

مع بداية الحرب في 13 نيسان 1975 والتي احتفل لبنان هذا العام بذكراها الخمسين، دخلت القاموس اللبناني عبارة ما زالت قيد الإستعمال حتى اليوم وهي “الأمل بقيامة لبنان”. تكرّرت هذه العبارة طويلًا وعلى مدى خمسة عقود عند كل عيد فصح واحتفال بقيامة السيد المسيح من الموت، دلالة على أن لبنان عاش جلجلة طويلة لم تتوقف مراحل صليبها على الرغم من زمن السلم الأهلي الخادع، فكان يأمل اللبنانيون عند استذكار قيامة السيد من القبر، قيامة وطنهم من الموت البطيء وخلاصهم من الجلجلة التي بدا أن لا نهاية لها.
وإذا كانت القيامة هي للرب وقد تحققت منذ ألفي عام تقريبًا، فلا بأس من مقارنتها بقيامة وطن موعود، فالوطن اللبناني واجه الموت والاندثار مرارًا عبر التاريخ وعاد الى الحياة، لأن أبناءه آمنوا به ودافعوا عنه بأرواحهم، فصحّ أن يراهنوا على قيامته مجددًا بعد كل محنة ونكبة. إن عظمة لبنان أنه لا يرتبط بعرش أو بسلالة أو بعشيرة أو بزعامة أو بأشخاص، وإلا كان آيلا إلى الموت في لحظة ما أو إلى الإلحاق بكيان آخر، فلبنان فكرة بين الحلم والحقيقة، وكيان يجمع بين واقعه تاريخًا وبين إرادة أبنائه في عيش الحرية مهما بلغت كلفتها. ولذلك صحّ تشبيه حياة وطن الأرز رمزيا بحياة السيد المسيح وصولًا إلى القيامة. فعدا الرب القائم من الموت، جميع أبناء البشر زائلون، بينما الأوطان تبقى طالما بقي مؤمنون بها.
لقد أسرّ نابوليون بونابرت في منفاه في جزيرة القديسة هيلانة إلى صديقه برتران بقوله: “لقد كنتُ الإسكندر المقدوني عظمة وفتوحات، وكنت قيصر… ولكن ما هو الإسكندر وأين هو اليوم، وما هو قيصر وأين هو اليوم… صفحة من التاريخ، ودرس إضافي للتلامذة”.
اليوم ولأول مرة، يشعر اللبنانيون بأن قيامة لبنان باتت في متناولهم، فهي وإن لم تكتمل، لكنها على طريق التحقق، لأسباب عدة موضوعية، وليس مجرد أمنية ترتكز إلى قراءات ملتبسة ورغبات جياشة فحسب.
لقد أضاع لبنان في السابق فرصًا عدة لقيامته من المعاناة ومسلسل الأزمات الموجعة والحروب والصراعات والمآسي على أنواعها، وتمثلت الفرصة الأولى بانتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، والثانية باتفاق الطائف ونهاية الحرب، لكن الحرب استمرت بوجوه أخرى في لبنان وعليه زمن السلم الأهلي المفخخ في ظل الوصاية السورية، وبرزت الفرصة الثالثة مع ثورة الأرز وانتفاضة الاستقلال وخروج الجيش السوري من لبنان، وها هي الفرصة الأكثر جدية لقيامة لبنان تبرز اليوم، مع تراجع دويلة “الحزب” التي كانت تُعِدّ العدّة للحلول كليًا محل الدولة، ومع رحيل نظام الأسد، وما زادها تبلورًا انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية وتشكيل حكومة سيادية بالحد الأدنى برئاسة نواف سلام، وتصدّر القوى السيادية وعلى رأسها “القوات اللبنانية” المشهد السياسي مع انحسار ملحوظ لحلف السلاح والفساد بعد بضعة عشر عامًا من الهيمنة على القرار السياسي، لا سيما عبر التعطيل وتقويض أركان الدولة.
اليوم، تتمتع فرصة قيامة لبنان بدعائم قوية، أخصها الغطاء الدولي والعربي من خلال الإصرار على دعم الدولة اللبنانية في حقها الطبيعي باستعادة قرارها الذاتي ولا سيما في ما يخص الحرب والسلم، مرورًا بحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الشرعية، وصولًا إلى إطلاق سلسلة خطوات إصلاحية جذرية للقضاء على الفساد ومحاسبة المفسدين.
