Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ “فكر حر”: البطرك الخالد

البطرك

15 أيار 1920 لم يكن يوماً عادياً في روزنامة تاريخ لبنان المعاصر، بل يوماً استثنائياً بامتياز، ففيه وُلِد بطريرك الاستقلال الثاني مار نصرالله بطرس صفير الذي كانت ولادته متزامنة مع نشأة دولة لبنان الكبير في 1 أيلول من السنة ذاتها. غير أن الشعب اللبناني لم يدرك استثنائية هذا اليوم ولم يتعرّف على صلابة هذا البطريرك ووطنيته وثباته وعناده بالحق وقول الحقيقة، إلّا خلال حقبة الاحتلال الأسدي المباشر للبنان، منذ العام 1990 وحتى الـ2005، وما رافق هذا الاحتلال وتلاه من احتلالات مُقنّعة للسلاح غير الشرعي وموجات الترهيب والترغيب والضغوط الهادفة لإرضاخ لبنان وخنق روح الحرية فيه.

وإذا كانت أسماء الرجالات العظام الذين مرّوا في تاريخ لبنان خالدة على صخور نهر الكلب، غير أن اسم البطريرك صفير خالدٌ في قلب كل لبناني سيادي صميم لأي طائفةٍ أو مذهبٍ أو حزبٍ انتمى، ليس لأنه كان صاخباً أو صاحب شخصية كاريزماتية وخطاب شعبوي، بل لأنه حفر بحكمته وهدوئه ورصانته واتّزانه صخور الاحتلال، على صلابتها، بإبرة الكلمة والرجاء والموقف الحرّ، مُحقِّقاً على حياته معجزته الأولى على دروب الطوباوية والقداسة المرجوّة بنعمة الآب السماوي، ألا وهي زوال الاحتلال الأسدي المرابط على قلب لبنان والذي عجزت كل دول العالم عن إزاحته، بل هي استسلمت للأمر الواقع على مدى عقود، مهرولةً للتطبيع معه فوق دماء اللبنانيين ودموعهم وعذاباتهم التي لم تكن تنتهي.

15 أيار 1920 كان يوماً استثنائياً لأنَّ فيه وُلِد من جاء ليُكمل مسيرة البطريرك الياس الحويك مؤسس الكيان اللبناني، على الخط البياني ذاته للبطاركة والرهبان والأبطال والشهداء والقدّيسين الذي استولد هذا الكيان بعد نضالٍ مرير، وليُثبّت ما كان الحويك قد أسّسه في أوْجِ صعود الموارنة والمسيحيين، إنما في أصعب حقبةٍ وأخطرها تمرّ على المسيحيين بشكلٍ خاص وعلى اللبنانيين عامةً.

ليس البطريرك صفير رقماً تسلسلياً في ترتيب البطاركة الذين تعاقبوا على كرسي أنطاكيا وسائر المشرق، بل هو الرقم المفصلي الصعب في مسيرة الشعب اللبناني نحو الحرية والسيادة والاستقلال في التاريخ المعاصر، ويكاد يختصر بشخصيته صلابة يوحنا مارون ومقاومته، وتضحيات دانيال الحدشيتي وجبرائيل حجولا، ووقار الياس الحويك وكيانيّته، وعنفوان أنطون عريضة، واعتدال المعوشي وانفتاحه، بل قل هو حاصل سلسلة البطاركة الـ75 الكبار الذين سبقوه في بطركٍ واحد.

في ذكرى ولادة البطريرك صفير ستبقى المقاومة اللبنانية، بكل أطيافها الوطنية، وفيّةً لمن احتضنها ورعاها وأوصلها إلى تخوم شاطىء الحرية في أصعب ظروفها، وستبقى مسيرة هذا البطريرك مستمرّة من خلال كل اللبنانيين السياديين حتى ترسو سفينة الجمهورية اللبنانية القوية على شاطىء الأمان في النهاية، وحتى ترقد روح البطريرك صفير ومعه أرواح كل الشهداء والأبطال والمقاومين بسلامٍ، حتى انقضاء الدهور.​

Exit mobile version