


.jpg)
.jpg)

السادسة صباح الاثنين 19 نوار. “بابا عرفتي انو الزحالنة أخدوا زحلة؟”، أيقظني أبي وبيعيونه الخضراء الواسعة المترقرقة بدمعها، وصبّحني بوجهه الحلو وبفرحته بزحلة. “كنت مرعوب تخسر زحلة” أضاف أبي، ومن ثم تذكّر أن عليه أيضًا أن يبارك لي نجاحي في بلدية ضيعتي! لم أكن أتابع تفاصيل المعركة لأني انهمكت بمعركتي الانتخابية في ضيعتي، كما كل قرى وبلدات البقاع. كنت أسأل من وقت لآخر عن مسار العملية الانتخابية في عرين الأسودة، وقلبي يرتجف خوفًا، ذاك الخوف المجبول بالإيمان الفطري أنه لا يمكن لزحلة أن تخون نفسها، أن تمشي عكس تاريخها، أن تشهد بالزور لناسها المقاومين.
عند الظهر بدأت أجراس زحلة تقرع وتدعو ناسها للاقتراع بكثافة للائحة “قلب زحلة”. لائحة غير مدعومة الا من “القوات اللبنانية” منفردة ضد الكل، ضد الآخرين مجتمعين، ضد مسار زحلة التاريخي المعروف منذ ليس فقط من أربعين عامًا، إنما من زمن يوحنا مارون حتى اللحظة.
بدأت الأجراس تقرع بقوة، وبدأ ناس الكرامة والعزة يتدفقون الى صناديق الاقتراع، وبدأت الجهة المقابلة تكثف حضورها الانتخابي لتُسقط زحلة بالضربة القاضية، لتسقط تاريخها وحاضرها وتبقيها في حفرة الماضي والإهمال والتسيب وسطوة الممانعين. هجموا الى صناديق الاقتراع وفي بالهم أن رأس المناضلين والمناضلات في زحلة سيتدحرج من قمة تلة العذراء مريم، وصولًا الى كعب الوادي، وسيجرفه نهر البردوني مع تاريخ المدينة، وسيرسمون لزحلة خارطة طريق جديدة يشبه نهجهم الأسود القاتم المبلل فسادًا وزحفًا وذلًا، وفي بالهم بعد ما هو أبعد بكثير، أن رأس سمير جعجع تحديدًا سينكّس بالهزيمة الكبرى، حين تخلع عنها زحلة صفة مدينة مدن “القوات اللبنانية”، لتصبح مسرح الممانعين، وليسجل التاريخ لجعجع أكبر هزيمة في تاريخه المناضل. هجموا الى صناديق الاقتراع وفي بالهم انتصار مدوي سيشهد له تاريخ المدينة وتاريخ لبنان كله… وحصل ولكن بالمقلوب!
بدأت الأجراس تقرع وأهل زحلة يهرعون لإنقاذ مدينتهم مما كان مخططًا لها، وقفت القوات لوحدها في وجه الجميع، الكل على البطل، والبطل لوحده في الساحات يواجه برأسه المرفوع، المواجهة مهما كانت النتائج ولا الاستسلام لمنظومة مماثلة، وقف قلب لبنان عند عتبة وادي العرايش، خائفًا مؤمنًا بأنه لا يمكن، لا يمكن، لا يمكن لزحلة أن تخلع عنها أصالتها، مستحيل مهما كانت الهجمة شرسة، هذه مدينة قاومت جبروت عهد الأسد الأب والابن وانتصرت، هذه مدينة تسلقت وعر جبال الثلج واستشهد شبابها في البرد والنار لتبقى زحلة، لا يمكن، لا يمكن أن تتنكر لماضيها وحاضرها ومستقبلها، هذه مدينة نساؤها قبل رجالها، مقاومات شرسات ورجالها مقاومون أشداء، وأطفالها رضعوا العنفوان قبل الحليب، وأجيالها كبروا وفي الدم قوات قبل الدماء فكيف تنهزم كيف تستسلم؟ مستحيل.
عند المساء بدأت رائحة النصر تتسلل بقوة من بين الأخبار المتواردة، توقفتُ عن متابعة نتائج الانتخابات بضيعتي ووقفت على حدود الخبر في زحلة، لم أعد أهتم ما إذا ربحت معركتي في ضيعتي أم لا، زحلة هي أم المعارك، هي القضية، هي القلب النابض، هي الكأس والوليمة والخميرة وخابية النضال والحب.
“تقدم كبير للوائح القوات اللبنانية في زحلة” وصل أول خبر، ومن بعده الثاني والرابع والعاشر، وكلما تقدم الليل كلما تأكد خبر الانتصار، وبدأنا الرقص المجنون، ربحت الكرامة معركة زحلة، انتصرت “القوات اللبنانية” بلائحة كاملة بأعضائها كافة، انتصرت لائحة “قلب زحلة” لتنتشل من قلب قلبنا فرحًا وعنفوانًا لا يقارب، عنفوان هو خبز وملح الزحالنة اليومي، عنفوان هو معجن أهل زحلة، هو قمح بيادرهم، هو مواسمهم وحصيدتهم ومؤونتهم وأبنائهم، أبناء زحلة هم أبناء العنفوان، العنفوان المسيّج بدم شهدائها، ومناضليها الأحياء، هذا عنفوان ثمنه غالٍ، غالٍ جدًا جدًا جدًا، “قلتلكن إنو ع زحلة لا فاتوا ولا رح يفوتوا لا هلأ ولا بعدين، اليوم زحلة طلعت قدّ الكل لوحدها زحلة اختارت التقدم والتغيير والحضارة والسيادة والشهداء ولبنان، وتأكدنا انو مش زحلة قوات بل القوات هي زحلة… زحلة النجم اللي ما بينطال” قال سمير جعجع وهو يرفع كأس الشمبانيا عاليًا جدًا محتفلًا مع الزحالنة وكل لبنان بانتصار الكرامة والعنفوان والقضية ومدينة “القوات اللبنانية” لأجل كل لبنان.
كأسك يا مدينة النور والشمس المتسللة بعنف فوق بقايا التراجع، كأسك يا زحلة يا عروس العنب والدوالي وكروم الحصيدة، تحت شمس شموس السهل الأخضر، كأسك يا عريقة، يا أبيّة، يا مناضلة، يا صبية في عز العمر لا تقبل الا عناق السحاب، ليبقى الرأس مرفوعًا الى فوق، الى تحت أقدام العذراء ووشاح السيد المسيح يظللها. كاسك يا معتقة الدهر التي لا تشيخ، ويبقى الصبا معلقًا على ذاك العنقود المتدلي من خوابيكِ، نشربه جرعة جرعة حينًا، ومقفى أحيانًا أخرى، لنعلن عليكِ الحب، وتعلنين عليها كرامة النبيذ حين يُسكب في خوابي الشهداء. كاسك يا زحلة، وكما يقول الرفاق “كاس رب ربك يا حكيم”.
