#dfp #adsense

خاص ـ البلدية البداية.. من هنا يبدأ الإصلاح

حجم الخط

لبنان

في ظل الأزمات المتراكمة التي يعيشها لبنان على مختلف المستويات، من الانهيار الاقتصادي إلى التردي في الخدمات العامة، ومن اهتزاز الثقة بالدولة إلى تراجع مؤسساتها، تبرز البلديات كإحدى المؤسسات القليلة القادرة على لعب دور محوري في إصلاح المجتمع. فالبلدية ليست مجرّد إطار إداري صغير ضمن الدولة، بل هي نقطة الانطلاق الحقيقية نحو بناء مجتمع متماسك ومتطور، إذ تبدأ التنمية من القاعدة لتصعد نحو القمة.

عند الحديث عن إصلاح المجتمع، غالباً ما يتم التركيز على الحكومة المركزية، على الوزارات والمؤسسات الكبرى، وكأن التغيير لا يبدأ إلّا من أعلى الهرم، غير أن التجارب العالمية وكذلك الواقع اللبناني، أثبتت أن الإصلاح الفعلي، العميق والمستدام، يبدأ من القاعدة، من حيث يعيش المواطن ويتفاعل يومياً مع محيطه، أي من البلدية. فالبلدية هي الجهة الأقرب إلى الناس، والأكثر قدرة على تلمّس مشكلاتهم، وفهم خصوصياتهم، وتقديم حلول تتلاءم مع طبيعة كل منطقة أو بلدة.

القانون اللبناني أعطى البلديات صلاحيات واضحة في مجالات عدّة، من التخطيط المدني والعمراني إلى إدارة الصحة العامة، ومن الإشراف على البنية التحتية إلى تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل نطاقها الجغرافي. ووفقاً للمرسوم الاشتراعي رقم 118 الصادر في 30 حزيران 1977، تُعرّف البلدية على أنها إدارة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وتمارس صلاحياتها في إطار من الرقابة المحددة من قبل الدولة. هذا النص القانوني، على الرغم من قدمه، يتيح للبلديات هامشاً واسعاً من الحركة، إذا ما توفرت الإرادة والإمكانات والشفافية.

لكن التحدي لا يكمن فقط في النصوص، بل في التطبيق. فغالبية البلديات اللبنانية، على الرغم ممّا تمتلكه من صلاحيات، ما تزال تعاني من ضعف الموارد وانعدام الكفاءة في بعض الأحيان، فضلاً عن غياب الرؤية التنموية الواضحة. وهنا تكمن الحاجة إلى إعادة الاعتبار لدور البلديات، ليس فقط كجهة تنفيذية للخدمات، بل كشريك حقيقي في صناعة القرار المحلي، وفي قيادة مشاريع الإصلاح من القاعدة.

تفعيل دور البلديات يبدأ من خلال إعادة النظر في طريقة انتخابها وتكوين مجالسها، كما يجب أن تُمنح البلديات الموارد اللازمة للعمل، سواء من خلال زيادة الحصة التي تحصل عليها من الصندوق البلدي المستقل، أو من خلال تمكينها من فرض وتحصيل رسوم محلية تساهم في تمويل مشاريعها. إلى جانب ذلك، لا بد من تطوير كفاءة الموظفين، وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة لضمان الشفافية ومنع الفساد.

تُعتبر البلديات قادرة على أن تكون مختبراً حقيقياً للديمقراطية التشاركية، حيث يشارك المواطن في صنع القرار، ويشعر بأن صوته مسموع، وأن مشكلاته قابلة للحل. وعندما يشعر المواطن بأن بلديته تهتم فعلاً بشؤونه، تنظّف شارعه، تنير حيّه، تطوّر مدرسته الرسمية، وتوفّر له الحدائق والمساحات العامة، فإنه يستعيد شيئاً من الثقة المفقودة في الدولة ومؤسساتها، ويصبح أكثر استعداداً للانخراط في العمل العام.

الإصلاح في لبنان لن يأتي دفعة واحدة، ولن يحدث بمعجزة إلهية، بل هو مسار طويل يبدأ من نقاط صغيرة ومحددة، ومن مؤسسات أساسية. البلديات هي واجهة الدولة في حياة الناس اليومية، وإذا ما نجحت في أداء دورها بفعالية، فإنها قد تفتح الباب أمام تغيير أوسع يشمل كل المستويات. أما إذا بقيت مهمّشة أو مُسيّسة أو محرومة من القدرات، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من الفشل والإحباط.

البلدية ليست فقط إدارة خدمات، إنها صورة مصغّرة عن الدولة التي نحلم بها: دولة القانون، الشفافية، الكفاءة، والرعاية. من هنا تبدأ الحكاية، ومنها فقط يمكن أن يبدأ إصلاح المجتمع.​

خبر عاجل