ولا يمجُّ المجتمعان الدولي والعربي عباراتهما حول الشروط الموضوعية لمساعدة لبنان على النهوض من محنته، وهي أن تتمكن الدولة من القبض كليًا على ناصية الأمن قرارًا وأرضًا عبر إزالة كل سلاح غير شرعي تأسيسًا على ما نص عليه اتفاق الطائف والقرارات الدولية ذات الصلة والاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار، والذي أقرته الحكومة السابقة التي كان يسيطر عليها “الحزب” وبموافقته، بل وبإلحاح منه بعد النكسات والضربات القاسية التي تلقاها.
وحتى اليوم، وبعد “إقلاعة” حذرة وبطيئة نسبيًا، على الرغم من الثوابت الواضحة التي تضمنها خطاب القسم والبيان الوزاري، يبدو أن الحكم والحكومة باتا أكثر حزمًا وعزمًا وحسمًا في تطبيق الالتزامات والوعود التي ترتكز في الأصل على الدستور والقانون والشرعيتين المحلية والدولية. فقيامة الدولة لا يمكن أن تتم إلا على قواعد لا يرقى إليها أي شك ولا ينال منها أي تشكيك، ولو كابر أهل الممانعة وحاولوا عبثا تعطيل مسار استعادة السيادة وحصرية السلاح. فالقرار الدولي السياسي متخذ عمليًا، على خلفية القرار الدولي القانوني المتمثل بقرارات مجلس الأمن 1559 و1680 و1701، علمًا أن الشرعية العربية إذا جاز التعبير تتمثل باتفاق الطائف الذي تم برعاية عربية ولا سيما من المملكة العربية السعودية إلى جانب الجزائر والمغرب.
وما زال عضو اللجنة الثلاثية العربية وعقلها المدبر الأخضر الإبراهيمي حيا يرزق، وهو يشدد في مجالسه الخاصة عندما يلتقيه أصدقاء لبنانيون في باريس، على أن اتفاق الطائف هو الميثاق الوطني الجديد للبنان، وأن إقرار الطائف بالمناصفة حتى إشعار آخر يرتبط بنضوج فكرة التخلّي عن الطائفية وليس عن الطائفية السياسية فحسب، ويمثل ثابتة تعكس مفهوم لبنان الوطن كنموذج للشراكة والتوازن بمعزل عن الأحجام والأعداد والٍأرقام.
وانطلاقا من هذا الواقع، يتضح أكثر فأكثر ٍأن مختلف المكوّنات اللبنانية والقوى السياسية الْأساسية مقتنعة بالحفاظ على الشراكة الفعلية وتعتبر أن الحضور المسيحي ما زال يمثل الرافعة الأبرز للدولة وضمانة لاحتواء الصراعات الطائفية وبخاصة المذهبية. ومن الواضح أن الرئيس جوزيف عون أعاد للرئاسة هيبتها وحضورها، بما يتجاوز الصلاحيات التي تركها له اتفاق الطائف، ومحاولات تقويض هذه الصلاحيات المتبقية خلال العهود السابقة من قبل “الحزب” وأحيانًا بالتكافل والتضامن مع حليفه البرتقالي الذي رفع شعار استعادة الصلاحيات، لكنه عمليًا مارس ما يناقض هذا الشعار على طاولة الصفقات والمقايضات والمحاصصات. وما يؤكد على اندفاعة الرئاسة في قيادة عملية الإنقاذ وصولًا إلى تكريس قيامة لبنان الوطن والدولة، هو أن لا اعتراض جديًا على هذه القيادة، انطلاقًا من أن أهل الممانعة فقدوا قدرتهم التعطيلية وما تعنيه من فرض بالتهويل والابتزاز، مقابل حرص من رئيس الحكومة على عدم وضع العصي في دواليب الرئاسة طالما أن الهدف هو استعادة السيادة وإطلاق عملية الإصلاح.
والأهم أن العهد الحالي يتمتع بالشرعيتين الوطنية والمسيحية، وبالثقتين العربية والدولية، فوطنيًا صورة قائد الجيش الذي عرف كيف يحافظ على المؤسسة العسكرية ما زالت ماثلة بقوة في الأذهان، ومسيحيًا توفر “القوات اللبنانية” وحلفاؤها السياديون المسيحيون رافعة أساسية للعهد، وعربيًا تتولى السعودية معالجة أي حساسية أو إشكالية بما يصب في خانة دعم الرئيس عون الذي يحظى في الوقت عينه دوليًا بتأييد واضح لخياراته في ما يتعلق بعناوين السيادة وتحرير لبنان من أي هيمنة خارجية سواء كانت إسرائيلية أم إيرانية.
أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة
كتب أنطوان مراد في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]