#dfp #adsense

القرن 21 في كتاب “الكيانية اللبنانية”.. العيش الكريم والمواجهة في دولة الكمال

حجم الخط

الكيانية اللبنانيةالكيانية اللبنانيةالكيانية اللبنانية

منذ أقدم العصور روى الكتّاب سيرة الأوطان، وحفروا أقانيم وجودها وديمومتها على صخور جبالها بوجه الرياح. لكن قلّة منهم، من عرض العلاقة العضويّة بين الحرب والحلم بالسلم، كما فعل ميشال الشمّاعي في كتابه “الكيانيّة اللّبنانيّة” الصادر عام 2024. تُمْسِك بالكتاب لتقرأ به، فتقفز من الصفحات حقائق ذات طابع ملحمي، ونفحة وطنيّة، لشعب ناضل منذ فجر التاريخ، للحفاظ على أرضٍ دُعيت “بلد الملجأ”. فصولٌ دُوّن فيها أصدقَ ما كُتب في الأدب السياسي للمقاومة الوطنيّة اللّبنانيّة، وكانت وصفًا رائعًا لنضال الشعب اللّبناني من أجل الحرّيّة.

جعلنا الشمّاعي ننخرط في مشروع إعادة صياغة الوعي الوطني، وتثمير فعالية النظم السياسيّة التي طُرحت خلال الجمهوريّة الأولى والثانيّة، وأخذنا بكامل اليقين في رحلة إلى فضاء الفكر السياسيّ الصحيح الذي تحرّر من الأحقاد والفساد، من دون عصبيّة أو طائفيّة، أو مذهبيّة، على الرغم من أنّ معظم ما ورد في الكتاب يتحدّث عن الطوائف والمذاهب، بتخلٍّ تام عن الأنا وحبّ السلطة في سبيل الوطن المعشوق، من دون تمايز بين معطى جغرافي، لكن نقدًا للديموغرافية المتغيّرة المفروضة فرضًا، من خلال أمور لا تمّت للكيانيّة اللّبنانيّة بصلة، كمراسيم التجنيس العشوائيّة.

أرسى الكاتب حقائق راسخة عن منظمّة “الحزب”، ومن يحوم حولها من أجل الفُتات المتساقط عن مائدتها الأيديولوجية الخارجيّة، والتي شنّت حربًا خلال عقود، ظاهرها مقاومة العدو الإسرائيليّ، وباطنها تقويض الدولة، لصالح ولاية عقائديّة دينيّة لا حدود لها. فأظهر الجهود السياسيّة التي بذلتها المقاومة اللّبنانيّة الوطنيّة التي شنّت هجومًا معاكسًا بسلاح الديمقراطيّة الحقّة، تجسيدًا لعيش مشترك مع المؤمنين بلبنان. وقد لعب السياديّون وعلى رأسهم رجال حزب “القوّات اللّبنانيّة” دورًا هامًا في هذا المجال. فقطار الخلاص أقلع من محطّته الأوّلى بمن استقلّه بعد صدور هذا الكتاب، منطلقًا إلى الحلّ السياديّ الذي أوحت به الكيانيّة اللّبنانيّة، نمطًا للعيش السياسي الاجتماعي السليم ولم تفرضه بالقوّة، بعيدًا عن كلّ الخطوط المرسومة سلفًا من قبل الفكر الصفويّ الخارجيّ الذي حجّم التطلعات الجعفريّة الوطنيّة إلى عيش كريم مع أترابهم في بلد الأرز.

الشرح للفلسفة الظّهوريّة “الفينومينولوجيّة” التي اعتمدها شارل مالك من خلال المثلّث الوجودي، وكان منطلقًا لشرح ماهيّة “الكيانيّة اللّبنانيّة” في هذا الكتاب، مشابهًا لنظريّة مثلّث “جيمس ماكسويل” الذي دمج ثلاثة ألوان أساسيّة غير سالبة، فظهر النور العجيب. فكلّ كلمة كتبها الشمّاعي دلّت على الإيمان الواعي بالوطن اللّبنانيّ النهائي لجميع أبنائه، منطلقًا من المثلّث الوجودي الموجود من ربّ الأكوان بحسب القناعات الإيمانيّة. كما أنّ ألوان ماكسويل شبيهة بالأقانيم الثلاثة التي نتج عن أتّحادها النور الأزلي السرمدي المتمثّل بالإله الواحد.

