

.jpg)


هو جنون الذهب يزداد جنونًا، ويتوهج ملاذًا آمنًا وخيارًا استثماريًا الأكثر جذبًا. الكل يتهافت للحاق به، والكل يسأل، دول وأفراد، هل فات أوان شرائه؟ تجيب الحكمة، الأذكى ليس من لحق بالقطار بل من تحضر له قبل انطلاقه، والتاريخ يشهد.. هذا ما فعله لبنان منذ ما يناهز الـ60 عامًا.. البلد “المفلس”، والمنهك تحت وطأة أزمات اقتصادية ومالية هدّت أوصاله وأفلست شعبه، يتوهّج اليوم، ويا للغرابة، بثروة ذهبية تقارع ثروات كبار الدول…
هي حكاية من أغرب الحكايات، يوم قرر كبار من بلادنا، أن يمشوا عكس تيار ذاك الزمان، أنْ يحتفظوا بقرش لبنان الأبيض ليومه الأسود! ودارت الأيام، لبنان البلد الأشد فقرًا، صار اليوم الأغنى ذهبًا، ويبقى السؤال، هل يضيء معدن لبنان الأصفر سواد أيامه؟ كيف كان للبناننا كل ذاك الذهب؟ كيف تمكن من حمايته في أعتى أزمانه؟ وهل ينشله ملاذه الآمن ذاك من إفلاسه؟
هي حكاية ذهب لبنان “المشقّع” أونصات وسبائك وعملات تتوهّج داخل أقبية محصَّنة داخل مصرف لبنان المركزي، متوّجة بلادنا في عز أزماتنا، في المرتبة الـ20 عالميًا في احتياطي الذهب، وفي المرتبة الثانية عربيًا بعد السعودية، وفق أحدث تصنيف لمجلس الذهب العالمي، بمخزون تاريخي يبلغ رسميا 286.8 طنًا من الذهب، أي ما يناهز الـ9.25 مليون أونصة، بقيمة تتخطى اليوم الـ29 مليار دولار مرشحة للارتفاع، مع التصاعد الجنوني غير المسبوق لأسعار الذهب، جمعها البنك المركزي التزامًا بتحديد قيمة الليرة اللبنانية بالذهب الخالص، الذي تم تكريسه في المادة الثانية من قانون النقد والتسليف الصادر عام 1963، ملزمًا لبنان تكوين احتياطات بالذهب والعملة الصعبة كشرط أساسي لإصدار عملته الوطنية.
هكذا كانت الانطلاقة. لكن أولى خيوط قصة امتلاك لبنان لهذا الاحتياطي تفاوتت بين تأكيد على أن اقتناءه أول كمية من الذهب يعود الى العام 1948، وحددت يومها بـ1.5 طن، وجاء ذلك إثر انضمامه إلى صندوق النقد الدولي عام 1947 والاعتراف بالليرة اللبنانية كعملة مستقلّة. لكن ثمة حكاية أخرى تقول إن أول من اشترى أونصات ذهب من فائض الخزينة هو بيار إميل إده عندما كان وزيرًا للمالية على عهد كميل شمعون الذي شهد النمو والازدهار بفضل قانون السرية المصرفية، ليحسمها الخبير المصرفي والمالي غسان أبو عضل مؤكدًا أن شراء الذهب انطلق في ستينات القرن الماضي، وتحديدًا مع إصدار قانون النقد والتسليف الصادر عام 1963 والذي حدد في مادته الثانية قيمة الليرة اللبنانية بالذھب الخال. أكثر من ذلك، اشترط لإصدارها بأن تكون نصف قيمة النقد المتداول مغطّاة بالذهب والعملات الصعبة، و50 في المئة منه بأوراق حكوميّة مختلفة.
وتاليًا، يوضح أبو عضل أن لبنان كان مجبرًا على شراء الذهب، بهدف إصدار عملة قوية وفقًا لقانون النقد والتسليف، وإلا لما كانت لدينا عملة وطنية. وهكذا انتهج لبنان سياسة شراء الذهب منذ الستينات مسجلًا ذروتها في عهد حاكم المركزي آنذاك الرئيس الراحل الياس سركيس… ونسأل كيف كنَزَ سركيس ملاذ لبنان الآمن ذاك؟
حاكم من ذهب
يُجمع أهل السياسة والمال والاقتصاد على أن قصة تخزين وتكوين تلك الثروة الوطنية الكبيرة ما كانت لتكون لو لم يكن للبنان ومصرفه المركزي حاكم وقامة كبيرة، راكم خلال حاكميته التي امتدت 9 أعوام خزائن ملأى سبائك ذهب، حملته لاحقًا الى كرسي رئاسة الجمهورية.
كان ذلك في العام 1967 حين عُيِّنَ الياس سركيس حاكمًا لمصرف لبنان، وكان محاميًا شابًا ووسيمًا، لا رجل مال واقتصاد، ولا سابق خبرة له في “ميريل لينش” الأميركية. كان شهابيًا نظيف الكف تمكَّن بفطنته وحكمته من انتهاج سياسة مالية أدخلت بلده الصغير إلى نادي الدول الذهبية جاعلًا منه ثاني أكثر دول العالم امتلاكًا للمعدن الأصفر، نسبةً إلى عدد السكان، بعد سويسرا.
وقياسًا الى ما وصل إليه حالنا اليوم، ما كان للحظّ أن يحمل للبنان أفضل مما فعله سركيس. ففيما كان العالم يعيش حقبة الكفر بالذهب يومذاك، قرر ذاك الشهابي أن يسبح عكس التيار، مقتنعًا بأن الذهب وحده يحتفظ بقيمته، ووحده القادر على تخليص دولارات ذلك الزمان من أن يأكلها التضخّم والفساد، وهكذا، ومنذ وصوله الى الحاكمية، انطلق بمخطط شراء الذهب وتخزينه، مشتريًا خمسة ملايين أونصة لحساب الخزانة، ولتواصل الحكومات اللبنانية المتعاقبة شراءه لتغذية احتياطي “المركزي”، وذلك من فائض الموازنة والضرائب التي تجبيها من المواطنين.
“صدمة نيكسون” تجمّد مسيرة الذهب
لكن مسار سركيس بتخزين الذهب توقف في أوائل السبعينات، وجاء ذلك، كما يروي الخبير المالي أبو عضل، إثر فك الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار بالذهب، وفرضه بديلًا احتياطيًا عن الذهب لحفظ قيمة كل العملات الأخرى حول العالم، في حدث أصبح يُعرف بـ”صدمة نيكسون”، ما أسفر عن فصل الدولار الأميركي عن العملة الصفراء.
ومع ذلك، يلفت أبو عضل الى أنه بقي هناك بند في قانون النقد والتسليف اللبناني ينص على أن سعر صرف الليرة يتحدد بناء على قيمة الذهب، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، إذ تنص المادة 68 منه: “على المصرف أن يبقي في موجوداته أموالا من الذهب ومن العملات الأجنبية التي تضمن سلامة تغطية النقد اللبناني توازي 30 في المئة على الأقل من قيمة النقد الذي أصدره وقيمة ودائعه تحت الطلب، على أن لا تقلّ نسبة الذهب والعملات المذكورة عن 50 في المئة من قيمة النقد المصدر”.
وبذلك، ما عاد لبنان ملزمًا بشراء الذهب منذ السبعينات، ومع إشارة أبو عضل الى أن لبنان كان بإمكانه الاستمرار بشراء الذهب، وما من قانون ليمنعه من ذلك، خصوصًا أنه يعزز تغطية الليرة اللبنانية واستقرارها ما ينعكس استقرارًا على الاقتصاد اللبناني، لكن “صدمة نيكسون” جمّدت سياسة مراكمة الذهب في خزينتنا. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، صار الهاجس حماية تلك الثروة الوطنية في أحلك الظروف الأمنية، كيف تم ذلك؟
الذهب.. الخط الأحمر
فترة الانتعاش الاقتصادي والمصرفي التي عرفها لبنان في الستينات ولغاية منتصف السبعينات، سرعان ما اهتزت مع اندلاع الحرب اللبنانية، ما أقحم مصرف لبنان في الكثير من المواجهات وأدى تاليًا الى تزعزع وضع القطاع المصرفي والنقدي.
وأخطر ما كان يتهدد المصرف المركزي آنذاك، هو أن الذهب الذي كان يمتلكه، صار هدفًا محتملًا للقوى المتقاتلة، وقد روى أحد موظفي “المركزي” يوما أن “أكثر من مرة حاول المسلّحون احتلال المصرف، وهو ما أردنا تجنّبه تمامًا. وكلنا يدرك أنه إذا دخلت الميليشيات، فستقع كارثة، وستقفز الليرة، وسيسرقون العملات، وأنّ كل من سيستغل ذلك سيكسب قوة استثنائية على أرض الواقع اللبناني. يمكنك القول إنّه كان هناك خط أحمر، ليس على المصارف الخاصة بل على المصرف المركزي”.
ووفق مصادر مطلعة، فإن حماية المركزي آنذاك فرضتها اتفاقات وتوازنات سياسية، ويُضاف الى ذلك صعوبة الوصول الى ذاك الكنز الذهبي المخزّن داخل المصرف المركزي في مستودعات محصّنة بالباطون المسلّح. ولولا تلك الحصانة الأمنية الفائقة لما ترددت حتمًا بعض الميليشيات وفي مقدمها الفصائل الفلسطينية في اقتحامها، خصوصًا أنها سطت على العديد من مصارف العاصمة ونهبتها.
نعم صدِّقوا، لم يشمل النهب الذي طال مصارف وسط بيروت في مطلع عام 1976، خزائن مصرف لبنان في شارع الحمرا، وجاء ذلك كنتيجة لاتفاق ضمني و”توازن رعب” بين القوى، وفي المقابل كان الرعاة العرب والدوليون يسهرون على هذا الخط الأحمر، فيما التزم مصرف لبنان وحاكمه الصمت والغموض حيال الذهب، الذي أقسم بعض نواب الحاكم أنّه ليس في لبنان.
حماية الذهب.. تهريبًا وقانونًا
وفي تدبير وقائي أولي لحماية الذهب من أي عمليات سطو من قبل الميليشيات المتنازعة يومها، قرر لبنان تهريب ثلث احتياطه من الذهب الى قلعة “فورت نوكس”، حيث الخزانة الرئيسية لاحتياطي الذهب في الولايات المتحدة التي بنيت عام 1936 بولاية “كنتاكي” على مساحة 110 آلاف فدان، لتبدأ عمليات نقل الذهب اللبناني إليها منذ أواخر الثمانينات.
وما كان ذلك حتمًا كافيًا لحماية ذهبنا، فكان إجراء جذري بإصدار قانون في العام 1986 حمل الرقم 42 يمنع التصرّف بالذهب منعًا مطلقًا أو وضع اليد عليه، ومحظرًا على الحكومة أو البنك المركزي استخدام هذا المخزون أو أي كميات منه على رغم الأزمات المتلاحقة وما أحدثته من انهيارات نقدية ومالية مستمرة، حيث نص صراحة على أنه “بصورة استثنائية وخلافًا لأي نص، يمنع منعًا مطلقًا التصرّف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان أو لحسابه، مهما كانت طبيعة هذا التصرف وماهيته سواء أكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب”.
اعتبارات لا تُحصى سياسية أمنية واقتصادية حتَّمت وضع هذا القانون. فمنذ بداية عهد الرئيس أمين الجميّل، نما العجز في المالية العامة وميزان المدفوعات، وبدأت موجات انخفاض سعر صرف الليرة، وتقلّصت الأجور، وتراجعت القدرة الشرائية، وهربت الكثير من الودائع المصرفية. ومع تزايد الضغوط المالية، أصبحت الخيارات الاقتصادية للدولة والمصرف المركزي جزءًا من الحرب الأمنية والسياسية بين الأطراف المتصارعة في لبنان.
فأخذ حاكم مصرف لبنان إدمون نعيم ينفق من احتياطي العملات الأجنبية الذي تكوّن قبل الحرب لوقف انهيار الليرة ومواجهة المضاربات عليها التي أطلقتها مصارف لبنانية وكبار المودعين فيها، ودفع رواتب موظّفي الدولة، فضلًا عن تسديد قيمة صفقة طائرات البوما التي أبرمها الرئيس الجميّل نقدًا، في فترة عصيبة كانت أرباح مصرف لبنان مصدر الدخل الوحيد للدولة بعد أن وضعت الميليشيات يدها على مرافق الدولة الأخرى.
وكانت النتيجة استنزاف نحو 560 مليون دولار من احتياطي العملات الأجنبية، ما دفع إدمون نعيم لطرح مسألة بيع الذهب كحلّ مُتاح، بعد أن ضعف مصرف لبنان وقلّت إمكانات المواجهة لديه نتيجة النزف المستمرّ في احتياطي عملاته الأجنبية. لكن العديد من السياسيين والنواب رفضوا هذا الطرح، وبدأت تظهر مخاوف من تسييل الذهب وبيعه وهدر عائداته على نفقات جارية. فتمّ تأليف جبهة برلمانية على رأسها رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني، وتمّ إصدار القانون 42 الذي لا يزال ساريًا، ولم يصدر أي قانون آخر يلغيه حتى أيامنا.
وهكذا تمكن قانون العام 1986 من التصدّي لمحاولات وضع اليد على الذهب من قبل الميليشيات المتصارعة وسلطات الأمر الواقع بعد الحرب، ونجح، ولغاية اليوم في حماية الموجودات الذهبية، وفيما لا يفصح البنك المركزي بشكل دقيق عن ماهية هذه الاحتياطات المتنوّعة وتوزيعها بين لبنان وأميركا، تؤكد مصادر مالية ومصرفية أن نحو ثلثي الاحتياطيات، أي نحو 6.6 مليون أونصة من الذهب محفوظة داخل مبنى المركزي في مستودعات آمنة ومحميّة ومسلّحة، وهي عبارة عن سبائك بأوزان مختلفة وأونصات وعملات ذهبية، بينما جرى إيداع نحو 3.3 مليون أونصة، أي ثلث المخزون، في أميركا.
ومع ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، يملك لبنان اليوم 29 مليار دولار ثمنًا لكمية الذهب التي اشتراها بـ286 مليون دولار أيام الرئيس الراحل الياس سركيس، وأونصة الذهب التي لم يتجاوز سعرها مئة دولار أصبحت اليوم تناهز الـ3 آلاف دولار.
ويلفت أبو عضل الى أن داخل تلك الثروة الذهبية في المركزي، موجودات من سبائك وعملات ومصوغات تاريخية نادرة ولا مثيل لها في العالم، ما يكسبها قيمة سعرية مضافة لما تتمتع به من ندرة سوقية، تفوق قيمتها ما تسجله ذهبًا بكثير، وترفع تاليًا قيمة الاحتياطي الذهبي.
تشكيك.. وتدقيق
وبالتزامن مع تشكيك عدد من الاقتصاديين منذ سنوات حيال عدم وجود معطيات دقيقة حديثة حول ما يضم المركزي من الذهب، تم إطلاق حزب “مواطنون ومواطنات في دولة” حملة للكشف عن مصير الذهب قبل أشهر من اندلاع انتفاضة 17 تشرين، لكن هذا التشكيك تبدد بعد إجراء صندوق النقد الدولي، عام 2022، تدقيقًا دوليًا في موجودات الذهب لدى مصرف لبنان أفضى إلى إثبات موثق بأنّ المخزون لديه مطابق للكميات الموثّقة في بيانات وزارة المالية والمعطيات الرسمية. ممّا دحض حملات التشكيك”
وتم إشهار هذه الخلاصات استنادًا إلى تقرير التدقيق العالمي، الذي نشر ملخصه حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، والصادر عن شركة التدقيق العالمية “ALS Inspection UK Ltd” والتي كلّفتها به شرك KPMG، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.
ووفق ملخص البيان، فإنّ الشركة الدولية أكدت أن مخزون الذهب لدى البنك المركزي مطابق للكميات الموثّقة في بيانات وزارة المالية، مع التنويه بأن الخلاصة هي نتيجة معاينة أكثر من 13 ألف سبيكة و600 ألف عملة ذهبية. وتبعًا لتقرير الشركة، فقد تم قياس زنة كل سبيكة ذهب على حدة، وفحصها، باستعمال معدات تحليلية ونقلها من قبل موظفي شركة “ALS” إلى مكان خاص بها حديث البناء ضمن الموقع المخصص لخزنات مصرف لبنان”.
الذهب في خطر؟
في أيلول 2019، أي قبل بضعة أسابيع من انطلاق الثورة، فُتح نقاش حول مصير الذهب اللبناني المكدّس في الولايات المتحدة، من زاوية أن هذا الذهب في خطر، لينشر حزب “مواطنون ومواطنات في دولة” دراسة أشار فيها الى أن ثمّة مشكلة تتلخّص في أنّ الدولة اللبنانية تخلّت عن سيادتها على موجوداتها الخارجية عام 1996، وذلك عندما أقرّ مجلس النواب اتفاقية عقود إصدار سندات الدين بالعملات الأجنبية نصّت في أحد بنودها على قبول الدولة اللبنانية الخضوع لقوانين محاكم نيويورك المدنية لحلّ أي نزاع بينها وبين دائنيها. وبذلك أصبح الذهب اللبناني الموجود خارج لبنان خاضعًا للولاية القضائية الأميركية. لذا، وفي موازاة الدراسة، أطلق الحزب حينذاك حملة للمطالبة باستعادة احتياطي الذهب اللبناني من الخارج للحؤول دون وضع اليد عليه. وهي حملة ترافقت مع سؤال كبير: أين الذهب؟
وإزاء تلك الحملة، نبّه خبراء اقتصاديون من أن استرجاع الذهب من الولايات المتّحدة، ليس بالمهمّة السهلة، وهناك صعوبة باستعادته، مستعرضين محاولات دول أخرى، بينها ألمانيا وتركيا وفنزويلا، استودعت ذهبها في الفيديرالي الأميركي، وحاولت استعادته لكنها فشلت. فهل يفشل لبنان باستعادة ذهبه متى قرر ذلك؟
يستبعد الخبير المالي أبو عضل ما يُثار عن صعوبة سحب الذهب اللبناني من أميركا، وعما يُقال عن تجارب عالمية تؤكد ذلك، ويرجّح أن ذلك يرتبط بظروف معينة تحكم حجز ذهب تلك البلدان في الخزانة الأميركية لا نعرفها، ويقول: حتمًا لبنان قادر على استرجاع ذهبه آن يشاء، وهو يدفع إيجارًا سنويًا لتخزينه.
لماذا لا يسترجعه ويخفف عبء إيجاره على الخزينة؟
يلفت أبو عضل الى صعوبة نقل الذهب لأسباب متعددة منها كلفته العالية، فضلًا عن خطورة نقله البالغة، فليس بالأمر السهل أبدًا نقل أكثر من 3 ملايين أونصة من الذهب، مع ما يتهددها من مخاطر السرقة وتكلفة التأمين الباهظة.
ذهبنا ليس للبيع
ويبقى السؤال، القديم الجديد، هل يلجأ لبنان الى احتياطي الذهب لحل أزماته المالية والاقتصادية؟
فلطالما ساد الاعتقاد بأن الذهب خط أحمر، وبأنه من الأصول “المقدّسة” للدولة غير القابلة للمس أو التصرّف بها، ومع تعيين كريم سعيد حاكمًا جديدًا لمصرف لبنان، عادت قضية استرداد الودائع إلى الواجهة كإحدى الملفات الاقتصادية الأكثر إلحاحًا، وأعادت إلى الواجهة طرحًا سبق أن تكرّر مرارًا ورفضه الجميع، يقضي ببيع الذهب أو قسم منه، كحل أساسي لإعادة أموال المودعين.
لكن هذا الطرح اصطدم برفض قاطع من قبل جهات تخشى المساس بثروة لبنان الذهبية، مشددة على “الدور المحوري للذهب في الاقتصاد اللبناني”، ومحذرة من المسّ به باعتباره ملاذنا الآمن ودرع الليرة اللبنانية ونقطة القوة الوحيدة التي يملكها لبنان في أزمته، لما يشكّله من عامل مهم لثقة المستثمرين في لبنان، بالنظر لأهميته الإستراتيجية ولضمانه وجود الملاءة في ميزانية المصرف المركزي، وهي نقطة قوة وثقة ينطلق منها المصرف المركزي بتعاملاته مع المصارف المراسلة، التي وفقًا لمعايير الربح والخسارة التي تحكم علاقاتها مع المصارف في سائر الدول، وافقت على منح المصرف المركزي في لبنان تسهيلات عدة بسبب مخزون الذهب الإستراتيجي، على رغم الفجوة المالية التي تعاني منها ميزانيته، أي عملية لرهنه أو بيعه أو تسييله تعني فقدان هذه الثقة، وتاليًا الانهيار الشامل.
وبالنظر الى كل هذه الاعتبارات مجتمعة، يستبعد الخبير المالي أبو عضل اللجوء الى بيع الذهب فهو خيار مرفوض شعبيًا، في ظل غياب الثقة بين الشعب والقائمين على السلطات التشريعية والتنفيذية والنقدية منذ عقود، وفي حال طرح تعديل القانون في مجلس النواب تمهيدًا لبيع الذهب، يكفي رفض كتلة نيابية واحدة لهذا الطرح لتلحق بحق بها سائر الكتل لإدراكها أنه خيار مرفوض شعبيًا، خصوصًا أننا على أبواب انتخابات بلدية ونيابية، وصعب على أطراف سياسية المضي بخيارات خطرة ماليًا ولا تحوز على موافقة شعبية.
لتعزيز الذهب.. لا بيعه
من هنا، يشدد أبو عضل على ضرورة عدم المس بالذهب لأن وظيفته الأساسية تغطية الليرة، وأنه بدلًا من طرح خيارات تسييل أو رهن الذهب، على لبنان العمل على تعزيز سياسة تغطية إصدار الليرة اللبنانية بالذهب، من خلال تعزيز احتياطه الذهبي، استنادا الى المادة 68 من قانون النقد والتسليف التي تحدد نسبة 30 في المئة على الأقل للتغطية بالذهب، وبالمقابل، لا قانون يحدد النسبة الأعلى للتغطية، الأمر الذي يساهم في استقرار الليرة وتعزيز الثقة بها وزيادة قدرتها الشرائية بما يخدم كل لبنان وكل شعبه وكل اقتصاده وماليته، ويعزّز قيمة أموال المودعين، لافتًا الى أن ميزانية مصرف لبنان من الذهب زادت بأكثر من ثماني مليارات دولار بين العام 2019 والعام 2024 نتيجة ارتفاع سعر الذهب عالميًا، وهذا الرقم مرشح اليوم للتصاعد أكثر فأكثر، ما يعني أن تغطية الذهب لليرة اللبنانية قفزت أضعاف اضعاف ما كانت عليه.
بيعه.. ضرب جنون
وفي هذا السياق، كان كلام لافت لحاكم المركزي بالإنابة وسيم منصوري (قبل تعيين الحاكم الجديد) أعلن فيه صراحة: “أنا مع زيادة احتياطي الذهب وليس خفضه”، منطلقا من أن الذهب يُعتبر “ضمانة استراتيجية” لاستعادة الثقة بالسياسات النقدية والمالية، وليؤكد أن «خيار بيع جزء من الذهب غير مطروح، أقله من مصرف لبنان، وإذا صحّ الأمر فإنه يُعتبر ضربًا من الجنون”.
وعاد منصوري بالذاكرة إلى أزمة تشرين الأول 2019، “حيث كان لدى المركزي 33 مليار دولار، تم تبديدها بأسوأ الطرق (دعم). حاليا قيمة الذهب أكثر من 27 مليار دولار، وفي حال السير بالإصلاحات فإن لبنان سيكون غنيًا بما فيه الكفاية، وتاليًا لا حاجة إلى بيع الذهب”.
لكن ماذا عن خيار تأجير الذهب بعد أن كشف منصوري أنه “تلقى فعلًا عروضًا من مصارف عالمية، وأميركية تحديدًا، لاستثمار ذهب لبنان الموجود في الولايات المتحدة، بما قد يدرّ عوائد نتيجة هذا الاستخدام مع احتفاظ لبنان بملكية الذهب، وضمان عدم المجازفة به”.
ومع تأكيد منصوري أن هذا الملف أصبح جاهزًا وينتظر الحاكم الجديد لبتّه، يشير الى أن “اعتماد أي استثمار للذهب، يحتاج إلى إصدار قانون من مجلس النواب، ودونه صعوبات سياسية”، وبأن “خياري بيع قسم من الذهب أو تأجيره، إن اعتُمدا، يحتاجان إلى تخطي الحكومة عقبات قانونية وسياسية عدة، واستيعاب تحركات شعبية اعتراضية متوقعة”.
وأولى العقبات، وفق منصوري، موقف وقرار حكومي متضامن، محصّن باتفاق سياسي، يغطي خطوة غير شعبية وغير مستحبة لكثيرين.
وثانيتهما، نيل موافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان وحاكمه، على البيع أو التأجير، لأن الذهب مملوك قانونًا لمصرف لبنان، ولديه صلاحية حق الموافقة أو الرفض.
والعقبة الثالثة، هي تأمين النصاب والأكثرية الموصوفة في المجلس النيابي، وإقناع ممثلي الشعب بتحمّل وزر قرار غير شعبي، لتعديل القانون الرامي إلى “منع بيع ذهب مصرف لبنان”.
برفض قاطع لبيع الذهب أنهى منصوري مهامه حاكمًا بالإنابة وسلّمها الى الحاكم الجديد كريم سعيد هو السابع للمركزي منذ تأسيسه عام 1963، متسلّما ثروة ذهبية في عزّ صمودها وتوهّجها وتألقها، فهل تزيدها حاكميته توهّجًا وتألقًا وصمودًا؟ هو التاريخ يرصد يراقب ويسجل ما سيفعله الحاكم السابع بأثمن ما يملكه لبنان وشعبه.
كتبت نجاح بومنصف في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]