يوم عُرضت مسرحية Venus لأول مرة سنة 2015، (أي قبل 10 أعوام)، لم يكن عمري “تحت ال18. لماذا لم أشاهدها يومها؟. كيف يعقل ألّا أشاهد المسرحية التي اقتبسها كل من غابريال يمين ولينا خوري وأخرجها جاك مارون عن Venus in Fur للكاتب الأميركي دايفيد آيفز؟. كيف يمكن ألّا أكون قد شاهدتها، ولا حتى شاهدت (أنا عاشقة السينما) فيلم
Venus in Fur الذي عُرض في مهرجان كان سنة 2013 وفاز عنه رومان بولانسكي ب”سيزار” أفضل مخرج؟.
كيف يمكن ألّا أكون شاهدت مسرحية جاك مارون سنة 2015، وكل ما كانت تعد به (من خلال ملصقها الإعلاني) من جرأة وإثارة وساديّة ومازوخية وجنس عنيف جسدي ونفسي، وسحر ممثلين جريئين واستثنائيين هما المدهشة ريتا حايك والبديع بديع أبو شقرا، كل هذه المغريات كانت كفيلة بجعلي “أطير طيران” لمشاهدتها، فلماذا لم أشاهدها؟.
لماذا؟!، لا أعلم لماذا، وربما من أجلي أنا تحديداً، (أنا أيضاً يختلط في رأسي الواقع والخيال والحقيقي والوهمي والأحلام)، عادت من جديد وبعد 10 أعوام، “فاندا”، الممثلة الساعية لتجربة أداء على مسرحية من إخراج بديع اليائس من إمكانية إيجاد فتاة تؤدي الشخصية التي اقتبسها من رواية مازوخ سنة 1870، والتي تعشّش في خياله وأحلامه و”فانتازماته” الدفينة. فتاة مطيعة، تستطيع أن تسيطر عليه وتستعبده وتحقق أحلامه الخفيّة، فتوجعه وتعذّبه وتهينه، وكلما أمعنت، كلما انتشى هو.
فتاة مثل “فاندا” التي لا يمكن أن نتأكد أنها حقيقة أو خيال، اقتحمت عالمه بحجة تجربة أداء. أوهمته أنها جاهلة وغبية وسوقية. لم تغرّه ملابسها المثيرة. قاومها. ظنَّ أنه المتحكّم بخيوط اللعبة وأنها مجرد امرأة ماريونيت، ضعيفة ومسكينة وتحتاج فرصة منه. هكذا ظنَّ، هكذا جعلته يظنّ قبل أن تنقضّ عليه، بقوة، بسحر، بهيمنة، بإثارة، بأسلحة إغراء جسدي وعقلي ونفسي، فتنزع قناعها وفراءها، وتلبسه طوق الكلب، وتكبّله برغباته الدفينة، وتشعل المعركة بينهما على جبهات الوعي واللاوعي، الحقيقي والمتخيَّل، “الفانتازمات” والمحرّمات، الجسد والعقل، الألم واللذة، السيطرة والاستعباد، الرعد والبرق، ال “أيييي” و”آههه”.
لماذا عادت المسرحية؟. من أجلي أنا، (يحلو لي أن أفكر أنني مصدر الكون)، عادت “فاندا” بجسدها الذي يعرّيه اكثر فأكثر الفراء، وطوق الكلب الذي ستأسر به كاتباً يبحث عن امرأة تجرّده من مقاومته لينصاع بهوس إلى “فنتازماته” وملذاته هو، من خلالها هي.
عادت المسرحية لتجعلني أفهم لماذا لم أشاهدها قبل 10 أعوام. فعلى الرغم من أنني لم أكن تحت ال18 قبل 10 أعوام، ولا حتى ال28 وال38، غير أنني حتماً كنت أصغر من أن أستوعب هذا الكم الهائل من الغوص في الأعماق الفلسفية والنفسية لرغبات الانسان وشهواته في بحثه عن الحب بأوجهه العديدة، بعيداً عن الخطأ والصواب.
أخيراً، شاهدت المسرحية على مسرح مونو. كان علي أن أنتظر ربما استعادتها الثانية بعد 20 عاماً، فأنا أكيدة أنني مثل كثيرين وكثيرين (قد لا يجرؤون على البوح) ، لم نفلفش بقدر كاف كل الأدراج النفسية الخفيّة التي فتحتها لنا، لم نكتشف بقدر كاف كل خفايا الأبواب الموصدة التي شقّتها لنا.
لم أكن أعرف لماذا لم أشاهدها قبل 10 أعوام. اليوم عرفت. حتماً أضعت عليّ أداء مبهراً للبديع بديع، والمذهلة بتلوّناتها وتنقلاتها وجرأتها وسيطرتها على كامل تفاصيل الشخصية ريتا حايك، لكن ما فهمته واستخلصته اليوم لم أكن لأفهمه قبل 10 أعوام. أثق أنني في كل مرة سأشاهدها خلال عروضها الحالية على مسرح مونو، سأكتشف نفسي أكثر فأكثر، ولن يكون سبر أغواري وأغواركم الدفينة كاملاً… لا بأس، سنة 2035 على الموعد.

.jpg)