







.jpg)
“بيتنا بوابو شقفها الزمان” هكذا غنت فيروز يومًا، وما كانت تدري أن ذاك الزمان الذي شلَّع جدران منزل طفولتها العتيق في زقاق البلاط، دار ودار وعاد مهزومًا مستغفرًا مبشّرًا، ليصدح ويعلو و”يقلق” الجيران، وتصدح معه كل بيروت بحكايات أجمل أزمان لبنان فنًا رقيا ًوثقافة. هو زمن فيروز يتأهَّب، وبيروت تتحضَّر، وفي البال متحف سيرى النور بعد انتظار طويل، عنوانه فيروزتنا، فما حكاية ذاك المتحف؟
*******
وأخيرًا، القرار اتُخذ.. بيت فيروز في زقاق البلاط يتحوّل إلى متحف. الخبر أثلج صدور اللبنانيين وعشَّاقها في كل أنحاء العالم، واشعل مواقع التواصل بصورة نادرة لسفيرتنا الى النجوم، بالأبيض والأسود، وهي تغسل الصحون في بيت أهلها العتيق، تضحك وتحادث والدتها ليزا.. وانهالت التعليقات، قالوا إنها التقطت عام 1953، كان عمرها 18 عامًا، وقالوا إنها من ذاك البيت كانت تذهب سيرًا على الأقدام الى الإذاعة اللبنانية، رووا كيف كان ذاك البيت شاهدًا على قصة حبها لعاصي الرحباني ولقاءاتهما الأولى، ويوم انتظرته تحت الشتي وما أتى، وقالوا أيضًا الكثير الكثير، والسيدة الكبيرة صامتة، لا تؤكد ولا تنفي.. فما قصة ذاك البيت.. وما حكايات فيروز معه قبل أن تخرج منه عروسًا، وتحلّق عاليًا الى سماء الفن الشاسعة، وتكرّس سفيرتنا الى النجوم؟
من كركول الدرك الى بيت فيروز
تقول الحكاية، إن السيدة الكبيرة وُلدت عام 1935 في بلدة الدبية في قضاء الشوف، إلا أنها نشأت وترعرعت في بيت زقاق البلاط البيروتي، الذي كان في الأصل مخفرًا للشرطة على أيام الحكم العثماني للبنان، وعرف بـ”كركول الدرك”، ليتحوّل في منتصف الثلاثينات إلى منزل استأجرته العائلة المتواضعة الحال والتي تتألّف من الوالد وديع حداد، الذي يعمل في مطبعة صحيفة “لوجور” في بيروت، ومن أم تدعى ليزا البستاني، والإبنة البكر نهاد حداد وهو الإسم الحقيقي لفيروز، وشقيقها جوزف الذي كان يرافقها أثناء دراستها في المعهد الوطني للموسيقى، وشقيقتها الصغرى الفنانة هدى.
في أركان هذا المنزل المهجور اليوم في منطقة “زقاق البلاط”، سكنت العائلة في الطابق الأرضي من المبنى المؤلف من طبقتين، قبل أن تُضاف إليه طبقة علوية في العشرينات. هناك لعبت فيروز وتربَّت وصارت صبية، وكانت جدران ذاك البيت المتواضع وحديقته شاهدة على محطات مهمة من سنوات عمرها الأولى التي شكّلت المهد الأول لموهبتها الغنائية، حيث عاشت وتجرَّعت حبَّها الأول للموسيقى متحدية فقر الحال، وكان عمرها آنذاك لا يتجاوز الخمس سنوات…
“فليت من البيت وارتاح جارنا من صوتي”
ما كانت أسرة فيروز تملك المال الكافي لشراء جهاز راديو. كان حكرًا يومذاك على ميسوري الحال، فكانت تجلس إلى شباك بيتها المطلّ على الحديقة المحيطة لتستمع الى صوت الراديو المتسلّل من منازل الجيران، حاملًا أصوات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأسمهان وليلى مراد، فترافقها غناء ودندنة بصوتها الساحر.
وبطرافتها الخجولة العذبة، روت فيروز يومًا في إحدى المقابلات النادرة التي تحدثت فيها عن حياتها الشخصية: “لما كنت اسمع الموسيقى جايي من عند الجيران بالطابق العالي، وأنا بالمطبخ وباب المطبخ بيعطي على شباك جار كان ينام وأنا كنت غني، وهيك كنت وعّيه من النوم، وكان يفتح الشباك ويبلّش يصرخ ويسب ويقول “ليش ما بيجو يفتحوا الإذاعة هون شو هيدا؟”… وتتابع: “هيدي القصة كانت تصير يومية لغاية ما فليت من البيت وارتاح مني الجار كليًا”.
ارتاح الجار من جارة يحلم الملايين بجيرتها، وكان ذلك في العام 1955 حين خرجت “عروستنا الحلوة” من ذاك المنزل، لينطلق منه “المشوار من دار لدار”، مرصعًا أمجادًا وفنًا وشهرة.
خرجت فيروز عروسًا، لكنها ما توقفت عن التردُّد الى منزل طفولتها لزيارة أهلها، لتنتقل العائلة بأسرها لاحقًا للسكن قريبًا من ابنتهم في منطقة انطلياس، قبل أن تفجع بوفاة الوالدة ليزا عام 1961 عن 45 عامًا، في نفس اليوم الذي سجلت فيه فيرُوز أغنية “يا جارة الوادي”.
رحل الجميع تقريبًا، ولا زال ذاك المنزل العتيق صامدًا، وإن مهجورًا متهالكًا، بفعل تراكم السنين، وما رافقها من ويلات حروب وانفجارات كان أعتاها ذاك الانفجار الكبير، ينتظر إعطاءه حقه، منزلًا تراثيًا استثنائيًا شاهدًا على تاريخ بيروت وعلى بدايات وانطلاقة فنانة استثنائية ما كان قبلها ولا بعدها عظمة، وهي جدرانه، حجارته، قناطره، حديقته، لا زالت تتفاخر وتحكي الكثير عن طفلة كبرت وصارت صبية بين أفيائه وخرجت منه عروسًا لتصبح نجمة ملوى الكون.
من بيت زقاق البلاط.. أولى شرارات الشهرة
من حكايات ذاك المنزل التراثي، انطلق المشروع المنتظر منذ سنوات وسنوات، وفي البال إحياء “ذاكرة” أيقونة لبنان، وهي وإن عرفت المجد والشهرة بعد خروجها من ذاك المنزل، لكن كل العناصر التي أسست لانطلاقتها وشهرتها تفتحت في ذاك البيت. منه كانت تذهب الى الكنيسة القريبة ليعلو صوتها مرنمًا مصلّيًا. منه كانت تتوجّه برفقة شقيقها الى المعهد الموسيقي لدراسة الموسيقى، وقربه كانت مدرستها حيث كان ذاك اللقاء مع محمد فليفل، أحد الأخوين فليفل مؤلّفي النشيد الوطني اللبناني، في إحدى الحفلات المدرسية التي شاركت فيها غناء عام 1946، لقاءٌ شكّل البنية الأولى لمسيرتها الفنية بتوظيفها في الإذاعة اللبنانية مقابل 100 ليرة لبنانية شهريًا، وهناك كان اللقاء الكبير بعاصي الرحباني الذي قلب حياتها رأسًا على عقب، وكان ما كان…
نعم في بيت زقاق البلاط، عاشت فيروز أولى شرارات شهرتها في العام 1952 محققة نجاحًا كبيرًا من خلال عملها الإذاعي مع الأخوين رحباني، ليصعد نجمها بسرعة البرق حيث اشتهرت “المطربة الخجولة” بأغنياتها الراقصة. إلّا أن النجاح الأكبر أتى عن طريق أغنية من طراز آخر هي “عتاب”، لتكتب مجلة “الصياد”، في أيلول 1952: “بقي أن نقول إن أغنية “عتاب” التي لحَّنها عاصي الرحباني، وغنَّتها فيروز، قد أصبحت أغنية الجمهور المفضلة في البيوت والصالونات، وبدأت تهدد الأغنية الشعبية المشهورة (عاللوما اللوما)”، وهي الأغنية التي أطلقت شهرة وديع الصافي. كما تحدثت “الصياد”، في مطلع العام 1953، عن بروز نتاج الأخوين رحباني، وقالت: “كان لفيروز الفضل الأكبر على هذين الفنانَين، لأنها أحسنت إبراز ألحانهما بصوتها العاطفي القوي، خصوصًا في أغنية “عتاب” التي تذوب فيها أمام الميكروفون، وتذوّب معها قلوب المستمعين وعواطفهم”.
