استأذن الرحيل إلى العالم الآخر حيث لا وجع ولا ألم ولا بكاء ولا حروب 24 ساعة. خرج على كرسي متحرّك حيّا الحشود التي توافدت إلى ساحة بازيليك القديس بطرس للاحتفال بقداس القيامة، خاطبهم بكلمات مختصرة وتلا أحد الكرادلة رسالة الوداع “أوقفوا الحروب في أوكرانيا وغزة”… وعاد إلى شقته في مقر القديسة مارتا في الفاتيكان حيث كان يقيم منذ انتخابه عام 2013… إلى أن دقت ساعة الرحيل فجر الإثنين 21 نيسان 2025، إثر إصابته بجلطة دماغية تسببت في دخوله بغيبوبة وفشل في الدورة الدموية للقلب، بحسب شهادة الوفاة التي أصدرها الفاتيكان. بابا الفقراء والمهمشين فرنسيس وداعًا.
ثلاثة أقانيم طبعت مسيرة البابا فرنسيس: البساطة والجرأة والرحمة. لم يكن مجرّد بابا للكنيسة جمعاء إنما بابا الإنسان. من أقاصي الأرض جاء ليرمم الجسور بين الإيمان والعصرنة، بين الفقراء والمهمشين، بين الكنيسة والعالم. وحين اختار اسمه منذ اللحظة الأولى على إعلان حبريته تكريما للقديس فرنسيس الأسيزي، فهم العالم أن شيئاً جديداً يولد في أروقة الفاتيكان.
على مدى سنوات حبريته لم يتوانَ البابا فرنسيس عن حمل هموم العالم: من قضايا اللاجئين إلى البيئة وصولاً إلى مناشداته المتكررة للسلام في مناطق النزاع. فكان صوتاً للذين لا صوت لهم وضميراً عالميا يتكئ على الروح.
لا تخافوا من الحنان، لا تتعبوا من الغفران، كونوا شهودًا للرحمة في عالم يحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى، تلك وصاياه التي تركها للمؤمنين والمهمشين في العالم.
ولطالما حمل البابا فرنسيس لبنان في قلبه. وغالبًا ما عبّر عن حبه لهذا الوطن بترداد ما قاله سلفه القديس يوحنا بولس الثاني: “لبنان ليس مجرّد بلد بل هو رسالة حرية ومثال للتعددية والتعايش السلمي”. وقد تبنّى البابا فرنسيس هذه العبارة وأعطاها بعداً جديداً، إذ اعتبر “أن لبنان يجب أن يبقى نموذجاً للحوار بين الأديان والثقافات”.
عقب جريمة تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020 قال البابا فرنسيس في تحيته الأسبوعية “قلبي مع لبنان… أنا أصلي من أجلكم ولن أتخلى عنكم… أدعو الجميع إلى الصلاة من أجل ضحايا هذا الانفجار وعائلاتهم ومن أجل لبنان لكي يتمكن بمساعدة المجتمع الدولي من تجاوز الأزمة التي يمرّ بها”. كما أرسل مساعدات طارئة عبر السفارة البابوية وأوفد الكاردينال بييترو بارولين المرجح اختياره من قبل مجمع الكرادلة خلفاً للبابا الراحل.
مراراً أعرب البابا فرنسيس عن رغبته الصادقة بزيارة لبنان. وفي العام 2021 قال: “أتعهد بأن أزور لبنان عندما تكون الظروف مواتية. أحمل هذا البلد في قلبي وأتألم مع شعبه”. ولطالما ردد “أنا قريب من لبنان وسأفعل ما بوسعي لأراه يقوم من جديد”.
أيضا حثّ البابا فرنسيس القادة اللبنانيين على وضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار طائفي أو سياسي، وكان يرى أن الكنيسة في لبنان مدعوة لأن تكون صانعة سلام وجسراً للحوار.
في 17 كانون الأول 1936 ولد خورخي ماريو بيرغوليو في الأرجنتين على وقع أنغام التانغو. وانتخب في 13 آذار 2013 البابا الـ266 للكنيسة الكاثوليكية بعد استقالة سلفه البابا بندكتوس السادس عشر، واختار اسمه البابوي تيمنا باسم القديس فرنسيس الأسيزي، وهو يعدُّ أول بابا متحدّر من الرهبنة اليسوعية ومن القارة الأميركية.
عام 2015 أصدر البابا وثيقة “لاوداتو سي” أو “كن مسبِّحا” شدد فيها على حماية البيئة كما تحدث عن البشارة الجديدة “التي تشدد على التعاطف وحب المهمشين وإظهار رحمة الله”.
