
وأخيرًا، وُضعت إيران عند حدها، وبدأت قرارات تقليم نفوذها في الشرق الأوسط تترجم تباعًا على أرض الواقع، على شكل نتائج ملموسة لمرحلة موعودة، بعدما انضم العالم العربي الى الجو الذي يشبهه تمامًا، والذي تقوده المملكة العربية السعودية. أولى بشائر جدية المرحلة، تُرجم بالزيارة التاريخية للرئيس الأميركي دونالد ترامب الى الرياض ومحادثاته مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
لم ترتبط هذه المحادثات بالسعودية حصرًا، إنما تناولت المنطقة ومستقبلها. فترامب التقى بحضور بن سلمان الرئيس السوري أحمد الشرع، وشارك، الى جانب الحضور العربي الرفيع، في القمة العربية. ولم يغب لبنان عن لقاءات القمة، فقد رأى ترامب في الكلمة التي ألقاها، أن لبنان أمام فرصة، لمستقبل خال من قبضة “الحزب”، مشيرًا الى أنه يمكن للرئيس اللبناني بناء دولة بعيدًا من “الحزب”، في حين أكد بن سلمان وقوف بلاده مع استقرار لبنان، مشددًا على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
وفي هذا السياق، تشير مصادر سياسية الى أن مواقف ترامب من الرياض، تدل بشكل واضح على أن الولايات المتحدة مصممة على إنهاء أدوار إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة عبر التخلص من أذرعها، لافتة في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن وضوح سياسة الإدارة الأميركية، تُرجم بعدم إهمال دور طهران في المنطقة على حساب الملف النووي الإيراني، ما يعني بالنسبة للأميركيين، أنه لا يجب أن يكون لدى إيران سلاح نووي، كما أنه لا يجب أن يكون لديها أدورًا مزعزعة لاستقرار المنطقة.
وتجزم المصادر السياسية، بأن الولايات المتحدة تدعم سيادة لبنان، علمًا أن ما قاله ترامب في الرياض قالته مورغان اورتاغوس في لبنان، ما يعكس تصميمًا أميركيًا على مؤازرة لبنان حتى النهاية عبر المتابعة الحثيثة للولايات المتحدة لبسط الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها، كما دعم الموقف الرسمي اللبناني والوقوف خلف رئيس الجمهورية لتطبيق ما قاله في خطاب القسم وما ورد في البيان الوزاري لجهة احتكار الدولة وحدها للسلاح. وتختم: “مواقف ترامب تؤكد المؤكد بأن الولايات المتحدة لن تتهاون مع أذرع ايران ولن تترك لبنان لقدره”.
في المقابل، تشدد مصادر دبلوماسية مطلعة على أن ترامب يدفش باتجاه أن تكون علاقات لبنان مع محيطه مبنية على السلام، لافتة في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن تصريح ترامب المتعلق بـ”الحزب”، هو إيعاز الى السلطات اللبنانية بضرورة التصرف، لأن مفتاح الحلّ في الداخل، وهو يقع على عاتق الدولة اللبنانية التي عليها استرداد هيبتها أمام المجتمع الدولي.
وتشدد المصادر على أهمية الزيارة الأميركية الى السعودية، والتي تترجم الثقة والعلاقات الوطيدة بين البلدين، موضحة أن السعودية تتكل على الولايات المتحدة لتكون حليفتها بإرساء ثقافتي الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، كما أن الولايات المتحدة تلعب دورًا مهمًا في الاقتصاد السعودي، إذ إن 25% من شركات الاستثمار في المملكة هي شركات أميركية. وإذ تعطي المصادر الدبلوماسية أهمية بالغة للاتفاقات والصفقات التي وقعت بين الجانبين والتي لامست الـ600 مليار دولار، على أن تصل في المرحلة اللاحقة الى 1.3 تريليون دولار، تجزم بأن الشق السياسي بدا طاغيًا أيضًا، وقد ترجم بمواقف ترامب التي شددت على فكرة السلام في المنطقة والاتفاقات الابراهيمية، التي ستنضم السعودية اليها لاحقًا.
وتلفت المصادر الدبلوماسية، الى أن ترامب قدّم هدية سياسية قيمة لبن سلمان، الذي طالب في لقاءاتهما الثنائية، برفع العقوبات عن سوريا. وتضيف: “لم تكن الولايات المتحدة متحمسة لأحمد الشرع ولم تكن تريد رفع العقوبات، لكن ما جرى أظهر قدرة المملكة على التأثير”. وتشدد المصادر الدبلوماسية على أن سوريا شكلت “زلزال” هذه الزيارة، لأن أحدًا لم يكن يتوقع رفع العقوبات عنها. وتتابع: “اللقاء مع الشرع بالغ الأهمية، لأنه من دون القبول الأميركي للشرع، لا يمكن لسوريا أن تعود الى الأنظمة العالمية”، وإذ نوّهت بأهمية الإعلان الرسمي والندي، عن رفع العقوبات الأميركية الناجمة عن قانون قيصر، كشفت أن الرئيس الأميركي حث الرئيس السوري على التوقيع على اتفاقية السلام والتطبيع مع إسرائيل. وتضيف المصادر الدبلوماسية: “ترامب مهووس بإرساء السلام في الشرق الأوسط، وهو يريد أن ينجح حيث فشل الآخرون، ولا يستغربن أحد لماذا هددّ إيران، علمًا أنه يتفاوض معها”.
ولا تخفي المصادر الدبلوماسية الانعكاس الإيجابي لرفع العقوبات الأميركية عن سوريا، على لبنان، إن في موضوع استقرار المنطقة الأمني والسياسي، وإن من خلال التبادلات المصرفية والتجارية وإعادة الاعمار، مشددة على أن لبنان سيلمس التغيير، من خلال أزمة النزوح وعودة الآلاف مع حلحلة الوضع الاقتصادي في سوريا، وتختم: “نحن في مرحلة بإيجابية إذا اعتبرنا أن الشرع جدي وصادق في مقارباته السياسية”.
إذًا، رسم ترامب خارطة الشرق الأوسط وسلّم دفة السفينة الى السعودية، وأعاد لبنان الى الحضن العربي. فهل سنشهد أيامًا هادئة بعد كل هذا الصخب وهل سيعود لبنان الى تألقه بعد كل هذه المعاناة والتعب؟ أسئلة ضبابية لمرحلة إيجابية. فلننتظر.