لا إمكانيات ولا نصيب في ارتياد سفرات السياحة والاستجمام إلّا إلى آيةٍ من آيات بولس الرسول الدائم الأسفار: “ليس لنا ههنا مدينة دائمة بل نرجو الآتية”، وإلى تلك الآتية سافرت الأم العليلة بعارض مرضيٍّ مفاجئ لم تفلح الطبابة البدائية يومها في تشخيصه ومداواته. والتداوي بالأعشاب فشل في تأمين تعافيها، فكان ميرون مشحة الأمهات المنازعات دواءً عجائبيًا أمَّن للأم رفقا قدسية سياحتها واستجمامها في منازل الآب بجواز سفرٍ مكتوبٍ عليه: “لتنفتح أبوابُكِ يا حملايا العليا”!
بطرسيّة اليُتمِ من سيدغدغ لحظات نومكِ الطفولي بصلاة النوم ومسبحة أمِّك الراحلة ما زالت كبيرة على أصابعك ووعيكِ أسرار الحياة والموت. مَن سيغفِّيكِ بهزهزة أرجوحة سريركِ، وبرندحة أغنيَّة “طير الحمام”، وأيُّ هديلٍ يطربُكِ وأمَّك انضمت لجوقة الملائكة تاركةً لنومِك الحزين مخدَّة كم طرَّزتها ببكرة خيطانها وحرفية إبرتها وذوقها الرفيع، وخدِّكِ الوردي يا صغيرة طرِّزيه سرًا بدمع ينهمر من سحابة عينيك زهرًا!!
زنبقة حملايا
ذات السنين السَّبعة حوَّلت يتمها المُبكر إلى مذبحٍ عليه كلّ ما في قلبها من ورودٍ جوريَّة وشموع عسليَّة يحرسان أيقونتين أموميَّتين: تقاسيم وجه أمها مريم، وملامح أمها، وبمرافقة الشَّفيعتين تجتاز طفولتها إلى صباها. وعند أبواب ديرها السَّاكن حلمها المتين الأساس في صلب تصميمها وصلابة إرادتها .ديرها المقصود بقي مبهمًا حتّى يومٍ كان الأخير في بيتها الوالدي والأول لها طالبة تم قبولها بحرارة كي تكون إحدى بتولات راهبات قلب مريم داخل حصن دير سيدة النّجاة بكفيا بلدة أمها الجميليَّة، وهل غير الزنبقة تليق بمشاتل حدائق البتولات أجسادًا منيعةً على أفاعي الفردوس، فردوس الحيَّة تلكَ الداهية التي جنحت بحواء من دار أزياء النور كي تكتشف دار أزياء ورقة التين، وفي مشاغل خياطة دير سيدة النجاة اتقنت زنبقة حملايا تفصيل الملابس الزنبقية والزَّي الملائكي!!
راهبة واحدة وأديار رسالتها متعدِّدة
أول أديار الأخت بطرسية سكنته رضيعةً في حضن أمٍّ أسَّست لبطرسيِّتها ديرها الطفولي مدرسةً تلقت فيها مبادئ تعاليم الحبِّ الأسنى تشرحه كاملًا وتفسِّره مكتملًا مناجاة الترنيم “يا قلبًا فادي كلَّ العباد أضرم في قلبنا هواك”. من دير بيتها الفقير انتقلت ذات الصبا الزنبقي إلى دير سيدة النجاة بكفيا مقرّ راهبات رهبانية المريمات، فدخلته طالبة ترهُّبٍ ثم مبتدئة فناذرةً لثالوثية الطاعة والعفة والفقر، وإسكيم رهبانيٍّ تكافح كي تستحق صفته الملائكية، ماضيَّةً من دون هوادة إلى طلب ملكوت الرب وبِرّه وملكه، وكل خطوات من خطواتها الرهبانية والروحية حازت رضى رئيستها وثقتها براهبةٍ تجتاز المراعي الخصيبة من دون تعثُّر وتلكوء، وعين مرشدها وأبيها الروحي الخوري يوسف الجميِّل تواكبها في مسيرتها نحو نضجها الروحي واكتمال وصولها إلى هدف الأهداف وغاية الغايات حتى إدراكها عمق النداء: “أتركي كل شيء واتبعيني”!
من دير بكفيا إلى غزير إلى جبيل إلى الشبانية إلى دير القمر إلى مدرسة معاد، مشت شبه دروب المعلم والتلاميذ حتى استحقت أن تنضم بالفعل والروح والرموز إلى عداد الإثني عشر تسعى لصعودها جبلين قمتهما تجلِّيها وصلبها. بين سائر أديارها ومراكز رسالتها كان وجودها في دير القمر وجودًا مفصليًا مفصَّلًا على مقاس مآسي حزيران 1860 والنيرون العثماني يوزِّع الكبريت والبارود والنار ويصدِّر الحرائق والخرائب والنكبات والمجازر وشتَّى مخازي الموبقات..
