#adsense

أنتم نكبةُ لبنان (الدكتور جورج شبلي)

حجم الخط

يا مَنْ تُطلِقون على ذواتِكم أَلقابًا مُستَورَدة، لن تنتصروا على ذاكرتِنا القريبةِ والبعيدة، في طَمْسِ ما ارتكبتم من شوائبَ، وموبقاتٍ نجَّسَت لبنان، وأرهقَت أهلَه، وزَجَّت به في مهالكَ لا طائلَ تحتَها سوى الخَراب، والضّحايا، والهجرة، وتَقَهقُرِ الوضعِ الاقتصادي والإنساني، وسَلخِ الوطنِ عن محيطِه، وعن العالَم.. أنتم لم تُنتِجوا إلّا تمزيقَ البلاد، ورَهنَها لانحطاطٍ أين منه عهودُ الرِقِّ، والعُسر، والإقطاع، وفظائع هولاكو.

وبعد، لقد شبِّ عتم البلادَ دمًا، وتخريبًا، وتَفَتُّتَ قلوبِ أمّهاتٍ لا مُعَزٍّ لهنّ إلّا الموت!!! أَلَم تعرفوا أنّكم النّكبةُ التي مزّقَت لَحمَ البلد، وحوَّلَت نعيمَه شقاءً، ونضارتَه يباسًا، وخنقَت أملَ ناسِهِ بأيّامٍ خاليةٍ من أذاكُم، فعاشوا في غربةٍ عن الفرح، والبسمة، والنّور؟؟؟

لقد عُثْتُم بالبلادِ فسادًا، واغتيالًا، ونَهبًا، وتهشيمًا بالنّظامِ والكيان، واستبدادًا بمقوّمات الدولة، ومارستُم التّضييقَ، والغطرسة، والاستقواء، والتعصّبَ الدّيني، والتعدّي على الآمِنين، وعقَدتم تَحالفًا هجينًا لا نَعتًا يصفُهُ إلّا العَمالة لخارجٍ انتهازيٍّ يستثمرُ لبنانَ حَطَبًا في موقدةِ مواجهةٍ لا شأنَ له بها، وقد حوّلَته ضحيّة…

إنّ وجودَكم في لبنان هو صدمةٌ لحضارتِهِ، ورقيِّه، وانفتاحِه، وثقافةِ الحوارِ والحياةِ فيه، فبرَزتُم حالةً عُنْفِيّةً، أشاعَت ثقافةَ الموتِ، ومنطقَ التّكفير، ورجعيّةً أُصوليّةً انتهكَت الحريّةَ الدينيّة، واسترجعَت مواسمَ الغزوِ والفروسيّاتِ البائدة. إعلموا بأنّنا لسنا عبيدًا عندَكم، ولسنا مُضَلَّلين مقهورين، لذا، نحن، وبعَكسِكم، نبني وطنًا اُسُسُه الحقُّ والخيرُ والجَمالُ والحريّة، وطنًا ناهضًا بَهِيًّا خلّاقًا، هو طاقةُ تحريرٍ من التزمّت، والضَّياع، والاستقواء المَسعور، يرتقي بأهلِه مصدرَ إشعاعٍ فكريٍّ في عالَمِه القريب، ومقياسًا للنُّضجِ والإبداع في العالَمِ الأوسَع.

إنّ لبنانَ الذي نريد هو الذي يُذكي شُحنةَ الكرامةِ، وحبَّ الحريّةِ في النّفوس، وفَهْمَ علاقتهما بالمجتمع والحياة، وبأنّهما مفتاحُ قِيَمِ الحقِّ والعدالة، فالحريّةُ والكرامةُ هما أَخلَدُ ما يُصاغُ به وطن، وبهما، وحدَهما، يستعيدُ رونقَه، وسِحرَه، لأنّهما أقوى صدًى في ضميرِ الشّعب، وأَفعَلُ هَزًّا لأعماقِه، ودَفعًا به لتحدّي سياجاتِ الزمانِ، وللتجدّدِ في وَعيِ القضايا التي تنهضُ به الى الأفضل. أمّا أنتم، يا أصحابَ القوالبِ الذّابلة، فإنّكم تكرّرون شعاراتٍ مرذولة، محنَّطة، لِذا، لستم سوى كابوسٍ نَيرونِيٍّ لم يرفعْ نداءَه إلّا للقُبور، ولم يُرسِلْ من عينيهِ إلّا همسَ الجماجم، فأصابَ البلادَ بالقلق، ونَسَجَ خيوطَ وجهِها بالدمّ، وملأَ بيوتَها أنينًا لا يَخمد.

الويلُ لكم، لقد مرَّغتم عظمةَ لبنان بالوحل، وأثقلتم كاهلَه بالتخلّفِ والعودة الى القرون الحجريّة، لكثرةِ ما في أمخاخِكم من عُقمٍ، وجهلٍ، وأوهام، وإفلاسٍ وطنيّ. إنّ استفحالَ غيابِ الولاءِ للبنان، في نهجِكم، أَعمى قراءتَكم المسؤولة لمجرياتٍ شنيعةٍ عمِلتم على استِدراجِها، وقد زجّت البلادَ في حربٍ امتصَّت عافيتَه، وتركَت شبحَ الموتِ يغرزُ مخلبَه في قلبِه، وبُومَ الكآبةِ يُحوِّمُ فوقَ جثّتِه المخنوقَةِ الأنفاس. ومع ذلك، لا زلتم تكابرون، وترفضون العودةَ الى لبنانَ النّظام، ولا تأبهون للتاريخ، لِذا، لن نَدَعَكم تُرغمونَنا على أن نُذعِنَ لمناخٍ جنائزيٍّ يُفضي بنا الى حفرة، فصوتُنا لن يُذبَح، ونشيدُنا لن يكونَ لحنُهُ قاتِمًا، ونضالُنا لَونُهُ، دومًا، أخضر، يتجسَّدُ في عَيشٍ لا في شعارات.

وبعد، لماذا اخترتُم أن تكونوا نكبةَ لبنان؟؟؟

خبر عاجل