
.jpg)
منذ توقيع اتفاق “وقف إطلاق النار” في 27 تشرين الثاني 2024، عاد سلاح “الحزب” إلى الواجهة بقوة، ليُطرَح مجددًا كأحد أخطر الملفات السيادية وأكثرها إلحاحًا، لا سيّما في ظل المتغيّرات الإقليمية والدولية المتسارعة. ولم يعد هذا السلاح، في نظر الداخل، كما الخارج، شأنًا داخليًا قابلًا للاحتواء أو التأجيل، بل تحوّل إلى عائق فعلي يُقوّض أي مسار إصلاحي أو إنقاذي في لبنان.
في هذا السياق، بات المجتمع الدولي أكثر وضوحًا وحزمًا في شروطه: لا مساعدات، ولا استثمارات، ولا حتى انخراط جدي في أي مشروع لإعادة الإعمار، ما لم يُنفَّذ القرار 1701 بجميع بنوده، وتفرض الدولة نفوذها على كامل أراضيها بلا استثناء. كذلك تصاعدت التحذيرات الدولية من عقوبات إضافية قد تطال الدولة، في حال عدم معالجة واقع السلاح الخارج عن الشرعية.
هذا الواقع ازداد تعقيدًا مع الغموض الذي يحيط بآلية تنفيذ القرار 1701، وغياب أي خارطة طريق واضحة تُحدّد الخطوات العمليّة أو الأطر الزمنية. ومع التلميحات المتزايدة إلى إمكانية تمديد العملية حتى العام 2026، تتعزّز الشكوك حول مدى جدّية الدولة في فرض سلطتها، أو قدرتها الفعلية على إنجاز هذا الاستحقاق السيادي.
وفي السياق، برز توجّه لرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، بالتعاون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى فتح حوار مباشر مع “الحزب”، يتمحور حول حصرية السلاح بيد الدولة وآلية استيعاب سلاح الحزب، مع تطمينات حول تأثير هذه الخطوة على مستقبله السياسي. إلا أن الطرح لم يلقَ تجاوبًا من القوى السيادية التي تشترط التزامًا صريحًا بتنفيذ القرار الدولي كمدخل لأي نقاش.
ووسط هذا التخبّط، استعاد البعض تجربة أوائل التسعينات، حين سلّمت “القوات اللبنانية” سلاحها ضمن التسوية التي كرّسها اتفاق الطائف، وانتقلت إلى العمل السياسي.
في هذا السياق، يعرض عضو الهيئة التنفيذية في “القوات اللبنانية”، الدكتور جوزف جبيلي، الذي عاش مرحلة الطائف وشارك في مفاوضاتها، يستعرض قراءة تحليلية معمّقة تستند إلى تجربته السياسية والوطنيّة الواسعة، مسألة نزع السلاح في إطارها الواقعي، متناولًا التحديّات التقنية واللوجستية التي يواجهها الجيش اللبناني في تنفيذ هذه المهمة، كما يتوقف عند مسألة السرّية التي تحيط بتنفيذ الجيش لمهامه فضلًا عن العديد من النقاط الأخرى.
ويشير جبيلي في حديث لـ”المسيرة”، “الكلام عن سلاح الحزب لا يمكن فصله عن وثيقة الوفاق الوطني، أو ما يُعرف باتفاق الطائف، الذي شكّل المرجعية الأساسية لخروج لبنان من الحرب الأهلية. فهذه الوثيقة، التي أقرّها اللبنانيون برعاية عربية ودولية، نصّت بوضوح على تسليم جميع الميليشيات أسلحتها، سواء أكانت لبنانية أو فلسطينية، ولم تترك مكانًا لأي استثناء”.
ويضيف: “الوثيقة لا تتضمن شيئًا يُسمى مقاومة، كمجموعة مسلّحة يُسمح لها بالاحتفاظ بسلاحها خارج إطار الدولة”. وعلى رغم ذلك، تم تجاوز هذا المبدأ في حالة “الحزب”، فاستُثني من موجة نزع السلاح التي طالت كل القوى الأخرى، والأكيد أن “الاستثناء” لم يكن عفويًا، بل نتيجة أجندة سورية – إيرانية أرادت الإبقاء على ورقة ضغط مسلّحة داخل لبنان، ففي حال تعذّر عليها السيطرة على القرار الرسمي اللبناني، يكون هناك بديل مسلّح تابع ومُطيع. وهكذا، تحوّل “الحزب” من مجموعة صغيرة ذات قدرات محدودة إلى تنظيم عسكري متكامل، بغطاء سياسي وأمني إقليمي”.
اليوم، وبعد 35 عامًا من هذا الاستثناء، يرى جبيلي أن اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 أتى ليعيد تصويب البوصلة، ويطرح بجدية مسألة حصر السلاح بيد الدولة، لافتًا إلى أن هذا الاتفاق، الذي يُفترض أن يعيد الاعتبار للشرعية، وقّعته حكومة يترأسها الحزب نفسه.
التحديات التقنيّة واللوجستية
يتوقّف جبيلي عند التعقيدات التقنية واللوجستية التي من المحتمل أن تواجه عمليّة تسليم السلاح، وأبرزها، اختلاف نوعية السلاح بين ما يملكه الحزب وما يمتلكه الجيش، صعوبات في الصيانة والتخزين بسبب عدم تطابق المنظومات، مخاطر أمنية متعلقة بالذخائر والمتفجّرات، كما الحاجة إلى بنية تحتية (مستودعات، شاحنات، مشاغل). لكنه يُشدّد في الوقت ذاته على أن هذه التحديات ليست مبررًا لتأجيل التنفيذ، بل يجب التعامل معها بمسؤولية وتخطيط متقن.
بالتالي ووفقًا لجبيلي، الحوار المطلوب اليوم مع “الحزب” يجب أن يُحصر في إطار تقني وعملي واضح حول تحديد مصير السلاح بشكل حاسم، سواء بتخزينه تحت إشراف الدولة أو ترحيله إلى خارج لبنان أو تدميره كما يجري في بعض المناطق الجنوبية. ويقترح أن يُكلَّف المجلس الأعلى للدفاع والجيش اللبناني بوضع جدول زمني واضح بالتنسيق مع الحزب، مع تحديد آلية التنفيذ، بعيدًا من التقديرات المرتجلة.
إلى ذلك، يرفض جبيلي بشدة الادعاء بأن تسليم سلاح بهذا الحجم يحتاج إلى سنوات، مستندًا إلى تجربة “القوات اللبنانية” بعد اتفاق الطائف، والتي سلّمت سلاحها إلى الجيش اللبناني خلال ستة أشهر فقط، جنبًا إلى جنب مع الحزب الاشتراكي وحركة “أمل”. بالتالي يرى أن العملية اليوم يمكن أن تُنجز في فترة تتراوح بين 6 إلى 12 شهرًا على أبعد تقدير.
وفي ظل ما يُحكى عن تسليم مواقع ومخازن تابعة لـ”الحزب”، يُشير جبيلي إلى خطورة اعتماد الجيش اللبناني سياسة الكتمان والسريّة المفرطة، موضحًا أنه وبحجة “عدم إحراج الحزب”، تُدار العملية بعيدًا من الإعلام والرأي العام، ما يزيد الضغوط الخارجية على لبنان بسبب انعدام الشفافية، مع تأكيده أن الشفافية ليست ترفًا بل ضرورة وطنية لحماية صورة الجيش ومصداقيته، ولطمأنة اللبنانيين في الداخل، وتأكيدًا على التزام الدولة بالاتفاقات الدولية.
“الحزب” و”القوات اللبنانية”
وعن المقارنة بين “الحزب” و”القوات اللبنانية”، يشير جبيلي الى أن “القوات” خرجت منتصرة من الحرب، ولم تكن الطرف الخاسر، بل ميشال عون والمجموعات التي كانت تقاتل إلى جانبه، مع رفضه اعتبار هذه المجموعات ممثّلةً للجيش اللبناني، حيث أن الجيش كان موجودًا أيضًا في مناطق أخرى، على حدّ قوله، ولم يشارك في القتال ضد “القوات”، كما أن جزءًا من الجيش في المناطق المسيحية رفض الانخراط في المعارك إلى جانب عون. واستطرادًا، فأن “القوات اللبنانية”، كانت تفضّل لو أن الحرب مع ميشال عون انتهت بطريقة مختلفة، إما بتوافق سياسي أو عبر تسليم عون السلطة للشرعية اللبنانية، بدل أن تؤدّي إلى دخول الجيش السوري المنطقة المسيحية. ويتابع: “إذًا، في تلك المرحلة كانت “القوات اللبنانية” جالسة إلى طاولة المفاوضات وممثلة في الحكومة، تتفاوض من موقع قوّة لا من موقع هزيمة، ومن دون أن يُفرض عليها شيء. ومن هذا الموقع، سلّمت سلاحها وكان لها دور أساسي في وثيقة الوفاق الوطني”.
“مقارنة مع واقع “الحزب” اليوم، يرى جبيلي أن الأخير يعيش حالة من الانكسار العسكري والسياسي، بعد أن خسر معظم قياداته من الصف الأول والثاني، وتعرّضت قدراته العسكرية لضربات قاسية على يد إسرائيل، العدوّ الذي لطالما قال إنه وُجد لمقاومته. ويضيف أن “الحزب” فشل في حرب المقاومة، كما فشل في حرب الإسناد، وتسبّب في عودة إسرائيل إلى جنوب لبنان، بعد انسحابها منه.
انطلاقًا من هذا الواقع، يوضح أن عملية تسليم “الحزب” لسلاحه لم تعد مجرّد مطلب سياسي، بل استحقاق وطني تأخر تنفيذه لأكثر من 35 عامًا، وهو مستند إلى اتفاقات ومواثيق وطنية، يُفترض أن يكون الجميع ملتزمًا بها، من دون استثناء.
والسؤال الجوهري الذي يُطرح: “هل تسليم السلاح يعني بالضرورة نهاية الجهة التي تحمله؟ ويعتبر أن الجواب قد يكون نعم، في حالة الجيوش أو حركات المقاومة التي لم تستطع التحوّل إلى كيان سياسي، لكن “الحزب” يقدّم نفسه كحالة شعبية، حزبية، ذات بُعد اجتماعي وثقافي وتربوي، ويمثّل شريحة واسعة من اللبنانيين. بالتالي، إذا كان يرى أنه من دون السلاح يصبح “صفرًا على الشمال”، فهذا بحدّ ذاته إدانة كاملة لوجوده، واعتراف ضمني بأن كيانه قائم فقط على القوة العسكرية وليس على شرعية سياسية أو شعبية حقيقية”.
وفي هذا الإطار، يستحضر جبيلي تجربة “القوات اللبنانية”، التي خاضت نقاشًا داخليًا مماثلًا في نهاية الحرب. آنذاك، كان السؤال المطروح “هل يعني تسليم السلاح خسارة الشرعية والوجود السياسي؟”، وكان الجواب واضحًا “إذا كانت شرعيتنا وتأييد الناس لنا مبنيّة فقط على حمل السلاح، فهذا يعني أن وجودنا هش وزائل”. ومن هذا المنطلق، يتابع، اختارت “القوات” دخول الحياة السياسية بوسائل شرعية وسلميّة، واعتبرت تسليم السلاح نقطة انطلاق وليست النهاية.
وينهي جبيلي المقارنة بالقول “على “الحزب”، إن كان يؤمن فعلًا بأنه يمثّل الناس وله شرعية شعبية، أن يثبت قدرته على الاستمرار كقوة سياسيّة واجتماعية من دون سلاح، وأن يعترف بأن تجربة المقاومة المسلّحة استنفدت أغراضها، لا سيّما بعد فشلها في صدّ العدوان، وأن الاستمرار في فرض الوجود بالقوة وحدها لا يصنع شرعية، بل يُعيد الحزب إلى مربع “الميليشيا المسلّحة”، لا أكثر ولا أقل.”
وبناءً على ما تقدّم، لم يعد سلاح “الحزب” مجرّد مسألة خلافية أو ملفًا معلقًا على طاولة الحوار، بل تحوّل إلى عامل معطّل لكل ما تبقّى من مؤسسات الدولة، ومصدر دائم لعدم الاستقرار السياسي والأمني. واللحظة السياسية اليوم، بكل ما تحمله من ضغوط وفرص، تفرض مسارًا واضحًا لا التباس فيه. فالغطاء الدولي حاضر، والإجماع الوطني يرى في حصرية السلاح مدخلًا إلزاميًا لبناء دولة قادرة وعادلة ولإطلاق عملية إصلاح شاملة.
كتبت ألين الحاج في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]