




في لحظة سياسية مهمة من تاريخ لبنان، وسط أزمات تراكمت على مرّ السنين اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، تزامنًا مع متغيّرات داخلية وإقليمية ودولية، ونحن في بداية عهد جديد يتأمل اللبنانيون منه خيرًا، يطلّ علينا استحقاق انتخابي محوري: الانتخابات البلدية. ويتزامن ذلك مع موضوعات ثقيلة يتمايز حولها اللبنانيون، وفيما يرى البعض هذه الانتخابات مجرّد محطة إدارية روتينية، فإن الواقع يقول إنها تمثّل فرصة ذهبية لإعادة بناء دولة المواطنة، من القاعدة، من حيث يبدأ كل تغيير فعلي: من الناس وللناس.
فالبلديات، بصفتها السلطة المحلية الأقرب إلى المواطن، قادرة على أن تشكّل نواةَ مشروع تنموي وطني حقيقي، يعيد الثقة بالمؤسسات، ويكرّس ثقافة المشاركة والمساءلة، ويحرّك مروحة الاقتصاد الداخلية، خصوصًا وأن هذه الانتخابات تأتي بعد تمديد للمجالس البلدية ثلاث سنوات.
نحاول أن نضيء على هذه الفرصة، وأهميتها، وكيفية استثمارها، عبر مقاربة علمية توعوية تدمج بين القيم الديمقراطية وأسس الإدارة الرشيدة، في ضوء خصوصيات المجتمع اللبناني.
الديمقراطية كمدخل للتغيير السلمي… لماذا نختار الديمقراطية؟
أولًا، الديمقراطية ليست شعارًا سياسيًا أو نظامًا جامدًا، بل آلية ديناميكية لإدارة التعدد والاختلاف، وتحقيق الخير العام، إذ إنها تتيح تداولًا سلميًا للسلطة، وتمنح الأفراد/الناخبين حقّ المشاركة في صناعة القرار، وتؤمّن أدوات المحاسبة والمساءلة. ومن الجدير بالذكر أن التغيير في الأنظمة الديمقراطية لا يكون بالثورات، بل بالانتخابات، حيث لكلٍ صوته. غير أن نجاح الديمقراطية لا يُختصر بالنصوص الدستورية أو القوانين، بل يتطلب ثقافة مجتمعية داعمة، ووعيًا عامًا يربط بين الحق في التصويت والمسؤولية تجاه الخير العام، وهو أفضل تعبير عن الشأن العام.
فكل صوت انتخابي هو تعبير عن مسؤولية الفرد تجاه جماعته ومجتمعه.
وعلى أهميتها، تبقى الديمقراطية وسيلة، وليست غاية بحدّ ذاتها، حيث الهدف الحقيقي هو تنمية المجتمعات وتأمين حياة الإنسان الكريمة.
فالديمقراطية، ببساطة، هي أفضل ما توصلت إليه بشريتنا كنظام سياسي حتى الآن، رغم نواقصها؛ ومن هنا تمسكنا بها ضمن التعددية اللبنانية.
التغيير: حتمية وضرورة
أيضًا، ليس التغيير ترفًا فكريًا، أو تنظيرًا، بل هو ضرورة حياتية. فالحياة بطبيعتها تأبى الجمود، وكذلك الجمود في السياسات والإدارة ينتج التدهور والتراجع.
والتغيير الإيجابي لا يحدث عن طريق الصدفة، بل يحتاج إلى الإرادة، والقرار، والتخطيط، والعمل، والمثابرة.
في الأنظمة الديمقراطية، يكون التصويت هو الأداة الأقوى لإحداث التغيير، وليس العنف أو الفوضى أو الثورات.
الصوت الانتخابي الواعي هو نقطة انطلاق، يمكن أن تصنع تحولًا حقيقيًا في الاتجاه السياسي، وتُحدث ضغطًا شعبيًا لتعديل السياسات نحو ما يخدم الناس وتطلعاتهم وآمالهم.
من هنا أهمية الوعي الانتخابي، وأهمية الاستحقاق الآتي.
اللامركزية: خيار دستوري وضرورة إنقاذية
ينصّ الدستور اللبناني، منذ وثيقة الوفاق الوطني التي أُقرّت عام 1989، على اعتماد اللامركزية الإدارية كخيار لتفعيل المشاركة الشعبية-الوطنية، وتحقيق العدالة التنموية بين المناطق كافة. لكن هذا القرار بقي حبرًا على ورق، من جراء طبيعة الحياة السياسية في لبنان، بين الاحتلال والوصاية. وباتت الحاجة المُلِحّة إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى.