وكان ذلك في العام 1953 حين ذاعت الخبرية عن “قرب زواج الملحن الشاب عاصي الرحباني بالمطربة الذهبية الصوت الآنسة فيروز” كالنار في الهشيم، وإن “كذَّب” كلاهما الخبر، لكن الكذبة صارت حقيقة وخرجت فيروز من ذاك البيت بعد سنتين عروسًا مكلّلة بالأبيض.
كل ذاك كان في حضانة ذاك البيت العتيق. هناك نمت “حبّة الحنطة” وكبرت ومنه حلّقت عاليًا عاليًا لتصبح رائعة لبنان. من هنا يحرص القيِّمون على إطلاق متحف فيروز، بالتركيز على انطلاق مسيرتها الفنية من بيت زقاق البلاط، من بيروت تحديدًا، وليس من الريف كما يظن كثيرون مع اعتيادهم على ظهورها في أعمال رحبانية تغلب عليها أجواء القرية اللبنانية في ما هي نشأت وترعرعت وصارت صبية وتزوجت في ذاك البيت ومنه انطلقت، ليكون ذاك المتحف المنتظر تكريمًا يعيد الاعتبار لتاريخ السيدة فيروز، وأيضا لتاريخ بيروت ولتراثها من خلال تسليط الضوء على الطابع التراثي لذاك البيت الذي يعتبر شاهدًا أساسيًا على التطوّر العمراني وعلى التحوّل السكني في مدينة بيروت في القرن التاسع عشر، وشاهدًا على طفولة وصبا الصوت الذي حمل لبنان إلى العالم وصار محطة خالدة في تاريخ الأغنية اللبنانية.
وكان القرار الكبير، منزل فيروز العتيق المتواضع البسيط، سيصبح قريبًا وجهة ثقافية مفتوحة أمام الجميع، يروي تاريخ فنانة لن تتكرر.. لكن كيف ولد ذاك القرار، من كان وراءه، ما تفاصيله وأين فيروز منه؟
وكان القرار.. منزل فيروز متحفًا
كما لبيت فيروز العتيق حكاية، لقرار تحويله متحفا أيضًا حكاية طويلة، ويخبرنا مؤسس جمعية “تراثنا بيروت” سهيل منيمنة أن تاريخ بناء البيت الذي يقوم على العقارين 565 و567 من منطقة زقاق البلاط العقارية، يعود إلى أوائل القرن التاسع عشر. وعلى رغم صغر مساحته التي لا تتجاوز 100 متر مربع، فهو يتمتع بقيمة عمرانية وثقافية نظرًا لطابعه الهندسي الذي يراوح بين اللبناني والعثماني، وقد وُلدت فكرة المحافظة على هذا البيت بعد مشاركة مدينة بيروت في “مشروع أرخميدس” المموّل من الإتحاد الأوروبي، والرامي إلى إعداد دراسة معمّقة عن الإرث المعماري والسبل الكفيلة بالمحافظة عليه وحماية ما يمثله للشعوب من ذاكرتها لتاريخها. وحينها أعدّ مرصد “مجال” التابع لجامعة ألبا – البلمند، دراسة تفصيلية عن منطقة زقاق البلاط، والنسيج العمراني الذي تحافظ عليه. ولما كان لا بد من العمل على إبقاء بعض من شواهد على هذه الخصائص، اختير قصر بشارة الخوري ومنزل السيدة فيروز في شارع البطريركية، عيّنة من بيوت زقاق البلاط التاريخية. وهكذا بدأ العمل على استملاكهما “كمرحلة أولى تمهيدًا لترميمهما وتخصيصهما لاستعمالات ثقافية، فنية، أدبية وغيرها، حفاظًا على الموروث المعماري”، كما جاء في قرار مجلس بلدية بيروت رقم 977.