من أضاء لنا الطريق، وملأ قوارير عشق الوطن بنور الشهادة، ونسج لنا أسطورة المجد اللّبنانيّة، سوى شهداء القضيّة اللّبنانيّة؟: “يُعتبر الإيمان جوهر أي قضيّة في العالم. ويلي الإيمان عنصر الالتزام بهذا الإيمان الذي قد يؤدّي بصاحبه إلى الشهادة لقضيّته، وهذه الشهادة قد تصل أحيانًا حدّ الاستشهاد، فخير شاهد هو الشهيد” (صفحة 45).

إنّ المقاربة الوطنيّة، التي يرومها كلّ من يبحث عن باب خلاص للوطن من هذه الأزمة الكيانيّة، تجلّت في مواقف البطريركيّة المارونيّة منذ نشأتها، وتضحيات من سار في خطاها يقينًا بالعيش المشترك الحقيقي، المبني على حق كلّ لبنانيّ كيانيّ في العيش بكرامة: “ينشط حزب القوّات اللّبنانيّة على خطّ مواكبة طرح بكركي الكياني. وهذا ما لا يثير استغرابًا. فحيثما تكون بكركي يكون القوات. هذا هو تاريخ المقاومة الحقّة”. (صفحة 133).

في أتون الحياة، تحفظك الوطنيّة في رحم الإيمان، ربما هو الإحساس الدائم بفرادة المقاومة اللّبنانيّة من أجل القضيّة، فنقل واقعنا المعاش من حيّز الضعة والدِعة السلبيّة إلى طور الكمال الوطنيّ، يبتدئ من حيث تموضعت هذه المقاومة من أجل الحفاظ على الكيانيّة اللّبنانيّة، كما وصف موقعها الشمّاعي في الصفحة 181: “… إذ لا عيش كريمًا في نصف وطن، أو في نصف دولة، أو في ثلث جمهوريّة. إمّا أن يكون الوطن والدولة والجمهوريّة بقمّة الكمال، وإمّا لا عيش كريمًا في لبنان. فالأمر محسوم، والحلّ لا يكون بنصف مواجهة بل بمواجهة كاملة”.

في مسألة فلسفة الاستشراف، إنّ المعطيات عند الباحث السياسي، كميكانيزمات الكيمياء التي تولّد من دالّة المعرفة، استيلاد أنساق مختلفة للّحظات المفصليّة المستقبليّة. فالشمّاعي استشرف الأحداث التي وقعت خلال العام الحالي في كتابه الصادر في العام المنصرم في عدّة مواضع من النصوص، على سبيل المثال لا الحصر فقد ورد في الصفحة 228: “إن لم يُجمع اللّبنانيّون على استعادة سيادتهم بأنفسهم قد نصبح تحت أمر واقع دولي سيفرض على المنظومة حل ذاتها بذاتها، أو قد يصل الأمر حتّى حلّها وتمزيقها إربًا إربًا كي لا تجتمع مرّة ثانية ليُصار إلى بناء لبنان الجديد”. كما ورد في الصفحة 265: “في هذا السياق، يجب ألّا يقبل الفلسطينيّون اليوم بمبادلة حريّة وجودهم بقرارهم السياسي. وهذا ما يتهافت عليه نظام الأسد اليوم الذي مهما طال الزمن فهو لا بدّ ساقط لأنّه يسير عكس مسار التاريخ”.

لقد ربط الشمّاعي بين الأحداث التي جرت خلال عقود من الزمن، من زاوية التفكّر والرؤية ذات الأبعاد الموضوعيّة بعيدًا عن صنميّة التفكير. ولم تكن وجهة نظره معلّبة كما فرضت الممانعة على الناطقين باسمها، بل كانت واقعيّة منبعها عشق الحرّيّة. فقد ورد في الصفحة 382: “لأنّ مؤسس كيانيّتنا سار أمامنا. فقادتنا لا يختبئون تحت الأرض لنموت فوقها، أو يهرولون هربًا إلى السفارات لينعموا بالحريّة والرفاه فيما نُضطهدُ نحن ونعيش بالذلّ.” هنا كان الماضي القريب دليلًا واضحًا على أنّ الهروب إلى السفارة الفرنسيّة، يندرج ضمن المخطط الذي أوجد الأنفاق التي قبع داخلها قياديو منظمة “الحزب”.

بين السلام الأميركيّ والحمام الفارسيّ، أصبحنا بالفصل الأخير من المسرحيّة؛ فكأنّنا بالشمّاعي قد راقص الفجر وشرب الشروق في كأس على قمم جبال الصوّان. فالنفح المسرحي التراجيدي لم يخلُ من السرد السياسي، فعندما كتب في الصفحة 120 من الكتاب: “وسينبت من كلّ سنبلة منّا ألف سنبلة، مستعدّة لتواجه مئات ألوفهم كلّها”، يخال القارئ نفسه جالسًا في المقعد الأوّل في مسرح البيكاديلي يستمع لغربة تقول لفاتك المتسلّط: “شو بدّك تقتل لتقتل ما بقى رح تخلص القصّة، ورا كلّ صخرة… تحت كلّ شجرة، بفيّة كلّ بيت عن يخلق ولد لمدلج”.

دمج الشمّاعي الوجدانيّات الدينيّة بالأدب السياسي في مواضع عديدة من نصوص الكتاب، على سبيل المثال لا الحصر عندما أضاء في الصفحة 167 على الخيانة التي هي رأس الشرّ، ورجس من تعاليم الشيطان. فالخائنون للوطن بعد أن عاشوا فيه، وشربوا من قراحِ مائه نعم الحياة، قد استصغروا شأن الوطن بشهوة الكراسي والمال الحرام وخيلاء العمالة لأيديولوجيات خارجيّة: “…فما أسهل أن نصرخ أصلبه أصلبه ليتحكّم بنا بعد رحيله أو سجنه برأبّا جديد! بعدما أسلَمَنا على أوّل مفترق يوضاس الذي غمّس يده في بندقيتنا ليوحّدها بخيانته”.

العقيدة التقمصيّة المتوارثة عند طائفة الموحّدين الدروز الكريمة، تعني الأفراد. أمّا الشمّاعي فقد حلم بتقمّص فترة زاهية من عمر هذا الوطن الأزلي عندما قال: “…لكنّ طبيعة الفكر التجاري الموروث فينيقيًّا شكّلت أساس تكوين الهويّة الكيانيّة. وهذا الواقع الجغرافي لن يستطيع أحد تبديله، من زمن المدن الفينيقيّة إلى اليوم، وباق إلى المستقبل”. (صفحة 384). وقد أعادنا إلى مرحلة مثاليّة في الازدهار والرقي بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، عندما كانت مدينة “آثر” الفينيقيّة أي طرابلس الحاليّة، عاصمة الإتّحاد الفينيقي، ويمكن اعتبارها أوّل عاصمة اتحاد أممي في التاريخ. وقد حمل الماضي إلى الحاضر ولو في الحلم، على أمل أن يتحقّق هذا الحلم. وسيتحقق بتضحيات شهداء المقاومة اللّبنانيّة.

لم يهمل الشمّاعي أي حدث سياسي، أو اجتماعي، أو أمني خلال عمر لبنان الكبير إلّا وذكره في الكتاب وعللّ نتائجه. لكنّه أهمل مسألة تعليم حكومات الدول المتقدّمة، السير بالاقتصاد من دون موازنات، وترك الأمر للمدرسة الباسيليّة. فالإنجاز الذي حصل في العهد السابق كان موازنة غير شفّافة، أقرّت صرف ملايين الدولارات لشراء مازوت لقطارات توقفت عن العمل منذ عقود، ولم تعمل خلال ذاك العهد، على أمل أن تعود للخدمة في العهود القادمة.

بعد قراءة الكتاب، يتّضح للقارئ، أنّ “الحزب” مشابه للشخصية الأسطوريّة “بروكرُست” من الميثولوجيّا اليونانيّة. فقاطع الطريق ذاك كان يظنّ نفسه النموذج الأمثل للإنسانيّة، ويدعو ضيوفه لقضاء اللّيل في منزله على سرير حديديٍّ. ويعمد إلى بتر جزءٍ من رجلَي الضيف، حتّى يتساوى طوله مع السرير. غير أنّ المثير للسخرية أنّ “بروكرُست” كان يمتلك سريرين مختلفي الطول، يختار منهما ما لا يناسب الضيف عمدًا. كلّ ذلك ليُجبر ضحيّته على التوافق مع قياسه المثاليّ المفترض، وقد ظهر كأداة جنونيّة للإنسان المثالي عند البعض. لكنّ المقاومة اللّبنانيّة وعلى رأسها حزب “القوّات اللّبنانيّة”، حطّمت كلّ الأسرّة “البروكرُستيّة”، وحافظت على الكيانيّة اللّبنانيّة التي هي علّة وجود لبنان.

 

كتب يوسف طراد في “المسيرة” ـ العدد 1673

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل