.jpg)
بعد خمسين عامًا على الحروب والاحتلالات وقيام دويلات داخل وطن الـ10452 كلم2، نقف اليوم أمام سؤال جوهري: هل آن أوان قيامة شعب لبنان؟
عندما نقول قيامة فهي لا تشبه النهوض الموسمي، ولا ترتبط بخطابات المناسبات، ولا بحسابات الدول العظمى، بل قيامة شعبٍ أنهكته الحروب والجولات والمعارك على أرضه، وباسمه، وضدّه. شعبٌ شهد كيف تتبدّل الوجوه ويبقى الخراب والفساد، وكيف يُباع الوطن على طاولات المصالح ويُشترى بالصمت والتعب والشهادة.
لبنان، الذي كان يومًا منارة للفكر والفن والحريات، صار حكاية وجع مكتوبة بالدم والديون، بالشهداء والمهجرين، بذاكرة ثقيلة تعجز الأجيال عن حملها وحدها. ومع ذلك، لم ينكسر. فثمة حجرُ أساس، جذوع مغروزة في عمق هذا الوطن، لم تتشلّع على رغم كل شيء: إنهم ناس وشعب الأرض الصلبة، نبض الشوارع، المقهورين، الحالمين، والذين يصرخون “لا” في وجه العتمة.
لكن القيامة لا تأتي وحدها. إنها تحتاج إلى نضال، وليس نضال الأبطال وحدهم، بل نضال الوعي، ونظافة الكف، وصدق الموقف. نضال من يعرف أن الحرية لا تُستجدى، وأن السيادة لا تُستعار، وأن الوطن لا يُرمم بالخطابات، بل بالأفعال.
تسألون عن القيامة بعد خمسين عامًا في بلادٍ تُدفن فيها الأحلام كما تُزرع فيها الآمال؟
عندما نخرج من القبر الذي حاول المحتلون والطامعون أن يدفنوننا فيه، نعيش القيامة، وعندما ندحرج الحجر عن فم الحقيقة نحقق فعل القيامة، وعندما نعيش منذ 50 عامًا على رجاء لا يموت نكون في زمن القيامة!
عندما نشهد أن القيامة الحقيقية ليست مجرد حدثٍ في التاريخ المسيحي، إنما فعل مستمر في حياتنا اليومية. وعندما ننهض في كل مرة نسقط فيها.
منذ بداية الحروب، لم تكن معركة أبناء الكنيسة مع الآخر فقط، بل مع اليأس، مع التفكك، مع محاولة اقتلاع الوجود. وحين حمل المقاوم اللبناني صليبه، لم يحمله دلالة على الانكسار، بل راية انتصار. فالمقاومة ليست فقط فعل سلاح، بل فعل إيمان. والمسيحي المقاوم لم يقاتل دفاعًا عن طائفة، بل عن وطن الرسالة، عن الإنسان الحرّ، عن الوجود الذي لا يقبل أن يُمحى.
ولأننا أبناء القيامة، قاومنا الخوف.
حين انكسر الأمل في بيوتنا في عيون أمهاتنا، وقفنا. وحين انهار الجدار بين الإنسان وإنسانيته، رممناه بالصلاة، بالمحبة، وبالسلاح عندما فُرض علينا السلاح.
في وجه الاحتلال، في وجه التقسيم، في وجه التطرف، ظل المسيحي في لبنان ثابتًا كالصخرة، يؤمن بأن الحق لا يموت، وأن لبنان لا يُمّحى من خارطة القلب.
نعم، نحن أبناء القيامة، لأننا لا نرضى بأن يكون الموت هو النهاية. نؤمن بأن بعد كل جمعة حزينة، هناك أحد القيامة، وهذا ما يمنحنا القدرة على النهوض في كل مرة يُراد لنا أن نسقط. وتلك القيامة التي نشهد عليها اليوم هي ما يجعلنا نؤمن بأن لبنان، برسالته وتنوّعه وحرّيته، يستحق أن نحيا من أجله، وأن “نموت” إذا اقتضى الأمر لنقوم معه من جديد.
“لأننا أبناء القيامة”! ليست شعارًا لزمن الفصح فقط، بل عقيدة وطنية. ففي وطنٍ خُلق من جراح، وصُلب على خشبة الجغرافيا والسياسة، لا يمكننا إلا أن نكون أبناء تلك القيامة التي تحوّلت إلى مسيرة وجود نحياها يوميًا في وجه كل محاولات الإلغاء والتهميش والترهيب والتهديد.
نعم نحن أبناء وطن القيامة لأننا رفضنا الانعزال والرضوخ والاستسلام والهروب، وقررنا أن نقاوم بالإيمان. حملنا صلبانًا ومشينا دروب الجلجلة ولم نسقط. وفي كل مرة كان يتبدد فيها الرجاء بأن لا غد، كانت القيامة تأتي بإرادة إنسانية مؤمنة بالحق وبالكرامة.
لأننا أبناء القيامة، نؤمن بأن الوطن قضية لا مجرّد مكان وحدود في كتب الجغرافيا. كم مرة أُقفلت المدارس والجامعات، ولكننا واصلنا التعلّم؟ كم مرة هُجّرنا، لكننا عدنا؟ كم مرة فُجّرت كنائسنا، لكننا رممناها بالحجر والإيمان؟
هذه ليست مجرّد مواقف، بل طقوس قيامة تُمارَس على أرض الواقع. وفي نهاية كل صليب، قبرٌ مفتوح، وفجر ينتظر. وهذا ما جعل اللبنانيين في لبنان، على رغم الهجرة والتعب والخيبات، لا يرحلون إلا مجبرين، ويعودون كلما سنحت الفرصة.
ويسألون: هل الصمود مجرّد بقاء؟
بعد كل ما مررنا به، من حروب واحتلالات وانهيارات اقتصادية وأزمات وجود، لا يزال فينا نبضٌ لا يُقهر. لا تزال أجراس الكنائس تقرع، ولا تزال الكنائس تصدح بالحياة، لا بالحزن. لا تزال العائلات تعلّم أبناءها حب الأرض، والارتباط بالتراب، والإيمان بأن لا قيامة بدون تضحية.
نحن أبناء القيامة… وسنبقى. لا لأننا أقوى من الموت، بل لأننا لا نهاب المواجهة. لا لأننا ننتصر دائمًا، بل لأننا ننهض دائمًا ونختار أن نكون شجرة أرز، لا تُقتلع. وفي وطن يُسلب منه يومًا بعد آخر، نختار أن نكون شهادة حية على أن الإيمان يُقاوم، وأن المقاومة تُحيا بالإيمان.
ولأننا أبناء القيامة، نكتب، نبني، نحلم، ونصرخ… نصرخ لا ليُسمع صوتنا فقط، بل لنعيد إلى الحياة صدى من استشهدوا لنشهد على قيامة وطن!
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