عام 2008 اتخذ المجلس البلدي لمدينة بيروت القرار رقم 977 القاضي بإعلان المنفعة العامة على منزل فيروز، بهدف حمايته والحفاظ عليه، نظرًا الى قيمته المعنوية ولإقامة متحف لفيروز فيه. ولتجنّب أعمال الهدم التي بدأت تطاله، أدرجه وزير الثقافة الأسبق سليم وردة على “لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية” بموجب القرار الرقم 74. وفي 15 أيلول 2010 وضع مشروع مرسوم الاستملاك الذي عبر دهاليز الإدارات الرسمية ومعمودية المعاملات الروتينية، ودخل لسنوات في دائرة الإهمال والتأجيل، كان بيت فيروز خلالها يتعرّض لمزيد من خطر السقوط والانهيار بفعل عوامل الطبيعة أولا ومحاولات هدمه من بعض المالكين ثانيًا، فيما انهار قسم كبير منه بفعل أشغال البناء التي تقوم في العقار الملاصق، الى أن أعادت مؤسسة التراث تحريكه في حزيران 2013، ليصدر عام 2015 مرسوم يجيز لبلدية بيروت استملاك هذا المبنى وتحويله إلى متحف خاص بأعمال فيروز بعد أن وُضع على لائحة الأبنية التاريخية في بيروت من قبل وزارة الثقافة. لكن الإجراءات الرسمية التي يجب أن يمرّ بها أخّرت تنفيذ استملاك البيت لبلدية بيروت، إلى أن انتقلت أخيرًا الملكية إلى وزارة الثقافة لإنجاز هذا المشروع بشكل يليق بمسيرة فيروز الغنيّة بمحطات تاريخية، وبموقعها الفني المرموق في لبنان والعالم.
وكان أخيرًا الخبر السار، وبعد سنوات من الإهمال والانتظار والأخذ والرد، حيث أطلقت وزارة الثقافة بالتنسيق مع المؤسسة الوطنية للتراث مشروع تحويل البيت في زقاق البلاط إلى متحف، حيث سيتم شراء الأرض، وترميم البيت القديم، وبدء المشروع.
رحلة عبر مسيرة فيروز.. في انتظار التمويل
وهكذا بدأت جولة جديدة من معركة الحفاظ على بيت فيروز العتيق، والترقب سيد الموقف، كم سيأخذنا الوقت بعد لبدء مرحلة ترميم وإنجاز مشروع تحويله متحفًا ومعلمًا ثقافيًا، فيما السؤال الكبير يدور حول توافر التمويل الكافي للمشروع، فلا يظل حبرًا على ورق، ليؤكد وزير الثقافة السابق محمد بسام مرتضى أن “توقيت ولادة هذا المشروع يتوقف على همّة المؤسسة التي تهتم بالعثور على رعاة أو “sponsors”، في موازاة مشروع هندسة داخلية لتحديد كيف يجب أن يكون شكل البيت”.
ووفق مؤسس جمعية “تراثنا بيروت”، المبنى المتهالك يحتاج ترميمه الى تمويل كبير يمكن تأمينه عبر اليونيسكو والإتحاد الأوروبي. لكن، وبتقديره، متحف للسيدة فيروز لن يحتاج الى الطوابق الثلاث التي يتألف منها ذاك البناء، مقترحًا على وزارة الثقافة الأخذ بدراسة أعدّها المهندس المرمّم الدكتور جاد حمود ونشرها عبر فيديو ثلاثي الأبعاد مثير للاهتمام ومفصلًا بتخطيطات هندسية، حول تصوّره لهذا البيت طارحًا مشروع تحويله الى مركز موسيقي كبير يضم متحفًا للسيدة فيروز.
نسأل في المقابل، هل وضعت وزارة الثقافة تفاصيل المشروع المنتظر منذ سنوات؟
لا تصوّر نهائيًا بعد، لكن الطروحات غزيرة وعنوانها العريض أن المتحف سيكون بمثابة رحلة عبر مسيرة فيروز، وبمثابة سردية زمنية لكل مراحل إنتاجاتها مع الرحابنة، كما مع شعراء وملحنين آخرين تعاملت معهم، تحتفي بإرثها الفني منذ طفولتها في زقاق البلاط، حتى أوج تألقها الفني، عبر صور وتذكارات ومقتنيات شخصية وتسجيلات صوتية وموسيقية، وهناك اهتمام كبير أيضًا بجمع مقابلات نادرة لها أجرَتْها عبر تلفزيون لبنان أو محطات تلفزيونية أخرى عربية، تنقل زوار المتحف إلى عالم فيروز الساحر وتضع أمامهم عبر إطلالاتها تلك معلومات كانوا يجهلونها، خصوصًا أن السيدة الكبيرة عُرفت بخجلها وتكتُّمها وابتعادها عن الإعلام.