كان من أشد الداعمين للمهاجرين واللاجئين ورفّع النساء إلى عدد من المناصب البارزة في الفاتيكان. وحين سُئلَ عن الكهنة المثليين أجاب: “من أنا حتى أدين؟”. ولم يتردد عن تقديم اعتذاراته عما ارتكبه رجالات الكنيسة من انتهاكات لحقوق الإنسان
من أبرز المحطات التي طبعت مسيرة البابا فرنسيس تلك اللحظة التاريخية التي جمعته بالإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب في شباط 2019 في إمارة أبو ظبي وتم توقيع وثيقة الأخوة والإنسانية التاريخية. وفي آذار 2021 استقبل السيد علي السيستاني البابا فرنسيس في منزله في النجف.
عقب تدهور صحته ومواجهته مشكلات في الرئة العام الماضي كتب البابا فرنسيس وصيته التي كشف فيها عن المكان الذي يرغب أن يُدفن فيه بعد وفاته. ومما جاء فيها:
“بإسم الثالوث الأقدس، آمين.
وإني إذ أشعر بأن شمس حياتي الأرضية تميل إلى المغيب، وبثقة حية في الحياة الأبدية، أرغب في التعبير عن إرادتي في ما يخص فقط مكان دفني.
لقد أوكلت دائماً حياتي وخدمتي الكهنوتية والأسقفية إلى أم ربنا مريم الكلية القداسة، ولذلك أطلب أن ترقد رفاتي، بانتظار يوم القيامة في البازيليك البابوية للقديسة مريم الكبرى. وأرغب أن تختتم رحلتي الأرضية الأخيرة في هذا المزار المريمي العريق حيث اعتدت أن أذهب للصلاة في بداية كل زيارة رسولية ونهايتها، لأوكل بثقة نواياي إلى الأم الطاهرة، وأشكرها على رعايتها الوالدية والوديعة.
كما أطلب أن أدفن في نعش خشبي بسيط وأن يُهيأ قبري في اللَّحد الواقع في الجناح الجانبي بين كابلا العذراء مريم “Salus Populi Romani”والـ “Cappella Sforza” في البازيليك البابوية المذكورة، كما هو موضح في الملحق المرفق، وأن يكون القبر في الأرض، بسيطًا، ومن دون زخرفة خاصة، ولا يُكتب عليه سوى: فرنسيس. أما نفقات إعداد القبر، فستُغطّى من تبرّع المحسن الذي خصصتُه لهذا الغرض، والذي يجب تحويله إلى بازيليك القديسة مريم الكبرى، وقد أوصيت المونسنيور رولانداس ماكريكاس، بتنفيذ التعليمات اللازمة. أسأل الرب أن يجزي خيراً كل من أحبّني وسيواصل الصلاة من أجلي. أما الألم الذي رافقني في المرحلة الأخيرة من حياتي، فقد قدّمته للرب من أجل السلام في العالم، والأخوّة بين الشعوب..
“بيت القديسة مارتا، في 29 حزيران 2022″.
هي لحظات صمت وتأمل في رحيل البابا فرنسيس الذي انتقل إلى أحضان أمه مريم. هو الذي رفض الألقاب والصلبان المذهّبة وعلّمنا أن التواضع ليس ضعفاً إنما قوة والغفران خلاص لا تنازل والكنيسة خيمة لا قصرًا.
بابا القيامة والإنسان فرنسيس وداعاً.
تقاليد الفاتيكان بعد وفاة الحبر الأعظم:
رئيس مجمع الكرادلة في الفاتيكان بنشر بيان يؤكد على وفاة قداسته، وتختم شقته البابوية وإدارة ممتلكاته كما يتم إتلاف الخاتم البابوي المعروف بـ”خاتم الصياد” لمنع التزوير والتأكيد على نهاية مرحلة ودخول مرحلة جديدة، ويدخل الفاتيكان في فترة “خلو الكرسي الرسولي” ويمنع اتخاذ قرارات رئيسية.
يُعرض جثمان البابا في كفن مفتوح في كاتدرائية القديس بطرس التي تفتح أبوابها للعزاء وتُقام الجنازة خلال أول 6 أيام من “الأيام النوفندية” وهي فترة الحداد في روما التي تمتد 9 أيام بعد الوفاة. وبعد مرور أسبوعين على وفاة البابا، ينعقد مجمع الكرادلة الذين تقل أعمارهم عن 80 عامًا من جميع أنحاء العالم وينعزلون كليًا إلى حين انتخاب البابا الجديد بأغلبية الثلثين، وبعد كل جولة تصويت تُحرق بطاقات الاقتراع ويتصاعد الدخان من مدخنة الكنيسة في إشارة لاستمرار عملية الانتخاب.
يعلن عن إسم البابا الجديد بعبارة “أصبح لدينا بابا” من شرفة كاتدرائية القديس بطرس، إيذانا ببدء البابوية الجديدة.
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
