Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص – مفاوضات على شفير الهاوية: النووي الإيراني بين الخطوط الحمراء والانفجار الإقليمي (تادي عواد)

النووي الإيراني

تنطلق الجولة الخامسة من المفاوضات النووية الإيرانية الأميركية في روما وسط غياب مؤشرات إيجابية، وغيوم من الغموض السياسي والدبلوماسي، خصوصًا مع صمت الجانب الإيراني وعدم وضوح جدول أعماله. هذه الأجواء تعكس هشاشة الثقة المتبادلة، وتُبرز هشاشة الهيكل التفاوضي القائم على وساطة عُمانية لا تزال تواجه تعنتاً متبادلاً من الطرفين. والمفارقة أن تكرار الجولات من دون إحراز تقدم ملموس يُعيد إنتاج نفس الأزمة ضمن دوائر مغلقة، ويزيد من تآكل فرص النجاح.

نزاع التخصيب:

خطوط حمراء متقابلة تُقوّض التفاهم الخلاف حول تخصيب اليورانيوم لم يعد مجرد نقطة تفاوض بل أصبح “معركة سيادة” تتجاذبها طهران وواشنطن. ففي حين تصر الإدارة الأميركية على تصفير التخصيب كشرط أساسي لأي اتفاق مستقبلي، تراه إيران تعديًا صارخًا على حقها السيادي ومخالفةً لمبدأ المعاملة المتساوية المنصوص عليه في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. تمسك الطرفين بخطوط حمراء جامدة يجعل من المسار التفاوضي أقرب إلى حلبة صراعٍ دبلوماسي، حيث لا مكان للتنازلات بل فقط للضغوط المتبادلة.

خامنئي: موقف مبدئي أم تصعيد
تكتيكي؟

تصريحات المرشد الأعلى الإيراني، السيد علي خامنئي، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، لتضع سقفًا صارمًا على أي هامش للمناورة السياسية من قبل الوفد الإيراني. إذ إن وصفه التفاوض المباشر مع أميركا بأنه “استسلام مقنّع”، وتأكيده استقلال القرار الإيراني، لا يعكس فقط موقفًا أيديولوجيًا، بل يُترجم في الواقع كتعقيد متعمد للجهود الدبلوماسية. هذا التصعيد اللفظي يعكس استراتيجية “التفاوض من موقع التحدي”، لكنه في المقابل يعمّق عزلة النظام ويفقده مرونة ضرورية في لحظة تفاوضية دقيقة.

واشنطن: سياسة العصا مع وهم الجَزَرَة المؤجلة

الولايات المتحدة تتعامل مع المفاوضات من منطلق أمني بالدرجة الأولى، وتطرح شروطًا تعجيزية تُستعمل كورقة ضغط وليس كأرضية واقعية للتفاهم. تهديدها بالخيار العسكري وإعادة تفعيل العقوبات الدولية قد يُفسَّر كجزء من استراتيجية “الردع عبر التهديد”، إلا أنه يفتقد لرؤية مستدامة حول كيفية تحقيق أهدافها من دون الانزلاق إلى نزاع إقليمي واسع. ويبدو أن واشنطن تراهن على عامل الوقت لتقويض الخيارات الإيرانية، من دون أن تقدم طرحًا جذابًا للخروج من المأزق.

أوروبا و”آلية الزناد”:

حافة الصبر تنفد الموقف الأوروبي، على الرغم من تمايزه الظاهري عن واشنطن، يسير في الاتجاه ذاته من حيث التهديد والتصعيد. إن تلويح دول الترويكا الأوروبية بتفعيل “آلية الزناد” يضع إيران أمام خيارات شديدة الصعوبة، خاصة في ظل وضع اقتصادي متردٍ وعقوبات خانقة. ومع ذلك، فإن اعتماد هذه الدول على التهديد كوسيلة للدفع نحو التفاهم قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً في غياب ثقة سياسية حقيقية بين الجانبين.

إسرائيل والمجهول الإقليمي:

التهديد بالحرب لتعديل مسار الدبلوماسية تلويح إسرائيل الدائم بالخيار العسكري يُضيف بعداً خطيراً إلى معادلة التفاوض، ويعكس قناعة تل أبيب بأن طاولة روما لن تُسفر عن حلول مرضية. في المقابل، تُلوّح إيران بردٍّ شامل، ما يضع المنطقة بأسرها على فوهة بركان. هذا التوتر الإقليمي، المستمر والمتصاعد، يزيد من حالة انعدام اليقين في أسواق الطاقة، ويقوض أي احتمال لتسوية مستقرة، ويحوّل الاتفاق النووي من ملف فني إلى ملف أمن قومي متعدد الأطراف.

دور المقاومة الإيرانية: معارضة في الداخل وصدى في الخارج

تحوّلت المقاومة الإيرانية، ممثلة بمنظمة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة، إلى عنصر ضغط دولي حقيقي. نجاحها في كشف مشاريع نووية سرية أثّر بشكل ملموس على الرأي العام الغربي وفرض أجندتها على مؤسسات القرار. كما أن حصولها على دعم رسمي من الكونغرس الأميركي والبرلمانات الأوروبية يمنحها شرعية دولية متزايدة، ويُضعف السردية الرسمية للنظام. هذا الزخم السياسي يجعل من المقاومة لاعبًا غير رسمي لكنه مؤثر في مستقبل المفاوضات ومآلات النظام نفسه.

المشهد الختامي: مفاوضات على شفير الهاوية

الجولة الخامسة لا تبدو مبشّرة، بل تمثل محطة اختبار أخير للخيارات المطروحة قبل الانفجار السياسي أو العسكري. التباعد العميق في المواقف، وتصعيد الخطابات، وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، يجعل من احتمال التوصل إلى اتفاق نهائي ضعيفًا.

Exit mobile version