بمناسبة تكريم الأستاذ في جامعة الروح القدس
إنّ أَقصى ما يُطلَب من الكِتاب النَّفيس، أن يضعَ قارئَه في حركةٍ فكرية مُتَّصِلة، فإذا قرأَه لعشرينَ مرَّة يشعرُ، كُلَّما عاد إليه، بأنّه كتابٌ جديد يُقرَأ لأوّل مرّة. وهكذا أعيانُ النّاس المُلَحاء، وفي مُقَدّمهم الأستاذ إدمون رزق الذي عانقَ الأضواءَ، ففي كلّ مرَّة نُجالسُه يُماطُ اللِّثامُ عن يقظةٍ تُشبِه دهشةَ الوَعي كلَّما راجَعَ فلسفةَ اليونان.
إدمون رزق، الرَّجل الذي عجَنَته السّنون، إن عرفْتَ بقدومه يستفزُّك الفرحُ قبل رؤيته، ويهزُّ عَطفَك الإعجابُ في حضرته، فلا تَدري أَهو غيثٌ حَلّ بِوادٍ ظَمآن، أو هو غَوثٌ سيقَ الى لَهفان؟ فهذا العظيمُ المُثَقَّف المولَع بالوطن، هو من البَرَرَة الأَتقياء، ما غالَطَ يومًا في مواجهة، وهي معه صنيعةٌ تلقائيّةٌ نطمعُ بها مع عَجزِنا عنها. والمواجهةُ هذه تحتاج الى رَجل، والى قرارٍ ومُبادَرة، أتى فيهما الأستاذُ المَرجعُ الى آنِهِ على الكِفاية، وكأنّه المعلِّمُ المُندَفِع الذي يُدركُ أنَّ المنفعة ممّا يَعرفُ، ويَعملُ، تذهبُ للمُتَعَلِّم من دونه، ويُسَرّ. من هنا، كان أرضًا رَشيحةً أنبَتَت ” كيفَ يرتقي الإنسانُ بالنّقاءِ الفِكري “، وأيضًا: ” كيف يستعذبُ المواطنُ انتماءَه “، وهما ثابتان مُطَعَّمان بروحِ إدمون رزق، وكأنّهما التَّرصيعُ في أَلوان الخَزَف.
إذا كان هناكَ مواقفُ من فضّة، فمواقفُ إدمون رزق من ياقوت، وهو الرّجلُ المَكدودُ من عروق الصّخور، والصّامدُ طالما الزَّمانُ زمان. فالفَهمُ الذي يُكَرَّم لِفَضله، لم يكن وحدَه مع الأستاذ حجَّةَ المَنجاة التي يَقصدُ إليها الطّالِبون، فالدّماثةُ، والأناقةُ الحِواريّة، والرقَّة في الاستقبال، والتّواضعُ، والعِلمُ الوفير، والنُبلُ في الوطنيّة، والذي صارَ اليومَ تركيبةً نادِرة، كانت الوجهَ الثاني في خُلقٍ كريم يُنسَخ عنه. وإدمون رزق هَبوبٌ إليها، تتَّحدُ بحَمِيَّةٍ في سلوكه، ليُكَوِّنَ نُسخةً دامِغة عن اللّبنانيّة الصِّرف.
أما الثَّفافة، وهي سُنَّةُ الأذكياء، فهِمَّتُه إليها قاطِعة. لذا، كان العلاّمةَ الشَّغوفَ دومًا الى المعرفة، فافترشَ بساط المَعارف في مذاهبها، وكان من سُلاّكها، وكانت له معها أحوال، وكأنّه فيها من جماعة الوَرّاقين أصحابِ الفِكر النَيِّر والذاكرة الواسعة، والذين لم يبقَ من نُظرائهم إلاّ اليسير. وما محادثتُه في أيّ مجلس، إلاّ الدّليل على أنه من المُحتسَبين في المعرفة، يُشارِكُ بعِلمٍ في كلّ نقاش، بفصاحةٍ وبلاغةٍ جعلَتاه سيّدَ الكلام الذي يُحسنُ بيانَه بطلاقة. فهذا المُحَدِّثُ المُدهِشُ الذي تسعى إليهِ جوانبُ الفَهم، والذي تُصيبُ سِهامُه مَلاعبَ الدَّهشة، مُتنقِّلًا بتَرتيبٍ من حديث الى حديث، ومن قصة الى قصة، يَستَطرِحُ مختلفَ الموضوعات بسلاسةٍ وعمق، حتى لَتَحسبَ أنّك في حضرة مَلافِنةِ الزّمان، ولا مُبالغة.
إدمون رزق، فيَّاضٌ في تثقيف الوطنية، فكلامُه الذي ينزُّ من ينابيع صدره، والمُستَنخَبُ من معادن قناعته اللبنانيّة، تُرْفَعُ له الأَسماعُ في المَحافل، كما فَعلَت عندما تَنكَّبَتْه المَنابرُ أَصلَبَ أشياخِ الخطابة. في أندية الوطن، كان حيثُ إقبالُ الكِبار، فلم تكن مواقفُه خابِيَةَ المصابيح، بما أُودِعَت من خَطراتٍ فيها أَنّ الكرامةَ شريعة، وأنّ الإيمانَ بالأرض مصالحةٌ مع طقوسِ القداسة، وأنّ العنفوانَ شريانٌ يُطَهِّرُ من الخنوع، وأنّ الثّباتَ سلطانُ الأقوياء، وأنَ المواجِهين الشّرفاء هم، وحدَهم، أَقرباءُ الوطن. من هنا، كان هذا العظيمُ رَجلَ صَوتٍ وتأثير، متمرّدًا يُنشِئُ في أَذهان سامعيه مقاماتٍ لا يستطيعون نسيانَها. ففي الندوة الوطنية، حيث مُحرِزو السَّبق في الجبانةِ والخيانةِ كُثُر، وكُثُرٌ أيضًا مَنْ يُلقون الكلامَ على عواهنه قَعقَعَةً في غير نفع، كان إدمون رزق من الأقلّين الذين كانَ ظلُّهم مُعلََّمًا في جبّةِ الوطن، وسيبقى.
أستاذ إدمون، فاضَ الاعتزازُ على مُحَيّا التّكريم، لأنّه تَكَرَّمَ بكم.
