#dfp #adsense

التحرير الحقيقي يبدأ بتحرير الدولة من وصاية السلاح

حجم الخط

عيد التحرير

كلام المفتي أحمد قبلان الأخير، الذي تزامن مع ما يُسمّى “عيد التحرير”، لم يكن موفقًا كعادته، إذ جاء لا كموقف وطني، بل كبيان ولاء سياسي مغلّف بعباءة دينية. فكل جملة فيه لم تُكتب لنصرة الإنسان أو حماية الوطن، بل لحماية سلاح “الحزب” ومشروعه، عبر دسّ المفاهيم الدينية في سياق حزبي لا يمتّ إلى الدين ولا إلى الدولة بصلة.

يتحدّث عن “عيد التحرير” وكأنه إنجاز أبدي لا يجوز مساءلته، وكأن لـ”الحزب” الحق في احتكاره وتحريمه على النقد. والحقيقة أن هذا “التحرير”، الذي جاء مفاجئًا لـ”الحزب” كما للنظام السوري آنذاك، كونه تمّ بقرار أحادي من إسرائيل، تحوّل منذ العام 2000 إلى رخصة لفرض الهيمنة، وذريعة لشرعنة سلاح خارج الدولة، وأداة لتعطيل مؤسسات الجمهورية، حتى بات لبنان رهينة لمنظومة عسكرية لا تخضع لا للمساءلة ولا للسيادة. كان انسحاب إسرائيل حينها خطوة عسكرية تكتيكية من طرف واحد، لا نتيجة مفاوضات ولا استسلام أمام مقاومة، بل تحوّلت بفعل استثمار “الحزب” إلى أسطورة لا تُمس، وصارت ورقة احتكار شرعية وطنية لا تقبل التعدد.

النتيجة؟ في العام 2024، وبعد الحرب الأخيرة، خسر لبنان مجددًا أراضيه أمام الاحتلال الإسرائيلي، لا لأن الدولة ضعيفة، بل لأن “الحزب” صادر قرارها، وجرّ البلد إلى رهانات عسكرية وسياسية تفوق قدرته وقدرة شعبه. لنفترض أنه هو من حرّر، لكنه هو نفسه من أعاد إسرائيل إلى أراضينا. من قاد إلى الانتصار في العام 2000، قاد إلى الخسارة اليوم. هذا هو التوصيف الحقيقي، بلا تجميل ولا تواطؤ.

وأما حديث المفتي عن “الإستسلام للأميركي”، فهو قلبٌ كامل للوقائع.

فمن استسلم فعلًا هو “الحزب”. استسلم للضغوط الأميركية والإسرائيلية حين قبل بوقف إطلاق النار الأخير ضمن بنود مهينة، وتخلّى عن قواعد اشتباكه التي طالما تغنّى بها، وأثبت أن كل خطاباته النارية تنتهي عند أول مواجهة حقيقية.

ثم يأتي الحديث عن البيئة المقاومة، كأنها كتلة واحدة لا تتغيّر. بينما الواقع يقول غير ذلك. ففي الانتخابات البلدية الأخيرة، سعى “الحزب” بكل قوته لمنع كشف التبدّل الحقيقي في الرأي العام داخل بيئته. لجأ إلى الترهيب، وضخّ الأموال، وأدار معارك التزكية بكل الوسائل الملتوية فقط كي لا تنكشف الأرقام، ولا تظهر خسارته الرمزية أمام الناس. هذا ليس سلوك حزب واثق من “مقاومة” و “تحرير”، بل حزب مأزوم يُدرك أن الهالة تتلاشى، وأن الهيمنة لم تعد مضمونة. وهذا دليل قاطع على أن “الحزب” يدرك جيّدًا أن سردياته لم تعُد غطاءً أخلاقيًا كافيًا لتبرير احتكاره، وأن بيئته نفسها باتت تسأله عن الفشل والانهيار والذل اليومي، لا عن تحرير مضى عليه ربع قرن.

والأخطر من كل ذلك، أن “الحزب” الذي يتهم غيره بالعمالة ليس مجرّد طرف داخلي، بل بات رسميًا ذراعًا خارجية لإيران في لبنان. يتبع عقيدة ولاية الفقيه، ويتلقّى تمويله وسلاحه وتعليمه العقائدي من طهران. ولأجلها، قتل أبناء وطنه، وجرّ البلد إلى حروب مدمّرة، ودخل في حلف دموي مع نظام الأسد، وغطّى اغتيالات، وقمع معارضين. هذه ليست مقاومة، بل عمالة موصوفة، يدفع اللبنانيون ثمنها من سيادتهم واقتصادهم وسلمهم الأهلي. إنها عمالة أخطر من أي احتلال خارجي، لأنها تتخفّى بثوب التحرير بينما تجهز على الكيان.

التحرير الحقيقي اليوم لا يُقاس بالحدود، بل بقرار الدولة. لا سيادة في ظل سلاح غير شرعي، ولا استقلال بوجود جيش ظلّ داخل الجمهورية.

ومن يحب لبنان، لا يبتزّه باسم “الجنوب” و”الضاحية” و”البقاع”، بل يحرّرهم من العزلة والاحتكار والتهميش.

ومن يؤمن بالله، لا يجعل من الدين أداة تهديد، بل ركيزة سلام وعدالة وحرية.

ومن يحترم الإنسان، لا يخوّنه إذا طالب بدولة، ولا يهدّده إذا رفض الوصاية.

المعركة اليوم لم تعُد بين “مقاومة” واحتلال، بل بين دولة مغيّبة وسلاح يتحكّم بها. المطلوب واضح: مشروع سيادة حقيقي لا يخجل من قول الحقيقة، ولا يخاف من مواجهتها.

لقد انتهى زمن الشعارات. اليوم مع العهد الجديد، لبنان بحاجة لتحرير جديد: تحرير من منطق الفرض، والوصاية، والسلاح، والفتوى المسلّحة.

وهذا وحده ما يصنع وطنًا لا يُخطف مرّة أخرى بحجة تحرير.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل