Site icon Lebanese Forces Official Website

بين دير الأحمر ومريم.. برج محبة وسلام

دير الأحمر

لأنها قررت يومًا أن تكون ذاك الجبل المتكئ على أكف البقاع، عزمت على أن تكون منبر حرية، وسط تاريخٍ من الصعوبات، فبات القلم خجولًا أمامها وأمام مسيرة شعبٍ أحب الصلاة، إذ إنها بلدة ارتضت بكامل قناعتها وكيانها أن تكون برجًا للحق، فكانت شفيعتاها “سيدة البرج”. ربما البعض ظن أن الحكاية تلخص ببعض السطور، إلا أن شعب دير الأحمر أراد لحكايته مسارًا طويلًا، فكان بذاته برجًا للعذراء ومنبر شهادة حية، رسّخ نفسه في التاريخ فحصد الإسم واللقب وبات الدير أحمرًا.

ملفت أن علاقة الشعب ببرج العذراء لم تبقى مجرد حكايات متناقلة، ولم ترتضِ يومًا أن تكون حكاية تاريخية فحسب، بل باتت نهجًا يعاش في أحياء البلدة وشوارعها، في أبنائها وبناتها، في نسائها ورجالها، فكان الرباط بين الدير والعذراء رباط أمٍ بشعبها، رباطٌ لا يمكن للصور على المواقع أن تحكيه، إذ هو يحاكي العالم بأسره، يوم تكون العذراء مترأسة مسيرة شعبها في أحياء البلدة، لتختصر بلحظة إيمان، شعوبٍ بأسرها وتجمع بلحظة تجاعيد المحبة وأنفاس الطفولة، لتجعلها قصة حب استثنائية بين أهل “الدير” وأمهم العذراء.

على هذا المستوى، جسد افتتاح السنة اليوبيلية للذكرى الـ50 لحضور مريم العذراء في سماء دير الأحمر برعاية وحضور راعي أبرشية بعلبك ـ دير الأحمر المارونية، حدثًا تاريخيًا في المعنى والمضمون، فكان افتتاح نصب سيدة البرج التذكاري في رعية دير الأحمر، إذ بات هذا النصب، التجسيد المعنوي لفكر الدير ونهجها، وبات فعلًا كتلة أحجارٍ، لكلٍ منها قصة وحكاية، ومع كل حجر وضع ذكريات ومعاني، فمع إنطلاقة هذا المشروع منذ شهرين، كانت البداية من الفكرة الشعبية “حط حجر بهالمدماك”، التي باتت صلة وصل بين محبة أهل “الدير” ومسار هذا المشروع، فكان لكل حجر حكاية وكان البرج واحة لذكريات الدير وأهلها.

على هذا المستوى وتسليطًا للضوء نحو معنى هذا الحدث وجوهره، أشار القيم العام على أبرشية بعلبك ـ دير الأحمر المارونية، ومعاون خادم كنيسة سيدة البرج ـ دير الأحمر الخوري يوحنا مارون النداف، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أنه “من الأهمية الكبيرة تسليط الضوء نحو هذا الحدث الذي يأخذ طابع الحاضر والمستقبل، بالإضافة الى تاريخيته، ومنذ حضوري في كنيسة السيدة، وضعت هذا الموضوع بين يدي مريم معتبرًا أننا وسيلة لتحقيق هذه الرسالة، وخلال حديث بين شباب الرعية كانت مبادرة أحد الشباب من خلال طرحه لرسمة برج العذراء الحالي، فكانت الانطلاقة العملية، إذ اعتبرناها إشارة لبدأ هذا المشروع الذي يمثل وجدانية وروحانية دير الأحمر المارونية وارتباطها بأمنا مريم العذراء”.

تابع النداف: “خلال الحرب التي شهدها لبنان في الفترة الأخيرة، انتابنا نوعٌ من “الإرباك” تجاه مسألة افتتاح السنة اليوبيلية للذكرى الخمسين لحضور مريم العذراء في سماء دير الأحمر، إلا أنه في اليوم الثالث لانتهاء الحرب، أتت إحدى نساء الرعية لتقول لنا إنها حلمت ببرج العذراء مكان النصب التذكاري الحالي، مما أعطانا نفسًا لتحقيق هذا الحلم، على الرغم من كل الظروف المحيطة. من هذا المنطلق، كانت الفكرة الجوهرية ألا وهي تجسيد إيمان هذا الشعب، الذي وعلى الرغم من كل الظروف القاسية وبشكل خاص الحرب الأخيرة، كان بالفعل والحقيقة “إبن مريم”، إذ شرع بيوته وقلوبه لكل نازح ومحتاج”.

أضاف النداف: “بناءً على مبادرة شباب الرعية، انطلقت فكرة “حط حجر بهالمدماك”، التي حررت النصب من واقعه المادي الصخري البحت، ليصبح شراكة مع كل أهالي البلدة، علمًا أن لكل حجر إسمٌ ومعنى، ولكل فرد حجر في برج العذراء، وباتت العلاقة الإيمانية القوية بين مريم وشعبها في دير الأحمر مجتمعة متكاتفة في هذا البرج”.

ختم النداف: “يجسد هذا الحدث اليوم إيمان مسيرة شعب، في علاقته مع مريم العذراء، فهذا البرج كما يظهر المجسم، يمثل قلعة مصانة، على رأسها تمثال مريم ما يترجم الواقع الفعلي بين مريم ودير الأحمر، إذ هي خط الدفاع الأول، ولطالما كانت الى جانب شعبها عبر التاريخ، منذ أن كانوا الموارنة في هذه الأرض، كذلك ترمز الأرزة الى الخلود الدائم لهذه الحماية الأزلية. وبالنسبة الى اليد الحاملة للمشعل وللبنان، فكما كان تمثال الشهداء الذي فجر في الحرب اللبنانية من قبل المحتل، قررنا اليوم إعادة رفعه استذكارًا لكل الأجيال المناضلة والراحلة.

هذا الحدث يمثل ذكرى مئات السنين للعلاقة بين مريم وهذا الشعب، وعلى هذا المستوى كان لشباب الرعية فكرة تمثلت برسالة وجدانية وضعت في هذا البرج مع تراب الدير المجبول بالتراب المقدس وصندوق النبيذ، ليكونوا لشعب الدير بعد 50 عامًا من اليوم، في رسالة مستمرة للحفاظ على هذا النهج المقدس بين شعبنا ومريم”.

يبدو أن التاريخ أحكم العلاقة بين مريم ودير الأحمر، فباتوا إسمين لا ينفصلان وباتت تلال الدير بأسرها قلاعًا لمريم العذراء، لذلك تجدد دير الأحمر في كل مناسبة عهدها لمريم، لتكون في كل يوم حكاية شعب أحب العذراء وابنها، فبات كتاب إيمانٍ لأجيال وأجيال.​

إقرأ أيضًا

Exit mobile version