دير قمر 1860 حمَّلت رفقا أوزار رسائل الأحقاد المُصنَّعة خارجًا والتقاتل المصطنع داخلًا بدهاء وحنكة أين منهما أساليب الأبالسة. ذاك الصبي الديراتي اللائذ بمشلح الراهبة الحملاوية هاربًا من إجرام سفَّاحين جزَّارين خجلت من فظائع إجرامهم أشد الوحوش ضراوة كان العنوان الأبرز الأكبر لجبل أهل الكيان اللبناني غرقى دماء انتحارهم الجماعي في وصلات جنونٍ غير موصوفٍ تبرَّأت من صنائعه العقول والعقّال وأين أنتهى المصير بجبل أقداس ذلك التحالف الكياني العظيم بين أيقونة بني مارون وبني معروف المير فخر الدين وبين فخر بطاركة الموارنة جرجس عميرة الأهدني مهندس قلاع القائد المعني وسفيره إلى حضارات أوروبا.
رسالة الرسائل المخطوطة بيد الرب القدوسة كتبت حكاية علاقة رهبانيّة رسائليّة جمعت داخل دير مار سمعان أيطو بين المبتدئة الحملاوية ومعلمة إبتدائها الأم “مسيحية أبي نكد علوان البرمّانية” التي كانت سابقًا “حسن إبنة الشيخ شاهين أبي نكد علوان وأمها ست الأخوة وهما من طائفة الموحِّدين الدروز وأحد وجهاء بني معروف”!!
يسوعها من تمثاله إلى تماثلها
دير سمعان العمودي أيطو يسلِّم القادمة إليه من رؤياها العمودية، وثيقة إقامة مستمرّة ودائمة الصلاحية، تثبِّت إقامتها في معجزة تاريخ العموديين وإعجازات سيرتهم ومعيشتهم. ومن الدير العمودي نالت ما تمنَّته منذ وعيها على لمسات الرّب في حياتها طفلةً، ويتيمة، وخادمة، وراهبة، ورسولة، ومعلّمة. وما نالته أولًا هو بركة تسمِّيها باسم أمها رفقا اسمًا رهبانيًا له، يرافقها ويحميها من أدنى آثام الالتفاتة إلى ما وراء محراث الرب. ومن ديرها السمعاني تلقَّت روعة روعات هداياها، ذاتها التي نالتها مريم أخت مرتا وأليعازر، فنالت مثلها هدية “نصيبها الأفضل وحظَّها الأوفر. ويا لهما من حظٍّ ونصيبٍ ومصير لم يدرِ بها ذو درايةٍ كما درى أحد عيد الوردية أوائل تشرين الأول عام 1885…
في ذاك اليوم التشريني، استأذنت الأخت رفقا رئيستها وراعيتها كما اعتذرت من أخواتها عن مرافقتهن إلى نزهة الأحد والعيد. فداخل كنيسة الدير سيكون بين حبيبها وبينها جسمانيَّة أيطاوية وعتاب، كاد أن يكون جنونًا نذريًا لراهبة تنذر أغرب المعاتبات وأوجعها قداسة وأثقلها حِملًا على ضمير حمل الله وقلبه: “منذ صلبك الأول لحمًا ودمًا ومساميرَ وأفدح الآلام، وأنتَ منفيٌ تمثالًا مصلوبًا على التماثيل.. خشبتُك الأورشليمية الأولى تنحتُ تقليدًا مِن أخشابٍ ومعادن وحجارة وقلوب متحجِّرة كأنَّنا نعرض عليك أن تبعد مشاهد جراحك عن أجسادنا، ونحن نعوِّضكَ بمجسَّمات تبقى رموزًا لجمعتك العظيمة، نعلِّقها على جدران بيوتنا وكنائسنا ومزارتنا، ونرفعها فوق تلالنا ووسط ساحاتنا، ولكن إيَّاك الاقتراب من أجسادنا.. ها أنا راهبتك رفقا أضرع وأتوسَّلكَ وأستجديك كي تشفيني من صحتي وعافيتي وجمال عينيّ، كي أليق بانتقالكَ من تماثيلك إلى كامل جسدي، ويا غبطتي إن اقتبلتني صليبًا تتمدَّد عليه، وجلجلةً تَرتفع فوقها…
راهبة جنونها الفدائي لم تغادر بيت قربانها إلاَّ لحظة تأكَدَّت من أن وزنها زاد وزنين، وزن جسدها ووزن صلب جسد حبيبها. “جبل على جبل لا يلتقي”، لكنَّ جبل قرن أيطو وجبل قرن أورشليم التقيا معًا داخل عيني رفقا وكان لهما عن جسدها المخلَّع حديث طويل امتد طيلة عشر سنوات. سبعة وعشرون من السنين عاشت الخادمة القديمة خادمة لخياتها وممرضة وقارص صقيع وجليد دير مار سمعان الجبلي ينزل بعديد من راهباته النزلات الصدرية والرئوية وداء المفاصل. 3 تشرين الثاني 1897 كان يوم مغادرة الأخت رفقها ديرها الجردي ووجهتها الجديدة والأخيرة، منطقة ساحل بلاد البترون حيث انتقلت شعنينةً مخلَّعة الأغصان والمفاصل والعظام محمولة فوق ظهر أتانٍ كم تخيَّلته مقتفيًا آثار أتان ملك شعانين الآتي باسم الرب.
