
قالَ ” ميكيافيللي ” : ” ليسَت الألقاب هي التي تُكسِبُ الناسَ مَجدًا، بل النّاسُ هم الذين يُكسِبون الأَلقابَ مَجدًا “. هذا الكلامُ يتعاطى مع ما ينبغي أن يكون عليه سلوكُ أصحابِ الشّأن، أيًّا يَكُنْ موقعُهم. واستنادًا، أريدُ أن أُقاربَ أداءَ رئيسِ البلاد، لأَصلَ الى استنتاجٍ موضوعيٍّ يُعطي الرَّجُلَ حقَّه في مطابقتِهِ قَولَ ” ميكيافيللي “.
قلتُ، في نصٍّ سابقٍ، إنّ العبرةَ في التّنفيذ، وأنا مُصِرٌّ على ما أشرتُ إليه. لذا، لن أستفيضَ في شرحِ مضمونِ خُطابِ القَسَم، نظريًّا، وقد وفَّيتُ المضمون حقَّه سابقًا، لكنّني سأدخلُ، فورًا، في إلقاءِ الضّوء على تحرّكِ الرئيس، منذُ تولّيهِ مهامَّه، وهو تحرّكٌ مرتبِطٌ بأجندا، وتوقيت، ومبادرة.
إنّ منتهى الحكمةِ في سلوكِ الرئيس، هو أنّه يسيرُ ببطءٍ وحَذَر، وهذا لا يعني، أبدًا، أنّه يسيرُ الى الخَلف. فهو يعرفُ، تمامًا، أنّ الحقيقةَ وَجهتُها أماميّة، وبالتالي، كلّما زادَت الحقيقةُ الوطنيّةُ وضوحًا، على يَدَيه، تأكّدَ للقاصي والدّاني أنّ تصويبَهُ للهدفِ موثوقٌ، وجَديٌّ، ومُثمِر. وتجدرُ الإشارةُ الى أنّ الحذرَ في سلوكِهِ لا يعني، إطلاقًا، الخَوف، فهو جريءٌ، لكنّه متماسِكٌ في جرأتِهِ، وكأنّه يُطَبِّقُ قَولَ ” غاندي ” : ” أوّلُ الحكمةِ أن تعرفَ الحقّ، وآخرُ الحكمةِ ألّا تعرفَ الخوف “.
لقد رفضَ الرئيسُ إقامةَ حَفلِ تأبينٍ للسيادة، في حين دَأَبَ السّالِفون على نَثرِ الرّمادِ على رُفاتِها، وسلّموا صَكَّ الوطنِ للفاتِح. في هذه المسألةِ، يَعلَمُ الرئيسُ أنّه يصارعُ في بحرٍ هائج، فالبحرُ الهادئُ لا يصنعُ بحّارًا ناجحًا. من هنا، أي في موضوعِ السيادة، وما إليه، تُدرَجُ مواقفُ الرئيسِ في خانةِ الوفاءِ بالقَسَم، فهي تُمهَرُ بخاتمِ الإباء، وبقناعةِ الدّفاعِ عن حقِّ الوطنِ بالحقّ. وهذا يعني أنّ الرئيسَ يصدرُ عن عزمٍ جُرعتُهُ متماهيةٌ مع الأمانة للبنان، ومع الأصالةِ في عزّةِ نفسِه. إنّ دخولَ الرئيس الى كَنفِ السيادة، جاءَ من البابِ الواسع، وذلك بإعلان بَدءِ تسيير شؤوننا بأنفسنا، من بعدِ أن جُرِّعَ الوطنُ مُرَّ الهَوانِ، وطأطأةَ الجبين، بالارتهانِ للخارج.
