.jpg)
سوريا تتجه بسرعة نحو الانخراط في المرحلة الجديدة في الشرق الأوسط، ما يبشّر بعودة النشاط الاقتصادي إليها بظل سياسة الانفتاح التي تبديها السلطة الجديدة في سوريا والتي برزت أكثر إثر اللقاء الأخير في الرياض، بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع. ولا يستبعد كثيرون أن تفوز سوريا، بظل الواقع الذي يلفّه بعض التردد في لبنان، في سباق جذب الاستثمارات.
فعلى الرغم من أن الموقف اللبناني الرسمي جيد، بالنسبة للكثير من المراقبين، لجهة التأكيد على استعادة سيادة الدولة وحصرية السلاح بيدها وإقرار الإصلاحات المطلوبة، وتطبيقها، ويلقى ترحيباً دولياً وعربياً بنسب متفاوتة، لكن الأجواء الدولية والعربية تشي بأن المطلوب أكثر، وخصوصاً بسرعة أكبر، لبدء تدفق المساعدات والاستثمارات إلى لبنان.
في المقابل، تبدو الأمور أسرع وتيرة في سوريا، وسط الحديث عن زيارات متلاحقة يقوم بها رجال أعمال من دول الخليج العربي، سعوديون وإماراتيون ومن بلدان أخرى، لبحث فرص الاستثمار في سوريا الجديدة، وأن الأيام أو الأسابيع المقبلة ستشهد الإعلان عن بدء تنفيذ عدد من المشاريع الاستثمارية الخليجية في سوريا.
في السياق ذاته، كان لافتاً العقد الذي تم توقيعه مطلع الشهر الحالي بين سوريا وشركة “سي إم إيه سي جي أم” الفرنسية، في القصر الرئاسي السوري بحضور الرئيس أحمد الشرع، لتطوير واستثمار وتشغيل مرفأ اللاذقية على مدى 30 عاماً مقبلة، بحيث تضخ الشركة الفرنسية خلال السنوات الأربع الأولى من مدة العقد استثمارات بقيمة تفوق الـ230 مليار يورور. كل ذلك يعني أن هناك رعاية عربية ودولية للوضع في سوريا، ما يساعد بالتأكيد على تحسن الأوضاع الاقتصادية في وقت قريب.
مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني، يرى أن “التطورات التي تشهدها سوريا تكتسب أهمية قصوى، وتحديداً إعلان ترامب عزمه على رفع العقوبات الأميركية عنها، فهذه المسألة ستكون مفصلية، خصوصاً وأن السلطة الجديدة في سوريا كانت تهيِّئ نفسها وتقوم بعمل جدي على صعيد الإصلاحات”.
مارديني، وفي حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، يشير إلى أن “السلطة الجديدة في سوريا، وعلى مستوى كبار المسؤولين وبينهم وزير الخارجية أسعد الشيباني على سبيل المثال، تتحدث عن الانتقال من النظام الاشتراكي الموجَّه إلى النظام الحر التنافسي”، لافتاً إلى أن “هذا الموقف ليس على مستوى الأقوال فقط، إنما على مستوى الأفعال، إذ حصل بالفعل خفض كبير جداً لعدد الموظفين في القطاع العام، بالإضافة إلى إعادة النظر بالسياسة الضريبية الجاري العمل عليها حالياً لجعلها أكثر تنافسية، وخفض الضرائب من أجل جذب الاستثمارات”.
يضيف مارديني: “الأمر ذاته بالنسبة للحديث عن انفتاح سوريا على التجارة العالمية، علماً أن السلطة الجديدة في سوريا كانت منفتحة من الأساس على هذا الصعيد لكن ما كان يعرقلها هو العقوبات الأميركية والأوروبية وغيرها. فعلى سبيل المثال، يمكن اليوم إدخال أي سيارة إلى سوريا والجمارك عليها منخفضة جداً”.
“وجه سوريا يتغيّر اليوم بشكل كبير جداً”، وفق مارديني، الذي يوضح أن “سياسات الحرية الاقتصادية التي تُعتمد في سوريا حالياً، تشبه كثيراً السياسات التي جعلت لبنان مزدهراً في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي. بالتالي، سوريا تسير في المسار الصحيح للنهضة الاقتصادية، فهذه السياسات الجديدة تساعد على جذب الاستثمارات إليها، الخليجية وغيرها”.
