

مايا كيروز… من منّا لا يتذكر هذا الإسم؟ فقصتها شغلت الإعلام وتصدّرت الشاشات ذاك الإثنين الأسود 8 حزيران 2009 بعد أحد انتخابي طويل ومضنٍ.
لم تكن مايا حديث الساعة وقتها كما تتمنى أي صبية، فالخبر يوثق فاجعة هزّت المجتمع اللبناني عمومًا والمسيحي خصوصًا. فهذه الشابة ابنة الـ21 ربيعًا آنذاك، والمفعمة بالطموح وعشق الحياة، وجدت نفسها تحت حطام سيارتها التي انحرفت واحترقت بفعل فاعل ليس مجهولًا بل معلومًا، وهو نفسه من يتقن حتى يومنا هذا جرف وحرق وبتر أوصال الوطن تمامًا كما فعل بمايا.
“لا أنسى ذلك اليوم ولا الصدمة التي أبكتني فأبكمتني..”. بهذه الكلمات تبدأ مايا كيروز روايتها التي لا تزال تحفر أثلامًا من القهر في ذاكرتها.
لن نحمّل القدر مسؤولية ما حصل معها. فالفاعل مجرم حاقد. لن نقول صودف مرورها، بل اعترض طريقها شيطان يزرع الحزن والموت أينما حلّ. واليوم وبعد مرور 16 عامًا على الحادث، تعود مايا، الزوجة والأم المقاومة لتروي قصتها لـ”المسيرة”: “أنا من قرية جميلة جدًا يقصدها الجميع لنيل بركة وشفاعة سيدة بشوات. انتقلت العائلة من القرية الى البوشرية ثم كسروان. تعلمت في المدرسة الأنطونية عشقوت وأكملت دراستي الثانوية في العازارية عجلتون، ثم استقريت مع أهلي في منطقة الذوق. بيتنا مقاوم هكذا كانت بيئتي. حتى أن أهلي أطلقوا عليّ إسم مايا تيمنًا بالشهيدة مايا بشير الجميّل”.
تعود مايا في المكان والزمان الى ذاك الإثنين 8 حزيران 2009، وتروي: “كنا فرحين بالانتصار الذي حققناه في الانتخابات النيابية، فالسيارات المزيّنة بالصور وأعلام “القوات اللبنانية” كانت تجول في الشوارع. قررت زيارة صديقتي التي تسكن في بلدة الفيدار. وأصرّ أخي الذي كان يبلغ يومها 12 عامًا مرافقتي، لكنني رفضت. استقلّيت سيارة والدي من نوع “رانج روفر” وقد أُلصقت على زجاجها الخلفي صورة الدكتور سمير جعجع. ما هي إلا لحظات حتى فوجئت بسيارة من نوع “نيسان” أو “تويوتا” تتقدم نحوي. بالكاد استوعبت ماذا يحدث. ثم اقتربت مني سيارة من نوع “مرسيدس” شبح سوداء تحمل علمًا أصفر عملاقًا وعمد سائقها الى الالتصاق بسيارتي بهدف حجب الرؤية بواسطة علم “الحزب”. حاولت مضاعفة سرعتي، وكانت سيارة الشبح تلاحقني، الى أن شهر أحدهم السلاح وأطلق باتجاهي النار. خفت كثيرًا، حاولت القفز من السيارة إلّا أن ساقي علقت، فتدحرجت وانقلبت واحترقت، وبقيت تحت وطأة الحديد ولهيب النار معًا. انقلب الرانج بالقرب من أحد المزارعين الذي كان يعمل في حديقته، حاول سحبي لكنه عجز فاتصل، بالصليب الأحمر. وتم نقلي الى مستشفى الجعيتاوي”. وتضيف مايا: “عندما وصلت كنت في حال يُرثى لها، وسقط أهلي تحت هول الصدمة. خضعت لـ18 عملية جراحية خلال 3 أشهر، بسبب إصابتي بحروق بليغة، وقد بُترت يدي وساقي”.
تسكت وتتابع بغصّة تفاصيل تلك اللحظات: “عندما علمت والدتي بعملية البتر بدأت تصرخ وتردد: المجد لك يا رب. بقيت في المستشفى سنة بكاملها وأنا أتنقل بين طابق تحت الأرض وفوقها في قسم معالجة الحروق… وكان صديقايا الوحيدين المورفين والصلاة. بعدها بدأت رحلة العلاج لمدة 3 سنوات جلجلة بكل ما في الكلمة من معنى”.