رئيستها أمينة سر آلامها الأم أورسولا ضومط المْعاديِّة أرادتها ذخيرة لمدماك أساس ديرهن الساحلي البتروني، فترافقت مع معلمة إبتدائها الأم مْسيحية البرمَّانية ذات الأصول المعروفية الدرزية، وأخواتٍ أربع. وحين أطلَّ موكب الراهبات المؤسِّسات على قفار برّيَّتهنَّ الموهوبة العقار نذرًا لديرهن الموعود، رنَّم السِّتة ترنيمة رؤيا الحلم الملائكي اليوسفي: “لا تخف يا يوسف من أن تأخذ ديار جربتا ديرًا لك وبيتًا”!
سبع عشرة سنة ورفقا، قديسُها يوسف، تواصل أفراح عرس جراحها على جراح معلمها وسيدها، ومن غيرها العروسة القربانة توافي عيد القربان بشبه جسمٍ متفكِّك الأوصال والتواصل مع الخطوات. سبع عشر سنة جربتاوية ختمها نهار 23 آذار 1914 باحتفالية تسلُّمٍ وتسليم بين يوسف المربّي ويسوع الإبن، فاستلم راهبته جلدًا وعظمًا ليسلِّمها إلى كنيسته المسكونية الجامعة، طوباويّة وقديسة وشفيعةً لا يردُّ لها طلبًا!!
قدِّيسة الخدم وأختهم وشفيعتهم
كلماتٌ وجمَل وصفحات وطبعات وكتب، تسابقت وتبارت لفوزها بأبلغ تعابير أوصاف رفقا وصفاتها وصفوف تلميذاتها، لكنَّ حكاية الخلاف والنزاع على أحقية امتلاكها منذ وداعة صباها المتخفي حتى زمان شهرتها العابرة حدود الداخل اللبناني وخارجه، هذه الحكاية المشبعة بالأنا البشرية نادرًا ما اقترب منها كتَّاب السيرة الرفقاوية العجيبة، هي القصَّة المتفرِّعة إلى ثلاث مراحل زمنية متباعدة:
أ – خلاف حول امتلاك الصبيّة عروسةً فوّاحة السمعة والسيرة في احتدام منازعةٍ شرسة معيبة وقعت بين خالتها زوجة أبيها مراد وخالتها أخت أمها المنتقلة رفقا، الأولى تريدها لأبيها والثانية لابنها، لكنَّ الغلبة كانت لسيدة النجاة!
ب – الخلاف الثاني خرج من نطاقه البيتي العائلي الخاص ليتمدّد في جميع أحياء حملايا بين عائلتين حملاويتين كريمتين هما عائلة “الريِّس” وعائلة “الشُّبق”. بينما إبنة مراد صابر تحمل هوية جميع أبناء بيعة المسيح!
ج – أما الخلاف الثالث والأهم فقد أتى هذه المرّة خلافًا سماويًا حبّيًا إنتهى بعناقٍ رفقاويٍّ بين العامودي سمعان والمربِّي المتبتِّل يوسف!
رفقاء السَّماء ولبنان
لو بقيتِ تلك الصبية اليتيمة الخادمة الأمينة على خدمة عائلة دارة أسعد البدوي الدمشقي من منَّا كان له جرأة الاعتراف بمرتبتكِ بين خادمات البيوت.. كم واحد بيننا كان مستعدًا لحلحلة عقدة خجله بمئزرك ومكنستك وممسحتكِ وإناء جليكِ الصحون والطناجر.. وما أحقنا بيديكِ تجلي فينا أخلاقًا صدئة وإيمانًا أين منه فقاقيع الصّابون، وأنتِ الكبيرة بين الخدم السماويين بعجائبك تخدمين مرَضَ ومرضى لبنانكِ، كما تخدمين أمراض ومرضى الإنسانية جمعاء!!
كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1673
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
