#dfp #adsense

“درب مريم” من دير الأحمر الى بشوات.. حكايات إيمان عبر الأجيال

حجم الخط

في قلب البقاع الشمالي، حيث يلتقي عبق التاريخ بالروحانية وصفاء الطبيعة، تحتضن منطقة دير الأحمر العديد من الكنائس التي تروي قصصًا من الإيمان العميق. من بين هذه الكنائس، تبرز كنائس السيدة العذراء كرموزٍ حية لعلاقة الإنسان بالله من خلالها، ولعراقة التقاليد المسيحية التي مرت بها هذه الأرض المقدسة على مر العصور، لتشهد على إيمان عميق وروحانية راسخة تتناغم مع كل زاوية من هذه الأرض المباركة.

أربعة مقامات مريمية في منطقة دير الاحمر، تجسدت فيها رسالة مريم العذراء كأم حنونة شكلت ما سُمّي “درب مريم”، تبدأ بكنيسة سيدة الزروع، مرورًا بكنيسة سيدة البرج ومسبحة الوردية وصولًا الى كنيسة سيدة بشوات العجائبية.

رحلة روحانية على هذه المقامات المريمية في منطقة دير الأحمر، قامت بها “المسيرة” للتعرّف على تاريخها العريق، رمزية معمارها، والدور الذي تلعبه في الحفاظ على الهوية الدينية للمنطقة، وأهميتها الاقتصادية في السياحة الدينية، وكيف تُسهم في تعزيز الإيمان والتواصل الروحي بين الناس.

ليست كنائس السيدة العذراء في منطقة دير الأحمر مجرد مبانٍ حجرية أو أماكن للصلاة، بل هي محطات روحية تحمل في ثناياها قصصًا من التضحيات والصلوات التي سرت عبر الأجيال. هذه كنائس تقف شامخة، شاهدة على رحلة روحانية تتداخل فيها معاني الأمل والرجاء والبحث عن السلام الداخلي. وفي كل زاوية منها، تجد الهدوء والسكينة التي تدعو الزوار والمصلين للانغماس في لحظات من التأمل والتقرب إلى الله، وهي تجسيد حي لإيمان الأجيال المتعاقبة بحضور العذراء مريم في حياتهم اليومية.

هذا ما يؤكد عليه نائب المنطقة أنطوان حبشي الذي اعتبر أن صورة السيدة العذراء ظهرت بوضوح في معجزة عرس قانا، التي تختصر جوهر الإيمان المسيحي. ففي هذا العرس، أخبرت العذراء ابنها يسوع بأن الخمر قد نفد، وطلبت منه أن يحوّل الماء إلى خمر. فاستجاب لها، مؤكدةً بذلك أنها الممر الفعلي للخلاص.

من خلال هذه المعجزة يضيف حبشي نفهم عمق أهمية العذراء مريم كأم، ولهذا السبب نجد في منطقتنا مقامًا للسيدة العذراء في كل بلدة، ولكل موسم من مواسم الحياة مريم خاصة به، فهناك سيدة الزروع، وسيدة الخلاص، وسيدة بشوات، وسيدة البرج التي ترمز إلى النضال والدفاع عن النفس وغيرها… هذه المقامات تعكس دور مريم العذراء في إيماننا المسيحي وتؤكد على أنها الطريق الفعلي للخلاص. وأنها تسهم في توجيه المؤمنين نحو الطريق الصحيح عبر إيمانها وثقتها المطلقة في ابنها يسوع.

وبين سهول دير الأحمر وتلال بشوات، يمتدّ دربٌ ليس ككلّ الدروب… “درب مريم” وهو كناية عن طريق من حجارة وإيمان، رسمته ظهورات العذراء، وكرّسته محبّة الناس لها عبر الأجيال. كما أنه يربط بين أبرز المقامات المريمية في المنطقة، من سيدة الزروع إلى سيدة البرج، ثم دير ودار مسبحة الوردية وصولًا إلى سيدة بشوات. باختصار، هو مسيرة روحية تُعيد رسم خطوات العذراء في أرضٍ احتضنتها، وكرّست نفسها لها. ورحلة الحج إليه سيرًا على الأقدام تمتد على مسافة حوالى 4 كيلومترات، وتحتاج بين ساعتين إلى خمس ساعات لاجتيازه اعتمادًا على مسار الزوار وأنشطتهم، حيث يمكن أن يكون الانحدار متوسطًا إذا بدأوا من سيدة بشوات نزولًا، أو شديدًا إذا بدأوا من سيدة الزروع صعودًا.

ويقسم هذا الدرب الى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول ويمتد بين سيدة الزروع وسيدة دير الأحمر، وقد سُمّي بـ”درب الآلام”، لما يتضمّنه من منحوتات تُجسّد مراحل درب الصليب. أما الجزء الثاني، الذي يصل بين سيدة دير الأحمر ومسبحة الوردية فأطلق عليه إسم “درب القيامة”، حيث تنتشر عليه منحوتات تجسّد مجد القيامة ونور الرجاء. أما الجزء الثالث من المسار فلم يُنجز بعد، ويمتد من المسبحة إلى سيدة بشوات. ومن المقرّر أن يُطلق عليه إسم “طريق العبور”، في إشارة إلى العبور من الألم إلى المجد، ومن اليأس إلى الرجاء، ومن الإنسان إلى قلب الله.

 

سيدة بشوات

“المسيرة” اختارت ان تكون بداية هذا المسار من بلدة بشوات البقاعية، حيث يروي التاريخ حكاية لقاء بين السماء والأرض. حكاية عبرت التاريخ، وبلغت ذروتها في 21 آب 2004، حين ظهرت العذراء مريم للطفل الأردني محمد الهوادي، إبن التسع سنوات، متحدّثة إليه، لتبدأ سلسلة عجائب استمرت ستة أشهر، أمام عيون الزوّار الذين رأوا التمثال يفتح عينيه، ويحرّك ثوبه، ويرسم إشارة الصليب.

ويعود بناء كنيسة سيدة بشوات العجائبيّة إلى ما قبل 250 عامًا على أيدي آل “كيروز” وقد أُعيد ترميمه عام 1998. ويقصدها المؤمنون من كل صوب ومن مختلف الديانات للتبرك والتماس النّعم. ويضم المزار المتواضع المبني من الحجر على شكل عقد أيقونة “لسيّدة الانتقال”.

الأب طوني رحمه كاهن الرعية، يقسِّم تاريخ المقام إلى حقبتَين: ما قبل العام 1904 وما بعده. ففي العام 1904، وصل تمثال العذراء إلى بشوات كهديّة من الراهب اليسوعي جوزيف بودار. ولكن ما حدث في العام 2004 لم يكن حدثًا عاديًا، بل هو احتفال سماوي بيوبيل العذراء المئوي لوجود تمثالها في بشوات. بحسب ما اكتشف المطران حنا رحمه عندما كان يحضّر لزيارته الى بلدة بومان الفرنسية منشأ تمثال سيدة بشوات.

وتقول الحكاية انه في نهاية القرن التاسع عشر، كانت كنيسة بشوات بسيطة، بلا تمثال، تُزيّنها فقط أيقونة الانتقال. عند وصول الراهب بودار إلى المنطقة، التقى بأحد السكان، الذي أطلق النار في الهواء لجمع الأهالي، عندها اكتشف هذا الراهب الحزن الذي تركه احتراق الأيقونة العجائبية في الكنيسة لدى السكان والتي كانت تُعرف حينها بـ”سيدة الرعاة” انطلاقًا من طبيعة عمل سكان المنطقة الذين كانوا من الرعاة والمزارعين، يَنذُرون لها ماشيتهم ومواسمهم. ومع أن اسمها الرسمي لا يزال “سيدة الرعاة”، إلا أن العالم يعرفها اليوم بـ”سيدة بشوات”… الاسم الذي أصبح مرادفًا للرجاء والحضور الإلهي.

في العام 1904، وفى الراهب بودار بوعده، وأُبلغ سكّان بشوات من محطة بعلبك للقطار بوصول التمثال، فحملوه على الأكتاف، في مسيرة إيمان جمعت قرى المنطقة. ليبدأ المؤمنون ربط أعاجيب العذراء بتمثالها، لا بأيقونتها فقط، خصوصًا بعدما بدأ التمثال يتحرّك عام 2004.

يوضح الأب رحمه أن ما يميّز هذا التمثال، المصنوع من حجر “البازلت”، أنه الوحيد في العالم الذي تمسك فيه العذراء بالصليب الأحمر بيديها، وليس الطفل الإلهي، في إشارة رمزية تقول فيها مريم: “أقدّم لكم إبني المصلوب فداءً عنكم. إنه تمثال محبّة، بثوب ازرق مرصّع بالنجوم”. ويؤكد أن “مريم العذراء تجمع بين المسلمين والمسيحيين، فهي مكرّمة في القرآن كأعظم نساء العالم. وقد أعلن لبنان عيد البشارة، في 25 آذار، عيدًا وطنيًا مشتركًا، والشفاءات التي حقَّقتها سيدة بشوات لا تعرف طائفة ولا حدود، فهي جسدية وروحية، تنبع من لقاء صادق مع مريم العذراء أم الجميع”.

في بشوات، الحياة الروحية لا تنقطع. الاعترافات مستمرة، والقداديس يومية وتُقام ايضًا بحسب طلب الزوار، كما تُتلى مسبحة الوردية يوميًا، إضافة الى تخصيص يوم الخميس للسجود أمام القربان المقدس، ومع  الغروب تُضاء الشموع وتُحمل مريم عند نهاية القداس في تطواف إيماني من الكنيسة الكبيرة الى المزار.

وفي أيار، شهر مريم، تُفتتح الاحتفالات بقداس احتفالي كبير مع أسقف الأبرشية، وتُختتم بمسيرة شعبية حاشدة من كل القرى المحيطة، لتقول العذراء من جديد: “أنا هنا… معكم… لا تخافوا”.

 

سيدة الوردية

في قلب “درب مريم” تقف مسبحة وردية فريدة من نوعها، ليس فقط من حيث الحجم والرمزية، بل من حيث العمق الروحي والهندسي الذي يحمله تصميمها، وعن علاقة مريم العذراء بأبناء هذه المنطقة. ويروي أحد القيّمين على دير ودار سيدة الوردية أن هذه المنطقة التي اختارتها العذراء مريم هي مكان استراتيجي لبدء مسار إيماني عميق، حيث يهدف المشروع إلى توسيع هذا المسار ليصل مستقبليًا إلى بلدة نبحا، مركز التعايش المشترك، من خلال العمل على تطويب الأب نيكولا كلوتورز في برقا، وغصيبه كيروز في نبحا.

وهذه المسبحة رسمها الطبيب اللبناني بول نجيم الذي عاش اختبارًا روحيًا عميقًا في مديوغوريه عام 2006. وتتضمن 59 حبّة بطول 600 متر، الحبّات التي تمثّل صلاة السلام الملائكي عبارة عن كابيلات، والأخرى التي تمثّل صلاة الأبانا عبارة عن كراسي اعتراف، يبلغ طول كلّ واحدة منها 5 أمتار وعرضها 3.5 أمتار، ويتمكّن المؤمنون من المرور عبرها في خلال تلاوة المسبحة الورديّة. هي اليوم من الباطون وسيتم لاحقًا تلبيس كل حبة بمشهدية من الإنجيل، إلى جانب أكاديمية روحية وكنيسة صغيرة، وصولًا إلى صليب القيامة الذي سيعلوه المسيح القائم من بين الاموات، وتحت الصليب سيتم بناء كابيلا مخصصة لعبادة القربان المقدس.