يُخطِئُ مَنْ يَحسبُ أنْ لا ربيعَ مُتَجَدِّدٌ في لبنان، مع رئيسِ البلاد، فمواقفُه انتفاضةٌ تَصنعُ مفصلًا، وتُثري الشّعورَ بالانتماءِ الى الكرامة، مُحَصَّنةً بسلوكٍ لا يتنفّسُ إلّا إباءً. من هنا، فصمودُ الرئيسِ، في مواقفِه، يعني التَّجاوزَ الجدّي، والمُكتَسَبَ من تاريخِهِ العسكريّ المُشَرِّف، ومن الدَّعمِ الإقليمي والدّولي، ما يُبعِدُ عن كيانِ البلادِ شهقةَ الموت، ويقدّمُ للشّعبِ المُنهَك تأكيدًا على إعادةِ مفهومِ المسؤولية الى نِصابِه، وقد تمَّ شَطبُهُ لِعُقود، وعُهود.
إنّ رئيسَ البلاد أثبتَ أنّه مسؤولٌ عن الأمان في الوطن، ومُمسِكٌ بزمامِه، فلا قَبولَ بامتلاكِ سلاحٍ من أيِّ طرفٍ، أو جَماعة، بلديّةً كانت أو طارئة، بمعنى حصريّة السّلاح بالقوى الشّرعية، فقط. كذلك، فإنّ توجيهاته، ومتابعته، ومراقبته لمَنعِ انتهاكِ حقوقِ الناس والتعدّي على حريّاتهم، تأتي في أولويّاتِ حرصِهِ على استعادةِ الدولةِ للأمنِ المنهوب، فلا محميّات، ولا تَسَلُّط، ولا ” غيتوات ” مُتَفَلِّتة، ما يُعيدُ المُعطى القانوني للدولة. إنّ هذا الموقف يُحدثُ صدمةً نوعيّةً تُنشِّطُ الوعيَ، في ذواتِ الناسِ وذاكرتِهم، بأنّ الكرامةَ الوطنيّةَ دفاعًا عن السيادة، والهويّة، والكيان، والمصير، تتحقَّقُ بالثّقةِ في المواجهة لا بالاستجداءِ والتَمَلُّق.
إنّ ابتهاجَ الشّعبِ برئيسٍ يقولُ ويفعل، يحاربُ الفسادَ بالإصلاحِ الحقيقي، وبدون هوادة، يُعيدُ العالَمَ الى الطاولةِ اللبنانيّة، هو ابتهاجٌ ليس في غيرِ زمانِه، فمواقفُ الرئيسِ ثَباتٌ غيرُ قابلٍ للمساومة، انطلاقًا من قناعتِهِ بأنّ الثّباتَ على الحقّ واجبُ الحرّ، ومواقفُه جرأةٌ لا تَقَهقُر، انطلاقًا من المخزونِ السّياديّ في وجدانِه، بعدَ أن أستُبيحَ الوطنُ وقُوِّضَتِ السّلطةُ فيه، ومواقفُهُ تسعى الى انتظامِ العيشِ وِفقَ مبدأ القرارِ الحرّ، قرارٍ صُنِعَ في لبنان، مُتَميِّزٍ عن كلِّ تَبَعيّة، مُدافِعٍ عن الشّعبِ التّائقِ الى وطنٍ لا تُحبَطُ فيه أحلامُ أجيالِه.
في الخلاصة، إنّ بيئةَ رئيسِنا الحاضنة مشَكَّلةٌ من الجيشِ، والشّعبِ، والقانون، والدّعمِ الدّولي، وذلك استنادًا الى إحصاءٍ ميدانيٍّ لِمَنْ يؤيِّدُ مواقفَ الرئيس من دون تردّد، وهو تأييدٌ غيرُ قابلٍ للزّعزعة، لأنّ هذه المواقفَ هي الضمانةُ الوحيدةُ لِصَونِ الوطن، والدّفاعِ عن حقِّه، ووجودِه. وهكذا، يمكنُ الاستنتاج بأنّ الرئيسَ ليس بحاجةٍ لغَيرِ اسمِهِ.