في مثل هذه الأيام قبل 31 سنة، وبالتحديد في 21 نيسان 1994، اعتقل النظام الأمني البائد رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع بعد أن دبَّج وفبرك له بعض الملفات الأمنية والقضائية البائسة.
قررّ سمير جعجع ألّا يهرب إلى المنفى أو الوزارة، وألّا يُساوم على دماء الأبطال والشهداء، وألّا ينفض يديه من دمّ هذا الصدّيق الذي اسمه لبنان، بل احترم مشيئة قدره الذي اختاره بنفسه يوم انضمّ إلى صفوف المقاومة اللبنانية بعدما دقّ الخطر على الأبواب، بكل ما يختزنه هذا الانضمام من معاني التضحية والتحدّي ومواجهة المخاطر والصعاب والعواصف، بعدما كان طالباً جامعياً يدرس الطّب ويطمح لتأسيس حياةٍ عملية وعلمية هانئة وهادئة ومستقرّة.
الطاقة الهائلة التي امتلكها سمير جعجع والهالة القيادية التي تمتّع بها حينها، والتي كانت تُعبّر عن نفسها عبر قراراتٍ ومواقف وخطواتٍ وإنجازاتٍ وتحدّيات ومواجهاتٍ تُحدّد مصير شعبٍ بأكمله ووطنٍ برمّته، أصبحت بين ليلةٍ وضُحاها أسيرة جدران أربعة أمتارٍ مُربّعة في زنزانةٍ انفرادية تحت الأرض.
ولو أن ما حصل لسمير جعجع بين ليلةٍ وضحاها حصل مع سواه من الأشخاص ممّن كانوا يشغلون أهم المواقع ويؤثّرون في حاضر شعوبٍ ومستقبلها فوجدوا أنفسهم بلمح البصر في أصعب الظروف وأسوأها، لأدّى حصر هذه الطاقة الهائلة وضغطها بالظلم والقهر والاعتقال بين جدرانٍ أربعة، إلى عواقب وخيمة على مستوى القدرات النفسية والعقلية والجسدية لهذا الشخص. غير أن الروح الذي كان يُحرّك هذا القائد وأوصله إلى قيادة مركب المقاومة اللبنانية وسط أعتى الأمواج وأقسى العواصف ليبلغ به برّ أمان السيادة والحرية والاستقلال، كان يحرسه أيضاً من كل شرّ وعدوان لا قدرة له على احتماله.
وهكذا شُرِعّت لسمير جعجع في خضّم هذا الظلم والظلام والقهر العظيم، نافذة على بُعدٍ ثانٍ غير مُقيّد بسلاسل المكان وغير محصور بمواقيت الزمان، ويتخطّى الأبعاد المادية الملموسة، فكان بمثابة مُتنفسٍ رحب للطاقة المسجونة والقدرات المقموعة والامكانات المُقيدّة. وانتزع سمير جعجع من خلال هذا البُعد اللامتناهي حريته، رغماً عن إرادة السجّانين، واستحصل بفكره المتبحّر إلى أبعد حدود التحليل والربط والاستدلال والاستنتاج والاستشراف خارج الأبعاد المعروفة ومنهجية التفكير التقليدية، على الكثير من الحقائق والمعطيات التي حرمتها عنه رقابة السجن الصارمة، والتي كانت بصيرة الظالمين والواقعيين والمستفيدين والوصوليين مُغمضة عنها بالكامل، وعاجزة عن إدراكها أو الاقتناع بوجودها أصلاً.
لم يكن سمير جعجع، طيلة 4114 يوماً من الاعتقال الانفرادي المترافق مع أنواع شتّى من العذابات النفسية، مفعماً بالأمل والرجاء لأن ثمّة “مدرّب حياة” نصحه بإظهار الإيجابية ولو في أوج السلبية والظلامية، بل لأنه كان مؤمناً إيماناً يقيناً بأن الحرية هي قدره وقدر كل الأحرار مهما طال الزمن، وبأن الاعتقال الطويل على مرارته ما هو سوى مجرّد مطهرٍ أرضي مؤقت وضروري، يُصقِل به نفسه حتى تتلاءم مع مرحلةٍ جديدة وتحدياتٍ من نوعٍ آخر كانت مُقدرّة له بعد الخروج من هذا الامتحان الصعب، تماماً كما يُمتحن الذهب بالنار. وهكذا رُمي سمير جعجع في النار، ومن النار ذهباً خرج.