لذلك، يتابع مارديني: “حين نكون أمام بلد يعمل على جذب الاستثمارات بتخفيض الضرائب وتسهيل التجارة والاستيراد والتصدير وإنشاء الأعمال وبهذا الانفتاح على النظام الحر، فسيتمكن طبعاً من جذب الاستثمارات، والاستثمارات تعني إعادة إعمار أسرع ونهوض اقتصادي أسرع وفرص عمل أكبر وبطالة أقل. وصحيح أن هناك اليوم إعادة احتضان دولي وعربي لسوريا، لكن الأهم من ذلك هو أن السلطة الجديدة في سوريا هيَّأت نفسها وتستمر على هذا المسار وتتخذ الخطوات المناسبة لجذب الاستثمارات”.
برأي مارديني، أن “ما يحصل ينقلنا إلى لبنان، الذي يجب أن يحتذي حذو سوريا على هذا الصعيد، على الأقل لجهة المسائل التي يتم الحديث عنها والعمل عليها والخطوات التي تُتَّخذ في سوريا حالياً، أكان في مسألة إعادة النظر بالسياسة الضريبية من أجل جعلها أكثر تنافسية في المنطقة لنتمكن من جذب الاستثمارات، أو لجهة تخفيض عدد الموظفين في القطاع العام الذي نتحدث عنه منذ سنوات حيث هناك آلاف الموظفين غير المنتجين وأكثر”.
“الأمر ذاته ينطبق على التجارة الخارجية”، بحسب مارديني، الذي يشير إلى أننا “نشهد في لبنان تباعاً زيادة الضرائب الجمركية بشكل دائم في حين تكاد الضرائب الجمركية تختفي في سوريا. بالتالي، لبنان بالمميّزات والمؤهلات التي لطالما امتلكها بوصفه البلد الذي تأتي إليه وتجد كل ما تطلبه من أي مكان في العالم، نحن نبتعد عنه، فيما سوريا وغيرها من البلدان في المنطقة تقترب منه”!.
مارديني يشدد، على أنه “وكما يقول المثل اللبناني “اطلب الخير لجارك تلاقيه في دارك”، فبالتأكيد نحن لا نتضايق إذا حصل في سوريا نمو اقتصادي وإعادة إعمار وتدفق استثمارات، لأن ذلك يتيح فرصاً كثيرة للشركات اللبنانية وللاقتصاد اللبناني. بالإضافة إلى أن عودة سوريا إلى المجتمع الدولي مسألة مهمة للبنان، بمعنى أنه يمكّننا من تنشيط التجارة الخارجية مع دول الخليج عن طريق البر، فاليوم الكلفة مرتفعة جداً علينا من خلال التصدير بحراً، إذ نُضطر للالتفاف مروراً بقناة السويس للوصول إلى دول الخليج العربي، بالتالي الاستيراد والتصدير باتجاه الخليج يصبح مريحاً لنا وبكلفة أقل”.
أضف إلى ذلك، يشير مارديني إلى “مسألة استجرار الطاقة الكهربائية، سواء خط الكهرباء من الأردن مروراً بالأراضي السورية بكلفة 10 سنت للكيلوات تقريباً في حين الكلفة في لبنان على المستهلك قد تصل إلى 50 سنتاً أحياناً، أو بالنسبة إلى خط استيراد الغاز من مصر مروراً بالأراضي الأردنية والسورية وصولاً إلى لبنان، في حين معاملنا اليوم تعمل على الفيول بينما إذا تم تشغيلها على الغاز تنخفض فاتورة الكهرباء بشكل كبير”.
“كل هذه تعتبر فرصاً بالنسبة إلى لبنان، ونحن نطمح بأن يقوم لبنان بالإصلاحات اللازمة ليتمكن من التماشي مع الجو الجديد في المنطقة، حيث كل البلدان تتنافس لجذب الاستثمارات، وبالتالي نحن لم يعد بإمكاننا العيش في جزيرة معزولة عن كل التطورات الحاصلة وإضاعة المزيد من الفرص المتاحة أمامنا”، يختم مارديني.
