لا يكاد “الحزب” ينام على صفعة حتى يستفيق على ثانية أشد قساوة. فالأيام تُثبت أن كل مناوراته والتفافاته وسقوفه العالية وتهديداته وخطاباته “العنترية” لمحاولة الحفاظ على ما يمكن من ورقة السلاح، تسقط الواحدة تلو الأخرى. ولعلّ أكثر ما يغيظ “الحزب” ويعبّر عنه قياديّوه من فوق المنابر وعبر الشاشات، من أمينه العام الشيخ نعيم قاسم إلى سائر “المتعنترين”، هو أن الدولة لا تتراجع، ولا يبدو أنها في وارد التراجع تجاه طيّ ملف سلاحه وحصرية السلاح في يدها.
فرئيس الجمهورية جوزيف عون لا يكاد يفوّت فرصة أو مناسبة إلّا ويجدِّد التأكيد على أننا “اتخذنا قرار حصر السلاح بيد الدولة وسننفِّذه”، وعلى هذا “اللحن” الجميل ذاته يعزف رئيس الحكومة نواف سلام الذي يثابر على “ضرورة بسط الدولة لسلطتها على الأراضي اللبنانية كافة بقواها الذاتية”، فيما وزير الخارجية يوسف رجّي يبدو من جهته أكثر “المغيظين” لـ”الحزب”، وفي آخر مواقفه من القاهرة الثلاثاء الماضي جدَّد التأكيد أن “خطاب القسم لرئيس الجمهورية والبيان الوزاري للحكومة واضحان في حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها”، مؤكداً أن “حصر السلاح بيد الدولة هو مطلب وطني وشعبي”، قبل أن يكون “ختامها مسك” باستدعاء السفير الإيراني إلى وزارة الخارجية.
على وقع هذه الوقائع، تؤكد مصادر سياسية مطلعة، على احتكاك مباشر مع الساحة الشيعية، أنه “حتى داخل الطائفة الشيعية بدأنا نسمع أصواتاً معترضة، خصوصاً في الجنوب، فالجنوبيون تعبوا من الحروب واستباحة الجنوب منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، وتغييب الدولة لمصلحة القوى والمنظمات الثورية المختلفة منذ ذلك الوقت، بدءاً بالفصائل الفلسطينية وصولاً إلى محور الممانعة و”الحزب” اليوم، وكل هذا المسار لم يجلب سوى الخراب والدمار والتهجير على الجنوب، ولم يحرّر شبراً من فلسطين ولم يردع إسرائيل”.
كل الوظائف التي كان “الحزب” يدّعيها لسلاحه سقطت”، برأي المصادر نفسها التي تسأل: “ما هي وظيفة سلاح “الحزب” بعد كل ما حصل؟، فإذا كان لا يلجم إسرائيل التي تواصل ضرباتها وقضت على المئات من قياداته وعناصره منذ اتفاق وقف العمليات العدائية حتى اليوم والذي وقّعه “الحزب” وقال إنه يلتزم بنصوصه الواضحة التي أنهت دور السلاح، وإذا كان هذا السلاح أصبح يستخدم كذريعة من قبل إسرائيل لاستمرار استهدافاتها وضرباتها في وقت لا يفعل “الحزب” شيئاً، بالتالي ما هي وظيفة السلاح ليتمسك به؟”.
تضيف: “الجميع يعلم أن أكثر من 80% من السلاح الذي يمكن أن يهدِّد فعلاً إسرائيل، قضت عليه ودمّرته في مستودعاته ومخابئه وأنفاقه في الحرب الأخيرة، بالإضافة إلى ما استولت عليه من هذا السلاح خلال الحرب. بالتالي، هنا السؤال يصبح مشروعاً عن الوظيفة التي يخفيها “الحزب” حتى الآن لما تبقى من السلاح”.
تسأل المصادر: “هل هناك وظيفة داخلية يخطط لها “الحزب” لما تبقى من السلاح، وما هي؟. هل يخطط “الحزب” لمغامرات داخلية ضد الغالبية الساحقة من اللبنانيين المعارضين لسلاحه ومشروعه؟. هل سيستعمله ضد الدولة التي تؤكد أن السلاح غير الشرعي انتهى وقرار حصر السلاح بيدها اتُّخذ وسيُنفَّذ؟”.
المصادر نفسها تؤكد، أن “الجنوبيين هم أوّل اللبنانيين الذين يريدون أن يكون القرار بيد الدولة والجيش، تعبوا من الحروب والتفلُّت والسلاح خارج الشرعية، بالإضافة إلى أن الوضع الإقليمي والدولي انقلب جذرياً ولا مكان بعد اليوم للمنظمات المسلحة غير الشرعية، وأول من يدرك ذلك هو “الحزب” نفسه. بالتالي، كل خطاب “الحزب” السابق حول السلاح سقط وانتهى ولم يعد خياراً مطروحاً”.
كما تشدد المصادر، على أن “الكلام الذي يقال ورفع السقوف، ما هو سوى رسائل داخلية، ومحاولة خداع البيئة الحاضنة وشدّ العصب بأن هذا السلاح يحمي الشيعة”، معتبرة أن “هذا من صنوف الهذيان والإنكار والتضليل، فقد ثبُت أن هذا السلاح لم يحمِ الشيعة، بل لم يحمِ حتى قيادات الصف الأول والسيد نصرالله نفسه، ولم يحمِ الجنوب ولم يحمِ لبنان، وسقطت حجج أنه لتحرير فلسطين أو يهدّد إسرائيل ويردعها”.
“بالتالي، هل يستفيق “الحزب” ويغادر المكابرة والعناد والانكار ويواجه الحقيقة بشجاعة، بأن السلاح غير الشرعي انتهى، فيسلِّم سلاحه إلى الجيش ويلتزم بسقف الدولة فعلاً لا قولاً، فيوقف الخسائر عند هذه النقطة وهدر الوقت وإطالة معاناة اللبنانيين، وأولهم أهل الجنوب المدمّر، بلا طائل، فيسلم الجنوب والشيعة ولبنان بأسره ونتجنَّب كارثة أكبر؟”، تختم المصادر.

.jpg)