
“خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فِدَى الشَّعْبِ ولا تَهْلِكَ الأُمَّةُ بِأَسْرِهَا!”
(إنجيل القدّيس يوحنّا ١١ / ٤٧ – ٥٤)
كانت الأرض هادئة تلك الليلة. لكن السماء كانت مشتعلة.
مجلسٌ عُقد في الظلمة، وقرارات ظالمة اتُّخذت بصوت خافت، لكن رجع صداها دوّى في أعماق الكون، لأن الذي اجتمعوا عليه لم يكن إنسانًا فقط…
كان الكلمة الذي صار بشرًا. كان الحياةُ ذاتها.
في التاريخ لحظاتٌ لا تمرّ مرور الكرام، لحظاتٌ لا يحصيها الزمن، بل تحصي الزمن كلّه… إنها تلك اللحظات التي يسكت فيها الله، وتتكلم قلوب البشر.
ليلةٌ لا يُطفئها الغروب… بل يشعلها قرار. قرارُ موتٍ أُلبس ثوب العقل والدين والسياسة… قرارٌ كُتبَ في العتمة، وخُتمَ بالخيانة، وسُطّر بدم الأبرياء.
في تلك الليلة، لم تكن أورشليم مدينة، بل مرآة لكلّ العصور. اجتمع فيها الكبار، الأحبار، الفريسيّون، المدافعون عن الإيمان بالحرف والسيف، الراغبون بالحفاظ على الهيكل ولو سقط الله من وسطهم، اجتمعوا في مجلس، ليُقنعوا أنفسهم أن قتل الحقّ هو خلاصهم.
يسوع أقام لعازر من الموت. لم يُدهشهم النور، بل أخافهم. لم يفرحوا بالحياة التي عادت، بل خافوا على حياتهم المزيّفة.
“ماذا نعمل؟ إن تركناه هكذا، يؤمن به الجميع”. آه، كم يُخيف الإيمانُ الذين بنوا سلطتهم على الخوف. وكم يُرعبهم الحبّ لأنه لا يُشترى ولا يخضع، ولا يُبرّر، ولا يُباع.
فقام قيافا… كقاضٍ مهووس متعطّش للدمّ، ونطق بما لم يدركه: “خيرٌ لنا أن يموت رجل واحد فدى الشعب”. وهو لا يعلم أنّه تنبّأ، فالله كان يكتب الإنجيل من فم قاتليه. يا لسخرية المشهد! قيافا يُصدر حكم الموت على الحياة، ويسوع، بصمت النساك، يطيع حتى الموت.
إنه لا يهرب، لا يردّ، لا يُبرّر نفسه. لأنه لم يأتِ ليُبرّر ذاته، بل ليبرّر العالم بالحبّ. هو لا يخاف المجلس، لأنه عقد في قلبه مجلسًا أزليًا، وقرّر أن يُحبّ حتى يعانق الصليب.
في تلك الليلة، لم يُصلب يسوع بعد، لكن حُكم الموت بدأ يسري في جسده. ليس الموت كفناء، بل كدعوة، كرسالة، كاحتضان لكلّ من لفظهم العالم.
وفي تلك الليلة، قبل أن يقتلوه، كان يُصلّي كأنّه كان يهمس للآب:
“دعهم يجتمعون، دعهم يحكمون، دعهم يقتلون… ففي جراحي سأصنع كنيسة، وفي صمتي سأزرع ثورة، وفي موتي، سألد حياةً لا تنتهي”.
في قلب كل مؤامرة، هناك صليب. وفي قلب كل صليب، هناك قيامة. وفي قلب كل قيامة، هناك حبّ لا يموت.
في تلك الليلة، لم يكن يسوع فقط يسير نحو موته، بل نحو حريّتنا، نحو خلاص أيوب العصر… ذاك الإنسان المسحوق، الذي تُجلده الأنظمة، وتَنساه المجتمعات، ذاك الذي يحمل في جسده جراح أوطان مقطّعة، ويصبر، ويصبر، ولا يموت.
كم من “أيوب” ما زال يُجلد في أحياء المدنية المعاصرة، كم من أمّ تفتّش في الخرائب عن وجه ابنها الضائع، كم من شيخ يُسفك دمه لأنه “من أتباع الصليب”،
كم من شعب يُصلب كلّ يوم بحجّة “أمن الوطن”، كم من مظلوم يُقتل ليرتاح الجبناء، كم من قدّيس يمرّ بيننا ونحن لا نراه لأننا نبحث عن “قيصر يحكم” لا عن مسيح يفدي!
يا يسوع، أنت لم تمت لأنك فشلت، بل لأنك أحببت. لم تُقتل لأنك ضعيف، بل لأنك قويّ لدرجة أنك لم تحتاج الدفاع عن نفسك.
تركتهم يحكمون، لكي تُعيد الحكم إلى قلب الله.
يا يسوع، اجعلني لا أهرب حين يتآمرون، ولا أساوم حين يُطلب رأيي، ولا أشارك بصمتي في إدانة الحبّ.
خذني إلى إفرائيم، خذني إلى البريّة.
علّمني الصمت الذي لا يهرب، بل ينتظر، والصلاة التي لا تطلب المعجزة، بل الثبات، والإيمان الذي لا يبني قصرًا، بل يحمل صليبًا.
يا يسوع، اجعلني لا أخاف المجالس السوداء، فكلّ من يسكنك لا يُظلم، وكلّ من يحبّك لا يُكسر.
يا من قبلت قرار الموت لكي تعطينا قرار الحياة، أنر ليالي قلبي، واكسر كلّ قيافا يختبئ في داخلي. أبعدني عن ضجيجهم وخذني إلى صمتك، ومن حكمهم إلى رحمتك، ومن خيانتهم إلى نعمتك.
يا مَن قبلت أن تكون “الرجل الواحد الذي يموت ليفدي الشعب”، اجعلني واحدًا معك، واحدًا مع كلّ إنسان مجروح، واحدًا مع كلّ قلب يطلبك، واحدًا مع الحبّ الذي لا يُقتل، لأنه منك… ولك… وفيك.
الكلمة موقف، أيًا يكن موقِعُها ووَقعُها. في الفكر، في السياسة،
في الدين، في الثقافة، في المجتمع، في الاقتصاد، في البيئة…
وحتى تصبح هذه “الكلمة” عابِرة في الزمان والمكان، تفتح مجلة “المسيرة” صفحتها “آخر الكلام” لكتَّاب وسياسيين ورجال دين وفكر وفلسفة واقتصاد، ليسطِّروا عليها كلمة… وموقف.
“المسيرة”
كتب الخوري كامل كامل في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
