
تتجلى بوضوح في الآونة الأخيرة مؤشرات ضخ أموال كبيرة من قبل “الحزب” في الاستحقاقات البلدية والاختيارية، خصوصًا في البلدات التي تُعتبر من بيئته الحاضنة. هذه الأموال، التي كانت سابقًا محاطة بسرية نسبية، خرجت إلى العلن بشكل واضح في مختلف المعارك الانتخابية، في وقت يعاني فيه عدد كبير من المواطنين داخل هذه البيئة من تراجع ملحوظ في تقديمات “الحزب” الاجتماعية والخدماتية. فالمحتاج الذي يطرق أبواب المساعدة كثيرًا ما يعود خائب الأمل، في ظل أولوية يوليها “الحزب” للفوز في الانتخابات، باعتبارها مقياسًا لاستمرار احتضانه من قبل القاعدة الشعبية.
من خلال رصد دقيق للتحركات الانتخابية، يتبين أن “الحزب” يخصص ميزانيات ضخمة لتحقيق انتصارات في هذه المعارك المحلية. هذه الأموال، التي كانت “مخبّأة”، بدأت تظهر بوضوح في العديد من البلدات التي تعتبر محسوبة على “الحزب”. الغريب في الأمر أن هذه الأموال الطائلة لا يبدو أنها تتوجه نحو مساعدة المتضررين أو التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية على الأفراد الذين يطرقون أبواب “الحزب” طلبًا للمساعدة، بل يتم رفض طلباتهم ويعودون خائبين. هذا التناقض يدعو إلى التساؤل عن الأهداف الحقيقية وراء هذا الإنفاق السخي. في حين يرى كثيرون أن الأولوية القصوى لـ”الحزب” تكمن في الفوز بهذه الانتخابات، وإعادة التأكيد على أن “البيئة” لا تزال تحتضنه، في محاولة لترسيخ شرعيته ونفوذه.
لا يقتصر الأمر على مجرد الفوز، بل تتجاوز أهمية هذه الانتخابات بالنسبة لـ”الحزب” ذلك بكثير إذ يعتبرها “مسألة حياة أو موت”، لأنه بحاجة ماسة إلى انتصار فعلي وواقعي، بعيدًا عن “انتصاراته الوهمية” التي لم تعد تقنع بيئته الحاضنة. هذه المعارك المحلية تُعتبر مؤشرًا حقيقيًا على مدى تماسك القاعدة الشعبية ومدى قدرة “الحزب” على الحفاظ على نفوذه في معاقله التقليدية، لا سيما في ظل تنامي الأصوات المعارضة أو التي تشعر بالإحباط.
على الرغم من أن “الحزب” يؤكد أنه لا يشتري الأصوات بشكل مباشر، غير أن ما يقوم به يتجاوز ذلك بكثير، فقد أدى حجم الاعتراض وعدم المبالاة بالانتخابات البلدية من قبل البيئة الحاضنة إلى دفع “الحزب” للجوء إلى خطة “ب”، وهي “خطة التزكية”، هذه الخطة ظهرت كحل بعد أن أوصلت البيئة، وخصوصاً في الجنوب، رسالة واضحة مفادها، “لا نريد الاقتراع قبل إعادة الإعمار ودفع التعويضات”، هذا الرفض العلني أقلق “الحزب” كثيرًا، مما دفعه إلى إدارة “معركة التزكية” بأموال طائلة.
تتضمن هذه المعركة دفع مبالغ مالية كبيرة تتجاوز الـ10.000 دولار للضغط على المرشحين المنافسين لسحب ترشيحاتهم، وبالتالي إبرام صفقات “تزكية” لتجنيب البلدات التي تشهد “انتفاضة” معارك انتخابية غير مضمونة النتائج، ووصل سعر سحب ترشيح المختار الواحد في بعض البلدات إلى 15.000 دولار، أما المرشح لرئاسة البلدية، فتكلفته تتخطى الـ17.000 دولار لسحب ترشيحه.