وإلى هذا ثمة تخطيط لأن يكون المتحف أيضًا ملتقى ثقافيًا، تُقام فيه فعاليات ومعارض فنية، تحيي مسيرة فيروز وأعمالها الكبيرة.
ووفق قيّمين على المشروع، الجهد ينصب على تحويل المتحف الى مرجع رسمي وأرشيف ضخم لأغانيها ومسرحياتها وحفلاتها في لبنان وفي كل أنحاء العالم، وهناك اهتمام كبير لأن يضم المتحف بعضًا من الأزياء التي ارتدتها في تلك المسرحيات التي ما زالت عالقة في أذهان كثيرين من عشاقها… وهناك الكثير من الأفكار والطروحات ما زالت قيد البحث وتحتاج لمزيد من البلورة.
ريما الرحباني ترفض.. وتنسيق مع فيروز؟
يبقى السؤال أين تقف فيروز من تحويل منزل طفولتها الى متحف، هل وافقت؟ هل يتم التواصل والتنسيق معها في تفاصيل إطلاق وتنفيذ متحفها الخاص؟ وهل يمكن المضي بتحويل منزل طفولتها الى متحف لها من دون موافقتها؟
حتى الساعة لم تهمس فيروز بكلمة واحدة حول هذا المشروع، فيما كشف وزير الثقافة السابق أنه “على تواصل مع السيدة فيروز من خلال صديقة مشتركة، وهناك تنسيق معها من أجل إنجاز المشروع”.
وكان محافظ بيروت السابق القاضي زياد شبيب قد كشف في تصريح له يعود الى العام 2017 أن رسالة وصلته من ريما الرحباني، تقول فيها إنها تثمِّن مشروع تحويل ذاك المنزل في زقاق البلاط الى متحف لوالدتها، وأن همها الأساسي أن تكون الدولة وبلدية بيروت من يتولّى ذاك الأمر، وليس أي طرف آخر، فأكد لها التزامه برغبتها، لكن كانت المفاجأة لاحقًا بصدور تعليق عنيف ورافض من ريما الرحباني نشرته على صفحاتها الرسمية على السوشال ميديا في الخامس من تموز 2022، أبرز ما جاء فيه: “بخصوص المتاحف! عم يخبّروني اليوم إنّو الحركة ناشطة حول هالمشروع! اللي سَبَق وأعلنت انسحابنا منّو من تلات سنين أو أربعة! وما بعرف كيف بعدو ماشي وبإيعاز من مين ولا بدّي أعرف!”.
وتابعت: “شو فوَّقُن ع هيك مشروع؟ جدًا ثانوي وما بيفيد بشي، وبوضع البلد الحالي! إلا السمَاسِرة والمُتاجرين باسم فيروز! شو تِخمِين في قرشين بدّكن تقشطوهن للفرنساويّة وما عارفين كيف؟ وإلا كيف؟”. ولتختم حازمة: “إنسوا الموضوع كلّيًا لا من قريب ولا من بعيد. نحنا منِبقى منعمل مَتحف ببيت فيروز وعاصي. شكرًا”.
وختامًا يبقى السؤال هل موقف ريما الرحباني وهي مديرة أعمال والدتها، لا زال ساريًا حتى اليوم، وماذا لو رفضت فيروز المضي بإنشاء ذاك المتحف – حلم بيروت، هل يلغي رفضها قرار إطلاق ذاك الحدث الذي طال انتظاره، أسئلة برسم وزارة الثقافة وسيدة المتحف المنتظر.. وبيروت تنتظر.
زيباوي: بيت فيروز العتيق مجرد غرفة
إن كان اللبنانيون تلقّوا خبر تحويل منزل فيروز بفرح كبير، ثمة رأي آخر مفاجئ، فالكاتب والفنان والباحث الكبير محمود زيباوي الملم حتى العمق بتاريخ وتراث الرحابنة وفيروز، يصف ذاك القرار بالـ”دوشة عالفاضي” وفوشة إعلامية عاطفية، لماذا؟
يجيب: “يطلقون عليه إسم بيت فيروز، وهو ليس بيتا، هو في الحقيقة مجرد غرفة في حي المهاجرين، والمطبخ والحمام مشتركين مع الجيران”.