اللامركزية ليست فقط مبدًا تنظيميًا، بل هي رؤية لإشراك الناس في اتخاذ القرار، وتعزيز المواطنة، والرقابة المحلية، وتوزيع الموارد بشكل أكثر عدالة، بالأخص أن الدولة المركزية مقصّرة في تحقيق الإنماء أو تقديم الخدمات.
لبنان، بتعدديته وخصوصيات مناطقه، يحتاج إلى إدارة محلية فاعلة، تستجيب لاحتياجات المواطنين بشكل مباشر وسريع، تواكب تطلعاتهم، وتحاكي همومهم اليومية.
البلديات: حكومات محلية ومساحات أمل
من هنا نفهم دور البلديات، ليس كإدارات خدماتية هامشية، بل كحكومات محلية مصغّرة، تُعنى بحياة الناس اليومية: من المياه والكهرباء إلى الصحة والتعليم، من الطرق والنظافة إلى البيئة والثقافة، ومن التخطيط إلى التنفيذ.
قوتها تكمن في قربها من الناس، وفي قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، إن وُجدت الإرادة والخبرة والموارد.
بلدية فاعلة تعني مجتمعًا أكثر عدالة، وخدمات أكثر جودة، وفرصًا اقتصادية أكبر، وفهمًا أعمق لمقومات المجتمعات المحلية والبناء عليها من أجل تحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل وتجذير الناس بأرضهم، وتاليًا، خلق ثقة متجددة بالمؤسسات والوطن.
الانتخابات البلدية: مفصلية لا روتينية
لذا، نعيش اليوم لحظة استثنائية: انتخابات بلدية تأتي في بداية عهد جديد، في ظل تحوّلات داخلية وإقليمية ودولية، وفي مرحلة يتطوّر فيها النظام اللبناني والعقد الاجتماعي بين أبنائه ربما.
إنها لحظة مفصلية، يمكن أن تعيد تشكيل النخب السياسية المحلية والاجتماعية، وترسي معايير جديدة للإدارة والتنمية والمحاسبة والكفاءة.
فالشرعية لا تُمنح، بل تُكتسب من صندوق الاقتراع. ومن هنا، فالمشاركة الواعية في هذا الاستحقاق هي واجب وطني وأخلاقي، وفرصة لا يجب تفويتها.
ربّ قائل إن هذا بعيد عن الواقع، فالوجوه في البلدات والمدن تتكرر؛ صحيح، ولكن لا بدّ من السعي الدائم نحو الأفضل والأمثل، فتكرار ما كان لن يُنتج إلا استمرارًا للحالات الموجودة.
القيادة والقيم: شرطا النجاح البلدي
وللحديث عن ذلك، علينا معالجة مسألة القيادة في الشأن العام، خصوصًا على المستوى البلدي، إذ ليست مجرد إدارة للموارد أو تنفيذ للمشاريع، بل هي فعل رؤيوي، أخلاقي، يتطلب النزاهة، والشفافية، والتزامًا بالقيم.
المجتمعات لا تُبنى بالقرارات فقط، بل بالقيم التي تؤسس لتضامن حقيقي، ومشاركة فعّالة، وثقة متبادلة.
المطلوب فرق عمل متجانسة، ومجالس بلدية متعاضدة، تحمل برامج مدروسة، ورؤى، واستراتيجيات، وتكون مستعدة للعمل الدؤوب، وتعتمد أسلوب تواصل فاعل، يضع المواطن في صلب القرار، ليس في الانتخابات فقط، بل على طول عمر المجالس البلدية.
لا مكان في المستقبل للعقليات البليدة. علينا الاختيار، والمضي قدمًا مع اتجاه التاريخ والمنطق.
المرشح: دور ومسؤولية لا طموح شخصي
وإن أردنا مجالس فاعلة، فهي تبدأ من الفرد. لا سحر في ذلك. ليس كل من يترشح يملك الأهلية. فالمرشح مسؤول قبل أن يكون طامحًا. عليه أن يُعدّ نفسه عمليًا ومهنيًا، وحتى نفسيًا. أن يفهم طبيعة البلدية ودورها، أن يضع برنامجًا عمليًا قابلًا للتطبيق، وأن يُظهر التزامه بالعمل التشاركي لا الفردي.
يجب أن يكون منفتحًا على النقد، وقادرًا على بناء تحالفات إيجابية داخل المجتمع.
المسؤولية تبدأ من لحظة التفكير بالترشح، ولا تنتهي مع الفوز.
كثر هم الذين يقاربون الشأن العام سعيًا خلف مركز، بينما المطلوب هو من يسعون للعب دور إيجابي مسؤول.
يستحيل بناء أي جسم صحيح إن لم تكن كل أعضائه، أو معظمها، صحيحة.
