
يشهد الواقع المالي في لبنان سجالاً متصاعداً يتمحور حول دور وأهمية مؤسسة مالية تابعة لـ “الحزب”، وذلك بعد إعلانها عن بدء تجاوز صعوباتها المالية واستئناف نشاطها. ففي خضم أزمة اقتصادية غير مسبوقة عصفت بالبلاد، برزت هذه المؤسسة كشريان حياة للكثير من اللبنانيين الذين وجدوا فيها ملاذاً للحصول على قروض حسنة لتلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل شح السيولة وانهيار القطاع المصرفي الرسمي.
هذه المؤسسة هي “القرض الحسن” التي تعمل خارج نطاق النظام المالي والقانوني للدولة اللبنانية وتثير قلقاً عميقاً لدى أطراف دولية فاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية. هذه القوى تراقب بدقة حركة الأموال داخل هذه المؤسسة، التي تنشط بمنأى عن رقابة مصرف لبنان والهيئات المالية الرسمية. ويتصاعد الاعتقاد لدى هذه الأوساط بأن استمرار “القرض الحسن” على هذا النحو يشكل عقبة جوهرية أمام أي محاولة جادة لإصلاح مالي شامل في لبنان واستعادة ثقة المجتمع الدولي.
يرى محللون اقتصاديون وسياسيون أن “القرض الحسن” يعمل في إطار ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد ظل” أو “اقتصاد موازٍ”، مما يقوض سلطة الدولة وجهودها لتنظيم القطاع المالي والسيطرة على تدفقات رؤوس الأموال. هذا الوضع يضع علامات استفهام كبيرة حول شفافية المؤسسة ومصادر تمويلها وآليات إقراضها، الأمر الذي يزيد من تحفظ المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة والمستثمرين الأجانب تجاه لبنان.
يؤكد خبراء في الشأن المالي عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن استعادة الثقة الدولية، التي تعتبر عنصراً حيوياً لإنعاش الاقتصاد اللبناني المتعثر، تتطلب من الحكومة اللبنانية إظهار التزام حقيقي بتطبيق إصلاحات هيكلية جذرية. وفي صلب هذه الإصلاحات تقع ضرورة إخضاع جميع المؤسسات المالية العاملة على الأراضي اللبنانية، بما فيها “القرض الحسن”، لرقابة الدولة ومصرفها المركزي. فالغياب المستمر للشفافية والمساءلة يغذي الشكوك ويحول دون استعادة الثقة المفقودة.
في الختام، يظل السؤال المطروح بإلحاح، هل يمكن للبنان أن يأمل في تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام وشامل في ظل استمرار عمل مؤسسة مالية بحجم “القرض الحسن” خارج الأطر القانونية والتنظيمية الرسمية؟ أم أن تفكيك هذه المؤسسة يمثل ثمناً لا بد منه على طريق استعادة الثقة الدولية وفتح مسارات التعافي الاقتصادي المنشود؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل الإصلاحات المالية في لبنان ومسار علاقاته مع المجتمع الدولي.