هذه المسبحة ليست فقط محطة دينية، بل تُعرف أيضًا بـ”المستشفى الروحي” و”مدرسة الصلاة”، وهي مفتوحة للجميع من كل الطوائف، في مشهد نادر من الوحدة والتقوى. المشروع يُبنى بالتعاون بين الرهبنة اللبنانية المارونية وجمعية مسبحة الحماية والخلاص، ويشمل أيضًا مذبحًا في الهواء الطلق يُصمد عليه القربان ليلًا، وابتداء من أيار 2023 بدأ السجود الدائم له.

على الرغم من التحديات الاقتصادية، لا يزال الإيمان أكبر من الأرقام. فحين وُضعت الخرائط عام 2008 قُدّر المشروع بـ13 مليون دولار، واليوم تمّ تنفيذ معظم مراحله بفضل هبات المؤمنين ودعم الرهبنة. وعربون امتنان ومحبة ستحفر أسماء المتبرعين في “الكتاب الذهبي” تحت الصليب.

أما بالنسبة للنشاطات الروحية فهي لا تهدأ طيلة السنة، من المسيرات اليومية في المسبحة المترافقة مع تلاوة مسبحة الوردية والتي تبدأ عند الساعة الخامسة من بعد ظهر كل يوم، إلى المشاركة في المسيرة الأبرشية الكبرى التي تمتد من سيدة الزروع إلى بشوات، مرورًا بكل المقامات، وصولًا إلى الاحتفالات الخاصة بشهري أيار وتشرين الأول عيد سيدة الوردية.

 

سيدة البرج

وفي قلب بلدة دير الأحمر، تقف كنيسة سيدة البرج كرمز حي للإيمان والصمود، شاهدة على قصة جيل بعد جيل من أبناء البلدة الذين حافظوا على رابطهم الروحي العميق، على رغم مرور الزمن وتحدياته.

لم يكن اختيار الموقع لهذه الكنيسة، التي كانت صرحًا صغيرًا في البداية، مجرد صدفة. بل كان الموقع الصخري الذي بنيت عليه ويحمل في طياته ذاكرة تاريخية عميقة، حيث كان هذا المكان في الماضي موطنًا لمعبد الإله “جوبيتر”، الذي يشبه معبد بعلبك الشهير في صلابته، وهو يحمل رمزًا للصمود الذي سيكتب لاحقًا في حجارة الكنيسة نفسها، وفقًا لدراسات ومعلومات من عدد من علماء الآثار.

عام 1772، بُنيت الكنيسة الأولى بمساحة بسيطة، وتميّزت بتواضعها، فهي مربعة الشكل، وسقفها ترابي، وجدرانها من الطين. لم تكن الكنيسة في بداياتها تحتوي الكثير من التفاصيل، فالمذبح صغير، وأواني القداس نحاسية قليلة، ولكنها كانت كافية لتكون ملجًا للصلوات، يقول القيم العام الأبرشي والمعاون في رعية سيدة البرج الأب يوحنا مارون النداف، مضيفا أن روح المكان تكمن في الإيمان الذي يملأه، وفي القلوب التي تجد فيها راحة وسلامًا يوميًا. ومع مرور الوقت، تطورت الكنيسة وتوسعت، وفي العام 1876، جرى توسيعها بطول 20 مترًا، وعرض 13 مترًا، وارتفاع 12 مترًا. وتابع الزمان مسيرته بين عامي 1961 و1967، حيث جرى ترميم أجزاء واسعة من الكنيسة، واكتست الجدران بالباطون والأرضيات بالبلاط الرخامي، كما تم صنع مقاعد للجلوس وبناء القبة الجديدة.

أما الترميم الأخير الذي شهدته الكنيسة، فقد تم بين الأعوام 2014 و2017، لتأخذ شكلها الحالي الأثري، مع اكتشاف معصرة رومانية في أرضيتها. وقد تم تصنيف الكنيسة مع العقار التابع لها من قبل مديرية الآثار ضمن المعالم السياحية الدينية، حيث تضم المنطقة المحيطة مقابر رومانية تقع خلف المركز الرسولي، بالإضافة إلى الآبار الرومانية والعديد من الآثار التي لا تزال مدفونة تحت أرض الساحة القديمة، والتي يجري العمل على كشفها.

ومن أبرز ما يلفت نظر الزائر لسيدة البرج هو بيت القربان المميز بشكله والمنحوت يدويًا، والذي يرمز إلى يد الله التي تقدم ابنها فداءً للبشرية، ويُفتح بواسطة باب جرّار رمزًا لتدحرج الحجر عن قبر المسيح، والى جانبه لوحة معلّقة على أحد الأعمدة تضم 45 ذخيرة مقدسة أحضرها أحد الأجداد من أورشليم، وبالإضافة الى ذخيرة من عود من الصليب المقدس. لكن ما يميّز الكنيسة أكثر هو حضور العذراء مريم، التي كانت دائمًا الملاك الحارس لأهالي البلدة، سواء في أوقات السلم أو في أوقات الحرب.

يقول الأب النداف إن الكثير من الحكايات تروى عن الحماية والنعمة بعضها موثق وبعضها اخبار شعبية. أول معجزة لسيدة البرج، حدثت مع الشخص الدرزي الذي كان مكلفًا ببناء الكنيسة. فبعد خلاف مع القيّمين عليها حول المال، قرر ترك العمل، ولكنه عاد في اليوم التالي لإتمامه. وعند سؤاله عن سبب عودته، أجاب قائلًا: “لقد زارتني السيدة في الحلم وسألتني لماذا تركت بيتي في دير الأحمر من دون أن تكملّه”. فقرر العودة لاستكمال البناء على نفقته الخاصة، كوفاء نذر على نية عائلته، وذلك بأفضل تنفيذ، وهو ما يمكن ملاحظته في المقارنة بين بناء الكنيسة والجدار المبني خلفها.

بحسب ما سجّل التاريخ، هناك ثلاثة ظهورات لسيدة البرج وثّقها الأب يوسف مرشد عماد في كتيب صغير. أولها كان فوق مدرسة العائلة المقدسة، والثاني كان نور ساطع تجلّى على “تلة الصليب”، أما الثالث، فشهد عليه أهل دير الأحمر وجيرانهم من القرى المجاورة، مسيحيين ومسلمين، إذ رأوا مشهدًا غير اعتيادي في السماء، وأطلقوا النار من الفرح، حتى ارتسمت صورة مريم واضحة على تلة الصليب. ومع مرور الزمن، ظل هذا الشعور بالحماية حاضرًا. وفي الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، سقط صاروخ مصدره بلدة بوداي بالقرب من الكنيسة، لكنه لم يصب أحدًا، وكأن يد العذراء بقيت ممتدة فوق البلدة، تحرسها بصمتها الأبدي.

وفيما يتعلق بتحضيرات الشهر المريمي، يشير الأب النداف أنه احتفالًا بذكرى اليوبيل بدأ العمل على تشييد في نصب تذكاري على إسم سيدة البرج يتضمن تمثال العذراء الذي كان موجودًا في البلدة قبل أن يفجّره الفلسطينيون عام 1975 عند هجومهم على المنطقة. كما أضافوا أرزة تحمل أسماء شهداء دير الأحمر الذين سقطوا دفاعًا عن البلدة. وسيتم افتتاح النصب في الثالث من أيار 2025 برعاية المطران حنا رحمة، بعد قداس شعبي ورسمي، بالإضافة إلى القداديس اليومية التي ستُقام في الساعة الثامنة صباحًا والسابعة مساءً، مرفقة بعدد من الأنشطة الروحية وصلوات المسبحة.

 

سيدة الزروع

ولكنيسة سيدة الزروع في دير الاحمر آخر محطة في “درب مريم” مكانها في وجدان اهالي البلدة، هي الشاهدة على البدايات الأولى لبلدة دير الاحمر، حين وصلها الرعاة من جبة بشرّي والعاقورة. لم يلبثوا أن استقروا في البلدة حتى بدأوا بزراعة الأرض، وبناء كنيسة صغيرة كرّسوها للعذراء مريم، حامية الزرع والمواسم، لتكون اول كنيسة بنيت في دير الاحمر، وكانت لهم ملجًا ومصدر بركة، وسُمّيت بـ”سيدة الزروع”.

إلى جانب الكنيسة، تم حفر بئر ماء ليستعين به الأهالي والمزارعون في ريّ أراضيهم، يوم كانت المياه شحيحة في البلدة. لكن في العام 1756، ضرب زلزال المنطقة، فانهارت الكنيسة المتواضعة. إلا أن محبة الناس لأرضهم وللعذراء كانت أقوى من الركام، فبادروا إلى إعادة بنائها فوق أنقاض الكنيسة القديمة، بجهودهم وتبرعاتهم.

بساطة البناء تعكس عمق روحانيته، فلا زخرفت ولا بهرجة، بل حجارة ناطقة بالإيمان، ومكان لا يزال يحتضن صلوات الأجداد. يقول النائب العام الأسقفي المونسينيور بول كيروز بأن هذه الكنيسة تُعرف أيضًا بلقب “سيدة الحصاد”، إذ ارتبطت بالزراعة وبطبيعة المنطقة، فأصبحت العذراء مريم بالنسبة للأهالي حامية المحاصيل والسنابل. ويعيِّد لها المؤمنون مرتين في السنة. الأولى في 15 كانون الثاني وقت الزرع، ويوم 15 ايار وقت الحصاد. وفي أوقات الجفاف واحتباس المطر، يلجأ الناس إلى تقليد إيماني فريد، حيث يزنّرون الكنيسة بأثوابهم على شكل مسبحة، تعبيرًا عن رجائهم العميق وتضرعهم للأم السماوية. سيدة الزروع ليست مجرد كنيسة، بل جزء من ذاكرة الناس، من ترابهم وعرقهم، ومن صلاة يزرعونها في الأرض على رجاء المطر والحصاد.

المقامات المريمية في البقاع الشمالي تشكل أيضًا جزءًا أساسيًا من الهوية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، إذ لا تقتصر أهميتها على البُعد الروحي فحسب، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر في حياة أبناء المنطقة، مُشكِّلة وجهة سياحية دينية تجذب الزوار من مختلف المناطق والبلدان، مما يعزز الحركة الاقتصادية ويخلق فرص عمل متنوعة، من السياحة الدينية إلى الحرف التقليدية والمأكولات المحلية. كما تساهم هذه المقامات في تعزيز ارتباط أبناء المنطقة بأرضهم، مما يحفزهم على الاستثمار فيها والمحافظة على التراث الثقافي والديني.

يشير رئيس جمعية “DMO” التي تعنى بالسياحة في دير الأحمرطوني سعادة، إلى أن السياحة الدينية تشكل العنصر الأبرز في أهمية المنطقة. فمزار سيدة بشوات يعتبر من المقامات المريمية الشهيرة على الصعيدين اللبناني والعالمي، وكان له دور محوري في جذب السياح، خصوصًا في شهري أيار وآب. كما يُعتبر مقام سيدة البرج، بالنسبة لأبناء دير الأحمر، الأكثر أهمية كرمز للحماية، وهو موقع أثري تم ترميمه مؤخرًا ويضم معبدًا رومانيًا بالإضافة إلى كتابات قديمة.

ويؤكد سعاده أن الجمعية تعمل اليوم على تنشيط السياحة ليس فقط الدينية، بل أيضًا البيئية والأثرية. وفي هذا السياق، تعمل الجمعية على التواصل مع الوكالات السياحية والجامعات والجماعات الروحية لتشجيع الزيارات، كما يتم التحضير لعقد مؤتمر سياحي في المنطقة في شهر حزيران المقبل.

ختامًا في قلب البقاع الشمالي، لا تكتفي العذراء مريم بأن تكون تمثالًا من حجر، بل هي تنبض حضورًا حيًّا في دروب الناس وصلواتهم، بين المقامات والظهورات، لتحضن الأرض وأهلها، فتروي حكايات إيمان لا يموت، وتبقى النور الثابت في عتمات هذا الزمان.

 

كتبت غرازييلا فخري في “المسيرة” ـ العدد 1764

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل