
.jpg)
لطالما كانت سارية في العقود الماضية مقولة إن لبنان قطاع مصرفي له دولة وليس العكس. على أن شيوع هذا التعبير لم يأتِ من عدم، بل من المكانة التي كانت للمصارف اللبنانية قوةً مالية وسيطًا ضاربًا وإدارة ناجحة. هذه العناصر الثلاثة جعلت مصارفنا قبلة أنظار العالم ونقطة جذب الرساميل التي رفعت الودائع إلى ما تخطى أو ناهز نظيراتها في مصارف عالمية كبيرة. لكن هذا العملاق المالي، ما استطاع الصمود إلى ما لا نهاية بمواجهة صدمات واهتزازات وأزمات، بعضها من داخل إداراته نفسها، وبعضها من أداء السلطات المسؤولة في الدولة، وبعضها الآخر من عوامل عدة تفاعلت فحرّكت بركانًا ظل هامدًا، ربما من زمن سقوط بنك إنترا، ولو مع بعض الاستثناءات.
يتميّز البحث الحالي في تنظيم المصارف عن سواه من العلاجات لأزمات مصرفية سابقة، في أن التنظيم الجاري إعداده حاليًّا عليه أن يتناول أقله ثلاث قضايا في واحدة، أما في الحالات السابقة فكان المطلوب العمل على أزمة غير متعددة الرؤوس بغض النظر عن حجمها وتأثيرها على البلد. والقضايا الثلاث التي يجري العمل على معالجتها هي: إعادة هيكلة المصارف، وتعديل قانون السرية المصرفية وسد الفجوة المالية مع حل مسألة أموال المودعين. ويرى الخبراء أنه في حال نجاح الحكومة في هذه الإجراءات، تكون قد أنجزت إصلاحًا ماليًّا ما تناولته حكومة منذ عقود كاملة.
ضوء في آخر النفق
في الأسبوع الثاني من نيسان الحالي أقرّت الحكومة اللبنانية مشروع قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، وذلك بعد إقرار مشروع قانون رفع السرية المصرفية، وإحالتهما إلى المجلس النيابي للمناقشة. لكن عقد جلسة عامة للمجلس قبل زيارة الوفد الرسمي اللبناني في 21 نيسان إلى واشنطن، لإجراء محادثاته مع صندوق النقد والبنك الدوليين بدا غير منطقي، وربما يتم عقدها في أول أيار المقبل. في أي حال، تبقى الأهمية في مضمون الإجراءات المتخذة والالتزام بعملية الإصلاح المصرفي برمّتها، لا في توقيت نفاذ هذه المقررات. فأهمية قانون إصلاح المصارف تكمن، بحسب الخبراء الماليين، في أنّه يحفظ حقوق المودعين ويضع لبنان على الطريق الصحيح لبدء معالجة الأزمة المالية والنقدية والمصرفية. وبالتالي يفسح في المجال أمام الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
والجدير ذكره أنّ هذه هي المرة الأولى التي تقر فيها حكومة على مدى خمسة عقود، مشروع قانون لإصلاح اوضاع المصارف وإعادة تنظيمها، يدرس كيفية تحمُّل الخسائر، ويعيد إلى القطاع المصرفي دوره الائتماني في إنعاش الاقتصاد وبعث الثقة. فبعض الإجراءات السابقة لإدخال تعديلات على أوضاع المصارف، كانت غالبًا ما تقتصر على تعاميم من مصرف لبنان.
وعند الانتهاء من وضع مشروع قانون لمعالجة الفجوة المالية الذي يسمح بإعادة التوازن للانتظام المالي، تكون الخطوة الثالثة قد تحققت بما يسهم ببدء العمل لانتشال لبنان من الأزمة المستمرّة منذ العام 2019. وثمّة ملاحظة مهمة هنا وهي أن إحدى مواد مشروع القانون المحال إلى المجلس النيابي، تنص على أنه لا يصبح نافذًا إلا بعد إقرار قانون معالجة الفجوة المالية. وإضافة إلى استجابة هذه الإجراءات الى حاجة البلد الملحة، فإنها أيضًا محل مطالبة من اللبنانيين ومن المؤسسات الدولية المهتمة بمساعدة لبنان. فهل تلقى هذه المشاريع طريقًا سالكة أمامها للتنفيذ؟
ما رشح عن أوساط نيابية لا يشجّع، أقله بسرعة المناقشة والإقرار، فاللجان لن تبحث في مشروع وضع المصارف قبل أن يحيل مجلس الوزراء مشروع قانون معالجة الفجوة الماليّة لدراستهما معًا نظرًا لارتباطهما ببعضهما البعض. وكذلك بعد اجتماعات الوفد اللبناني مع صندوق النقد. هذا في الظاهر، لكن ثمّة ما يشي بأن هناك من يتعمّد التأخير في إصدار القانون حمايةً لبعض المصالح أو إفساحًا في المجال لترتيب بعض الأوراق قبل حسم المسألة والانتقال إلى الوضعية المصرفية الجديدة. في المقابل يؤكد اقتصاديون وقانونيون متابعون أن ما كُتب قد كُتب وأن قطار الإصلاح المصرفي قد انطلق ولن يتوقف قبل الوصل إلى محطته الأخيرة تحقيقًا للخروج من الأزمة.
ولمن ينتظر إعادة أموال المودعين، فمشروع قانون الإصلاح المصرفي لا ينص على كيفية إعادة الأموال ومن يندمج مع من وما إلى ذلك، إنما يتحدث عن آلية عملية للوصول إلى النتيجة المرجوة. أما قانون الفجوة المالية فهو ما سيتحدث عن أرقام ويحدد قيمة الفجوة ومتطلبات سدّها. مثلاً كم على الدولة أن تتحمّل وكم على المصارف وكيف ستُدفع أموال المودعين، هل نقدًا أو عن طريق الـ”بيل إن” (Bail in) أو غيره؟ وهذا يلزمه تقييم لملاءة المصارف وهيكلتها، ما يعني أن الأمر ليس قريب التطبيق، وإن كان نظريًا أفضل من القوانين السابقة.
بين التاريخ والمستقبل
لبنان هذا العملاق المصرفي والتاريخ المصرفي العريق، لطالما تعرّضت بنيته المصرفية إلى اهتزازات بعضها كان كبيرًا كما هي الحال اليوم، أما أسبابها فموزعة بين سوء الأداء السياسي والفساد الإداري والوضع الأمني وأيضًا أطماع المصارف نفسها. هذا ما كان يتطلب دائمًا إعادة هيكلة ومعالجات كانت تنجح كلما تزامنت مع أوضاع سياسية داخلية وأجواء إيجابية خارجية مؤاتية، وهي تبدو متوفرة اليوم.
أما تاريخيًّا فقد تبنى لبنان سياسة الاندماج والاستحواذ في القطاع المصرفي من خلال قانون تسهيل اندماج المصارف رقم 192 الصادر في 4 يونيو 1993، إذ وافق مصرف لبنان يومها على أكثر من 25 عملية اندماج نهائية خلال الفترة الممتدة من 1993 إلى 2002. وكانت أول عملية اندماج في القطاع المصرفي اللبناني في آذار 1993 عندما استحوذ فرنسبنك على أسهم بنك طعمة بقيمة 8 ملايين دولار، ثم توالت عمليات الاندماج بعد ذلك، ومن أهمها في السنوات الأخيرة:
أيار 2014 استحوذ فرنسبنك بالكامل على البنك الأهلي الدولي، وبلغت قيمة الصفقة 102 مليون دولار.
حزيران 2014 اشتری سيدروس إنفست بنك كل أسهم ستاندارد تشارترد بمبلغ 23 مليون دولار. كذلك اندمج بنك الصناعة والعمل مع البنك التجاري للشرق الأدنى، وحمل الكيان المصرفي الجديد الناتج عن الاندماج اسم بنك سرادار.
أيار 2016 استحوذ بنك بيبلوس على 99.18 في المئة من أسهم بنك فرعون وشيحا. وفي 2017 استحوذ بنك لبنان والمهجر على بنك الشرق الأوسط المحدود في لبنان.
أما الدافع وراء الإندماجيات فهو: زيادة رأس مال المصارف التي لم ترفع رأسمالها استجابة لتعميم البنك المركزي، الذي فرض على المساهمين في المصارف زيادة رأس المال بنسبة 20 في المئة بدءًا من نهاية عام 2019 إلى غاية نهاية عام 2020. وضخامة عدد المصارف اللبنانية (65 مصرفا) مقارنة مع السوق وحجم الاقتصاد. وضعف المصارف الصغيرة، ومؤخرًا انخفاض التصنيف الائتماني العالمي للمصارف اللبنانية.
اليوم هناك فرصة جدية للنهوض من الكبوة واستعادة الدور الريادي للقطاع المصرفي اللبناني. والفرصة متمثّلة باستعادة الدولة لدورها ولو تدريجًا، واحتضان عربي للبنان وخليجي تحديدًا، وأمل بحصر السلاح وبسط الدولة نفوذها على كامل أراضيها وفرض القانون، مما يوحي بعودة الأمن ويؤمّن مناخًا استثماريًّا ملائمًا، وأملاً عند المواطنين يرفع الإنفاق معطوفًا على ثقة لدى المستثمرين تُعيد التوظيفات. فعسى أن يحصل كل ذلك فتتحقق الغاية المرتجاة والنهوض المنتظر!
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]