#dfp #adsense

البابا وإيفيتا

حجم الخط

صحيفة النهار – سمير عطالله

 

تعرفنا إلى نيكوس كازانتزاكيس من رائعته الشعبية “زوربا”، وخيّل إلينا جميعاً أنها تحفته الوحيدة. فإذا به متحف من تحف الأدب: “الإغواء الأخير للمسيح”، “تقرير إلى الغريكو”، “المسيح يصلب من جديد”، و”فرنسيس الذي من أسيزي”.

كان كازانتزاكيس على شيء من الخلاف مع الكنيسة اليونانية، وقد ظُن به شيوعياً بسبب رؤيته الجدلية الجمالية إلى المسيح، ولكن المسيح فيه كان أكثر صفاء، وأما فرنسيس الذي أضفى عليه كل معاني القداسة، فقد كان أقرب إلى الروح القدس في غنائيات الشعر والفقر وامّحاء الذات.

لو كان لكازانتزاكيس جمعية غير رهبانية، لما بقيت خارجها. هو كان ما بعد الشعر وقديسه ما بعد الإنسان، وكان في كل عمل من أعماله شيء من هوميروس وأشياء من آلهة اليونان.

أما فرنسيس، الذي التقاه في حقول اللوز وكروم الزيتون، وحدّثه طويلاً عن وداعة الخرفان وثغائها، فقد جعلني أنظر إلى الإنسان على أنه مزيج بشري، فيه أرهف وأرقى الأحاسيس بالكائنات جميعا.

عندما أطلق مطران بوينس أيرس على نفسه اسم فرنسيس، شعرت بأنني أعرف لماذا فعل، وتذكرت حكايات سميّه وكيف عاش في مغارة ذاته، متخلياً عن كل جاه وجبروت أنسه العظيم.

 

لم يأت فرنسيس من الكثلكة فقط. هو جاء من ثقافة أخرى أيضاً تمثلها إيفا دورات بيرون. هي أيضاً شقيقة الفقراء البائسين، جاءت إيفيتا من بيت متواضع، وعملت في الإذاعة، وفي مجتمع كاثوليكي محافظ تنافس على ودها الضباط، فأحبت منهم الكولونيل خوان بيرون. وبينما انصرف هو إلى بناء حكم فاشي فاشل، انصرفت إيفيتا إلى العناية بفقراء ومرضى وعجزة في الأرجنتين. وقد عبدها الناس مما اضطر الدولة إلى تهريب جثمانها إلى مكان مجهول.

كل هذه التأثيرات ساهمت في صنع بابا الرحمة الذي كان شعار سميه واحداً: الإنسان الحر. من شقته الصغيرة في قصور القديس بطرس كان يغير كل يوم في عمل الكنيسة. وكل يوم كان يعلن وقوفه إلى جانب الحرية في كل مكان، ومع جميع الأديان. وقد مرّت الكنيسة في عهده بتجارب كثيرة وصعبة، استطاعت تجاوزها بسبب ضعفه وهالته. خلافته لن تكون سهلة، ولونها أبيض، مثل قلبه وثوبه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل