#dfp #adsense

خاص ـ لبنان الغائب عن قمة الرياض حضر في مقرراتها.. استعدوا! (جوزيف بوهيا)

حجم الخط

في زمنٍ تتحوّل فيه القمم الإقليمية إلى منصات لرسم مستقبل المنطقة، كان لافتًا غياب لبنان الرسمي عن القمة السعودية – الأميركية التي عُقدت منذ أيام، في وقتٍ حضر فيه ملفه السياسي ـ الأمني بقوة في النقاشات وخطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا الغياب لا يعني خروج لبنان من دائرة الاهتمام، بل يؤشر إلى انتقاله من موقع الشراكة إلى موقع القضية، ومن دور الطرف إلى موضع الترقب المشروط.

قال ترامب بوضوح: “في لبنان هناك فرصة لمستقبل خالٍ من قبضة الحزب الإرهابي، إذا تمكن الرئيس ورئيس الحكومة الجديدين من إعادة بناء دولة لبنانية فعالة. إنها فرصة جيل فريدة من نوعها لبناء لبنان مزدهر ويتمتع بسلام مع جيرانه.”

هذه العبارة، في توقيتها ومضمونها، ليست مجرد رأي سياسي، بل مؤشّر استراتيجي يضع لبنان أمام مفترق مصيري: إما أن يُعيد إنتاج نفسه كدولة ذات سيادة كاملة، أو أن يبقى رهينة تسويات تُفرض عليه من الخارج.

أولًا: غياب التمثيل… حضور التحدي

غياب لبنان عن القمة لا يمكن فصله عن أزمة النظام السياسي الداخلي، حيث تستمر مؤسسات الدولة تتخبط تحت ضغط الشلل وغياب القرار السيادي المستقل. لكن ذكر لبنان بهذا الوضوح في خطاب الرئيس الأميركي يُثبت أن ملفه لا يزال مطروحًا على طاولة التفاهمات الكبرى، وإن كان من دون تمثيل فعلي.

وقد جاءت هذه القمة تحديدًا لتكرّس تحوّلًا إقليميًا واسعًا، حيث شهدت إعادة إدماج الدولة السورية عبر رفع العقوبات عنها، وعُقدت خلالها اتفاقيات اقتصادية استراتيجية بين دول محورية. ولو كان لبنان حاضرًا بدور فعّال، لكان بإمكانه أن يستفيد مباشرة أو غير مباشرة من هذه التفاهمات، أو على الأقل أن يحجز له موقعًا في خارطة الفرص بدل أن يُكتفى بذكره كأزمة قائمة.

الدول تُقاس بقدرتها على فرض موقعها في القرار. ولبنان الرسمي، حتى اليوم، لم يتمكن من إقناع القوى الإقليمية والدولية بجدية خطواته لبناء دولة قوية، ومن هنا بدأ التغيير: دولة عاجزة عن إثبات دورها الإيجابي في محيطها، يصعب أن تكون شريكًا في صياغة مستقبل المنطقة.

ثانيًا: فرصة جيل… ولكن بشروط واضحة

حين يتحدث رئيس الولايات المتحدة عن “فرصة جيل”، فهذا يعكس إدراكًا دوليًا لمرحلة مفصلية في تاريخ لبنان، لكنها فرصة مشروطة بثلاثة عناصر أساسية:

1 ـ وجود قيادة تملك الجرأة في اتخاذ القرار السيادي.

2 ـ تحرّر الحكومة من منطق التسويات الداخلية التي عطّلت الدولة.

3 ـ القطع الجريء مع منطق السلاح الخارج عن الشرعية، وعلى رأسه الحزب.

من دون هذه الشروط، تبقى الفرصة عنوانًا من دون مضمون وسيبقى لبنان مُتلقي للقرارات الدولية وغير فاعلا في صناعتها.

ثالثًا: التموضع الإقليمي يتغير… فأين لبنان؟

التحولات في الإقليم سريعة وعميقة: من تهدئة الجبهات إلى إعادة رسم التحالفات. وفي هذا السياق، يبدو لبنان الدولة الوحيدة غير القادرة على تحديد تموضعها، نتيجة الانقسام الداخلي وهيمنة السلاح على القرار الوطني. لكن القمة الأخيرة تفتح بابًا أمام إعادة تموضع مشروطة، تُلزم الدولة اللبنانية بإجابة واضحة: هل تريد أن تكون دولة طبيعية في محيطها العربي؟ أم تستمر كذراع إيرانية على المتوسط؟

وفي موازاة ذلك، لا يكفي الخطاب السيادي ما لم يُترجم إلى خطوات فعلية:

ـ ضبط الأمن في الداخل.

ـ نزع السلاح المتفلت من جميع الأطراف.

ـ فرض هيبة الدولة على كامل أراضيها.

فالثقة الدولية تُبنى على مؤشرات واضحة، لا على نوايا. والاستثمار لا يأتي إلى بلدٍ تسوده الفوضى الأمنية. وهذه الإجراءات، إلى جانب إصلاحات اقتصادية مؤلمة لكن ضرورية، تُعد المدخل الحقيقي لأي نهوض.

رابعًا: الدولة في مرحلة اختبار… لا مكافأة مجانية

الرسالة الدولية واضحة: إذا أُنتجت تسويات داخلية ضمن المعادلات القديمة، ستبقى الدولة معطّلة. أما إذا جاءت حلول الدولة منسجمة مع مشروع بناء المؤسسات، فسيُفتح أمام لبنان باب جديد من الشراكة والدعم.

لم تعد الشرعية تُستمد من التوازنات الطائفية، بل من التزام واضح بمشروع السيادة، والحياد، والاستقلال. وإذا كان الرئيس عون يعمل بهدوء على خط معالجة ملف السلاح، فقد حان الوقت لتحويل المبادرة إلى مسار معلن، شفاف، محدد بزمن، يطمئن الداخل ويُقنع الخارج بأن هناك إرادة فعلية لحسم هذا الملف الأساسي.

السيادة لا تُدار بصمت، بل بمصارحة وشراكة وطنية.

خامسًا: سيناريوهان للمستقبل: بين البناء والانهيار

اللحظة لا تحتمل الوقوف في المنتصف. فلبنان أمام سيناريوهين واضحين:

إما أن تنجح الدولة في استثمار الزخم الدولي، وتفرض منطق الدولة تدريجيًا، ولو بكلفة سياسية داخلية، فنكون أمام مسار إنقاذ طويل لكن ثابت؛

أو أن تُهدر الفرصة، ويُترك الملف اللبناني يتدحرج في أروقة التسويات الإقليمية، حيث يُعاد إنتاج نظام هشّ تحكمه الميليشيات والفوضى، وتضيع معه فرص النهوض لعقد آخر على الأقل.

المطلوب ليس المستحيل، بل فقط قرار وطني شجاع يُعلن أن زمن المقايضات انتهى، وأن مشروع الدولة قد بدأ. والفرصة، على ندرتها، ما زالت قائمة. فالمناخ الإقليمي منفتح على شراكات جديدة، والدعم الدولي متاح لمن يُثبت أنه يمتلك قرار الدولة والمؤسسات الفاعلة لا سلاح الفوضى.

سادسًا: القرار لنا… أو عنّا

الاعتقاد بأن الوقت لا يزال يسمح بالمماطلة، وهمٌ خطير قد يكلّف لبنان موقعه ودوره. اللحظة مؤهلة، لكنّها قصيرة الأجل. والفرصة سانحة، لكنها مشروطة. المرحلة المقبلة ستكون حاسمة. إما أن تبادر الدولة اللبنانية إلى التقاط هذه اللحظة وقيادة مسار الإنقاذ، أو يُعاد ترسيم موقع لبنان الإقليمي في غيابه، وتتحوّل الدولة إلى ملف يُدار من الخارج.

الخيار لم يعد في يد الخارج، بل في يد الداخل: إما أن نختار الدولة، أو نُسلّم مصيرنا لمنطق المحاور. إما أن نعود إلى خريطة الدول ذات القرار، أو نُكرّس موقع لبنان كساحة مفتوحة على كل الاحتمالات… إلا الدولة.

لكن لا يزال في الإمكان إعادة الإمساك بزمام المبادرة، إذا وُجدت الإرادة والحزم، وتقدّمت الدولة اللبنانية بخطاب جريء ورؤية واضحة. فما ضاع ليس مستحيل الاسترجاع، وما هو ممكن اليوم، قد لا يكون متاحًا غدًا.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل