يحل عيد العمال العالمي بموعده السنوي في الأول من أيار، غداً الخميس، والعامل اللبناني ما يزال يكابد آثار الأزمة الاقتصادية منذ العام 2019. فالعامل أو الموظف لم يتعافَ بعد من آثار انهيار الليرة اللبنانية مقابل الدولار وفقدان المعاشات لقيمتها الشرائية، تلك المعاشات التي ما تزال بعيدة عن مجاراة التضخم وغلاء المعيشة، ولو من بعيد. في حين، ما تزال الخلافات على أشدّها بين أرباب العمل والعمال ووزارة العمل حول رفع الحد الأدنى للأجور الذي بات حاجة ملحة وضرورية، هذه الخلافات التي دفعت وزير العمل محمد حيدر إلى تأجيل اجتماع لجنة المؤشر الذي كان مقرراً في 28 الحالي والذي كان من المتوقع أن يبتَّ برفع الحد الأدنى للأجور، إلى 7 أيار المقبل، من دون ضمانات بأن “الدخان الأبيض” سيخرج من اجتماع 7 أيار المفترض، في حال انعقد ولم نشهد تأجيلاً جديداً.
المؤشرات ما تزال غير واضحة لغاية الآن حول الرقم الذي سيرسو عليه الحد الأدنى للأجور، في ظل التجاذب القائم بين الأطراف المعنية وتمسُّك كل طرف بموقفه، علماً أن تصحيح الحد الأدنى للأجور بات أمراً شديد الإلحاح ولا يحتمل أي مماطلة أو تسويف بظل الظروف المعيشية والغلاء. وإن كان الكل يعترف بضرورة تصحيح الحد الأدنى للأجور، لكن أرباب العمل لا يوافقون على الأرقام المطروحة، معتبرين أنها قد تؤدي إلى إقفال العديد من المؤسسات. في حين أن الاتحاد العمالي العام لا يوافق من جهته على هذه المقاربة، ويعتبر أن المطروح يبقى أقل من الحد الأدنى المنصف للعامل، ولا يحمّل غالبية المؤسسات أعباء تفوق قدرتها وطاقتها وإمكانياتها، ولا يشكل خطراً عليها بالمستوى الذي يدّعيه أرباب العمل.
في هذا السياق، يشدد الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، على أن “لجنة المؤشر هي لجنة علمية يُفترض أن تأخذ في الاعتبار الأوضاع التي تُحدِّد الحد الأدنى للأجور، بالتالي المسألة ليست مزاجية أو استنسابية وفق ما يرتئيه هذا الطرف أو ذاك، خصوصاً وأن المادة 44 من قانون العمل تنص على أنه “يجب أن يكون الحد الأدنى للأجر كافياً ليسدَّ حاجات الأجير الضرورية وحاجات عائلته”، أي نحن لا نخترع جديداً”.
بالتالي، يضيف شمس الدين عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “تحديد الحد الأدنى للأجور يجب أن يستند إلى 3 مؤشرات: الأول، هو مؤشر التضخم، ووفقاً لإدارة الإحصاء المركزي، سجَّل التضخم منذ العام 2000 إلى العام 2024 نسبة 677%، وهذا انعكس ثانياً على أكلاف المعيشة. فإذا أخذنا اليوم أسرة لبنانية من 4 أفراد واحتسبنا كلفة المعيشة، (إيجار سكن ما بين 200 دولار و400 دولار، إشتراك المياه والكهرباء، السلة الغذائية الاستهلاكية بقيمة 250 دولاراً شهرياً، من دون وضع أي كلفة على الصحة والاستشفاء، أما للتعليم فاحتسبنا الكلفة في المدارس الرسمية فقط)، يجب على ضوء هذه الأكلاف أن يكون الحد الأدنى للأجور اليوم، كمتوسط، 900 دولار”.
بالنسبة للمؤشر الثالث، يوضح شمس الدين أنه “يأتي بعد احتساب نسب التضخم وأكلاف المعيشة، ليجيب على السؤال، هل نستطيع أن نتحمّل رفع الحد الأدنى للأجور في القطاعين العام والخاص؟”، مشيراً إلى أنه “على مستوى الدولة، يكفي أن تحدَّ من التهرب الضريبي، لا سيما من الـTVA الذي يبلغ نحو مليار و800 مليون دولار في السنة، فتجبي إيراداتها ويصبح لديها إيرادات مالية تغطي كل الزيادة على الأجور، هذا فضلاً عن الأملاك البحرية والأملاك العامة للدولة المستباحة”.
أما على مستوى القطاع الخاص، فيؤكد شمس الدين أن “20% فقط من المؤسسات قد لا تتحمَّل رفع الحد الأدنى للأجور، ويمكن أن تقفل أبوابها وتصرف العمال. أما معالجة هذه المشكلة، فتكون بتشكيل لجنة مشتركة من وزارات العمل والصناعة والاقتصاد تتولى وضع حلِّ لها”.
شمس الدين يشدد، على أن “الحل موجود وممكن، قوامه أن الشركات والمؤسسات غير القادرة على تحقيق زيادة الحد الأدنى للأجور وإعطاء غلاء المعيشة لعمالها وموظفيها، تقوم بتقديم طلب والتماس بهذا الخصوص، ويتم إنشاء صندوق يموَّل من ضرائب تُفرض على العمالة الأجنبية الموجودة في لبنان كما يحصل في سائر بلدان العالم، والأموال المحصَّلة من الضريبة على العمال الأجانب تُسدَّد للمؤسسات العاجزة عن دفع الزيادة على الحد الأدنى للأجور. بالتالي، الحلول موجودة ومتوفرة وعادلة للجميع، إن كان هناك إرادة بإعطاء العامل الحد الأدنى للأجور العادل والمنصف ورفع الغبن عنه”.
شمس الدين يؤكد، أن “الحد الأدنى للأجور في لبنان اليوم يجب ألّا يقل عن 900 دولار”، لافتاً إلى أن “الاتحاد العمالي العام ارتضى وقبل أن يكون 500 دولار، فيما الهيئات الاقتصادية وأرباب العمل يطرحون 300 دولار”، ومتوقعاً أن “يصلوا إلى حلِّ وسط كالعادة”،
لكنه يشدد على أن “هذا الحل الذي سيتوافقون عليه لن يكون مبنياً على أسس علمية، لا لناحية التضخم ولا لجهة أكلاف المعيشة ولا بالنسبة للمؤسسات القادرة على تحمُّل زيادة الحد الأدنى للأجور”.