يخبرنا زيباوي بذلك ليأخذنا الى مكان آخر: “لماذا بيت زقاق البلاط متحفًا لفيروز وليس منزل الرابية، وهو المكان الطبيعي جدًا والجدير لأن يكون لها متحفا”.
ونسأله ما المشكلة أن يكون منزل طفولتها وانطلاقتها متحفًا، يجيب: “لا مشكلة، لكن كيف نحوّل تلك الغرفة الى متحف؟ هل نكتفي بلصق “بلاك” على بابها يشير الى أنها غرفة فيروز؟ وماذا بعد؟”.
وإن كان التوجّه لتحويل كل ذاك المبنى الى متحف لفيروز، يسأل: “ما علاقة الأجزاء الأخرى بفيروز، ولماذا لا يتحوّل هذا الجهد الى البيت الآخر في الرابية حيث نتاج فيروز وعاصي؟”.
أن تسأل الباحث عن أبحاثه حول بيت فيروز العتيق ونشأتها وانطلاقتها فيه ومنه، يجيب سريعًا: أبحاثي كانت عن نتاج فيروز وليس عن نهاد حداد، وأصلا لا أحد يعرف شيئًا عن تلك المرحلة، سيرة فيروز معقدة آنذاك يشوبها الكثير من الغموض والتعتيم”. مع إشارته الواضحة الى أن ذاك التعتيم كان ببساطة متعمّدًا، رابطا ذلك بتواضع عائلتها ومنزلها آنذاك.
ويستطرد: “هذا التعتيم على سيرة فيروز بمراحلها الأولى، واضح مع أنها جميلة جدًا ومثيرة وشبيهة جدًا بقصة إديث بياف”.
ويروي زيباوي أن منزل فيروز في زقاق البلاط كان مجهولًا كليًا، ولم يأت أحد على ذكره، وقد ورد لأول مرة في الإعلام عام 1952، وكان ذلك في تحقيق صحافي قصير أعدّه الكاتب الكبير سليم اللوزي يوم كان صحافيًا يعمل في الميدان الفني، لمجلة “الكواكب” المصرية تحت عنوان “مطربة تهاب المجد”. كتب اللوزي عن زيارة قام بها لمنزل فيروز الذي “يقع في حي زقاق البلاط بيروت، وهو حي الطبقة العاملة في العاصمة اللبنانية”، وقال إن المطربة “اندهشت من زيارة عدسة “الكواكب” لها؛ فهي لم تعتد أضواء الصحافة وتخاف آلات التصوير كما تخاف الظهور على المسرح”. ولما سألها: “لماذا لا تحاولين الظهور في السينما؟، أجابت: “إذا كنتُ أخاف أن أظهر على المسرح؛ فما بالك في السينما؟!”.
ويقول: “دوشة إعلامية كبيرة حامت فجأة حول ذاك المنزل، فيما كل شيء كان مخفيًا، مجهولًا، حتى قصة والدها كشفت مع إطلاق خبرية إنشاء المتحف وما كان أحد ليعرف أنه كان يعمل في مطبعة “لوجور” بصف الأحرف”.
ويلفت زيباوي الى أن صور زفاف فيروز وعاصي لا تظهر أي من والدها أو والدتها أو شقيقها، كما أن إسم والدتها ليزا البستاني لم يُعرف إلا بعد 10 سنوات على رحيلها.
بمعرفته وأبحاثه حول شخصية فيروز، نسأل زيباوي عن موقفها المنتظر من تحويل ذاك المنزل الى متحف، يقولها جازما: “لم تظهر ولن تظهر على الأرجح أي موقف، فيروز قضت طفولتها وفترة انطلاقتها الأولى فيه، وهجرته وابتعدت كليًا عنه، وما أظهرت يوما إهتمامًا به، ولو أرادت لاشترته بنفسها”.
هل ستساهم وتدعم تحويله متحفًا، يجيب: “أشك بذلك، بعد كل هذه السنين”.
كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” ـ العدد 1673
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]