إيمانها ودعم الأهل وفّرا لـ مايا كيروز القدرة الكافية على الصمود، الى أن دخل حياتها زوجها شربل سكاف، وعنه تروي: “تعرفت الى شربل قبل شهرين من تاريخ الحادث، وكأنه تخطيط إلهي، كنا بمرحلة تعارف وإعجاب، الى أن جرى ما جرى… لم يعرف شربل بما حصل لي إلا من خلال الإعلام. وبدأ يتردد الى المستشفى وكنت لا أزال في الغيبوبة. وعندما صحوت كان حاضرًا ولم يتركني. الى أن طلبت منه وبحزم ألّا يعود مجددًا. وقلت له: “مش عارفة حالي وين رايحة ولا شو مصيري، ما بقا بدّي شوفك هون”. لم يستجب لطلبي وقال: “لن أتركك”.
عندما غادرت المستشفى، تكررت زياراتي الى عيادات الأطباء الإختصاصيين للتعرّف على كيفية التأقلم واستعمال أطرافي الاصطناعية… لم أكن أفكر بالارتباط ولا بوجود أحد في حياتي. كيف أتصالح مع الآخر وأنا لم أتصالح بعد تمامًا مع نفسي؟ ومرّت السنوات بعيدًا من شربل. لم أكن مع شربل إلّا أنه كان يواظب على الاطمئنان عن صحتي من خلال الأهل.
عندما استقر وضعي نسبيًا، قررت أن أخوض غمار العمل، وكانت شركة “ألفا” قد منحت فرصة التوظيف لذوي الاحتياجات الخاصة، فتقدّمت للحصول على الوظيفة وحالفني الحظ، من دون أن أطلب وساطة من أحد. عدت للقيادة وتوظّفت وهذا ساعدني كثيرًا لاستعادة ثقتي بكياني كأنثى مستقلّة. في هذه الأثناء قررت أن أعطي شربل فرصة ثانية. فالتقينا، وكان التعبير عن الحب… فطلب يدي للزواج. قلت له: “أنت مهندس ناجح ومن حقك الارتباط بفتاة “كاملة”، ومن حق أهلك أن يفرحوا بك وبأولادك…” فكان ردّه: “لو كنا متزوجين وحصل الحادث، هل كان سيتم الطلاق”؟. كان الحب سيّد الموقف والقرار.. وحين يفرض الحب وجوده يصنع المعجزات. فطبّقت مقولة: “في السرّاء والضرّاء”.
13 كانون الأول سنة 2014 تكللت مايا وشربل بالزواج بعد قصة حب. “بعد شهر من زواجنا كان الفرح العظيم. قصدنا عيادة طبيبي النسائي ليبشّرني بأنني حامل بتوأم… لم نعرف كيف نعبّر عن الفرح بالدموع أم بشكر الله؟ في الرابع من شهر أيلول 2015 كريستا وكريستو أبصرا النور. فاختبرت أروع شعور، الأمومة. وبدأت مهمّة أقدس الإنجازات لامرأة. وكان لشربل الدور الأساسي، إذ كان السند والعون في كل صغيرة وكبيرة. وكذلك عائلتي.
اليوم يبلغ كريستا وكريستو 9 سنوات وأنا أقدّس عائلتي هذه النعمة التي منحني إياها يسوع. أفعل كل شي لهم بنفسي، أوصلهما للمدرسة، أكمل الى وظيفتي، أطهو أهتم بأدق التفاصيل. وأشكر الله على النعم التي منحني إياها، بدءًا من شربل زوجي وولديّ وأهلي.
حتى اليوم لا يزال ملف التحقيق في حادثة مايا كيروز مفتوحًا. فالقضية لم تُقفل، والمجرم حر طليق. في النهاية لا يصح إلا الصحيح، ومن لم تعاقبه عدالة الأرض لما ارتكب من جرائم، فإن عدالة السماء في انتظاره. وأنا على إيمان وقناعة بقدري، وقد قررت أن أمشيه بإيمان وصبر وعزيمة.
كتبت جويس قزي في “المسيرة” ـ العدد 1673
حاولوا تضليلها “بالأصفر” فأزهرت إيمانًا
مايا كيروز.. حملتُ أطرافي الاصطناعية ومشيت!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]