الناخب: صوت مسؤول لا رقم انتخابي
وكما أن المرشح مسؤول، كذلك الناخب. فالناخب هو صانع التغيير الحقيقي. صوته ليس ورقة تُرمى في صندوق، بل هو قرار يحدد مستقبل المنطقة والناس. لذلك، يجب أن يكون الاختيار مبنيًا على معرفة، ومقارنة، ومحاسبة.
الديمقراطية هي حكم الشعب، للشعب. والشأن العام، يعني العامة، وهو الخير العام.
لذلك، المشاركة لا تقتصر على يوم الانتخابات، بل تمتد إلى ما بعدها: في المتابعة، والضغط، والتقييم.
الديمقراطية لا تكتمل إلا بمواطنة فعالة، تراقب وتشارك وتبادر.
الإعلام، الأحزاب، المرجعيات، وقادة الرأي: صناعة الوعي لا التلاعب به
وإن كان الناخب مسؤولًا، والمرشح أيضًا، فالضلع الثالث لهذه المعادلة هم من يشكّلون أو يصنعون الرأي العام.
تلعب هذه القوى دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام.
الإعلام، إن كان حرًا ومسؤولًا، يوسّع دائرة النقاش، ويتيح للمواطنين فهمًا أعمق للخيارات والبرامج.
الأحزاب مدعوة للخروج من منطق الزبائنية إلى منطق الكفاءة وعمل الجماعة الحقيقي.
الجمعيات، والجامعات، والمثقفون، عليهم مسؤولية تقديم مقاربات علمية ترفع الوعي، وتفتح الأفق.
أما المرجعيات، السياسية والدينية، فعليها أن ترتقي بدورها إلى مستوى المصلحة العامة.
جميعهم مسؤولون عن رفع الوعي الانتخابي، وتاليًا تشكيل الرأي العام
الوعي في عصر الذكاء الإصطناعي والمعلومة المتاحة
في السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة تطوّر البشرية، وكان من أبرز ما شهده هذا العصر هو سقوط العزلة. لم يعُد المواطن محصورًا بجغرافيته، ولا محدودًا ببيئته الضيّقة. فالمعلومة باتت متاحة بلمسة، والأفكار تنتقل بلا حواجز، والتواصل أصبح عابرًا للحدود والثقافات.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تُقاس القوة بالسيطرة، بل بكيفية استخدام الأدوات. هذه التكنولوجيا الحديثة يمكن أن تكون محرّكًا للوعي، ومنصّة للمشاركة، وأداة لتشكيل سياسات أكثر إنصافًا ورشدًا.
لكن التحدي الجوهري يكمن في الاستخدام: فكلما اتّسع الاطلاع، تعاظمت المسؤولية. وكلما تعمّق الفهم، تبلورت الخيارات.
اليوم، الفرص متاحة، والأدوات في متناول الجميع. والمطلوب هو استثمارها بإيجابية ووعي، لخدمة الخير العام، والإسهام في مواجهة التحديات، وتمكين المجتمعات من التطوّر والنهوض
من ثقافة الفرد إلى روح الجماعة
على رغم تسارع الإيقاع، واتساع دوائر الانفتاح، لا بد من التمسك بالهوية، والحرص على الفرادة اللبنانية التي لطالما ميّزتنا. فرغم الانقسامات، ظلّ لبنان مرادفًا لروح العائلة، والتكافل، والعيش المشترك.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة لإحياء هذه القيم، وتعزيزها في حياتنا اليومية. فالعمل البلدي لا يقوم على فرد، بل على تآزر مجتمع. ولا تنجح المؤسسات إن لم تكن محصّنة بالقيم، ومؤسَّسة على المسؤولية الجماعية.
المجتمع المتعاون ينتج خيرًا مشتركًا، ينعكس إيجابًا على الجميع.
وحريّ بنا أن نتذكّر دائمًا: ما يحفظ المجتمعات أو يهدّدها، هو مقدار تمسّكها بقيمها، وهويتها، وفرادتها.
فرصة وطنية لبناء جديد
ختامًا، ليست الانتخابات البلدية استحقاقًا إداريًا عابرًا، بل لحظة مفصلية في مسار الوطن… فإما أن نعيد إنتاج الفشل، أو نفتح باب الأمل.
بناء بلديات حديثة، شفّافة، كفوءة، ومرتكزة على العدالة واللامركزية، هو حجر الأساس لإعادة بناء لبنان الغد. وهذه مسؤولية وطنية جامعة: يتحمّلها الناخبون، والمرشّحون، والإعلام، والأحزاب، والنخب، والمرجعيات.
فلنغتنم الفرصة، ولنحوّل البلديات من ساحات خدمة محدودة أو مبارزات سياسية، إلى منصّات إنتاج وطني، ونواة لمشروع جامع، عنوانه: كرامة الإنسان، وعدالة التنمية، والخير العام.
كتب شادي ديراني في “المسيرة” ـ العدد 1674
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
