.jpg)

في هذا الشرق التاريخ مجرّد سرديات وقصص شعبية تحوِّل البشر الى أبطال خارقين والتاريخ الى أساطير جميلة. هذه التربية تدفع أهل الشرق للنظر الى الماضي وكأنه الأمل المنشود والنظر الى المستقبل وكأنه الكابوس المخيف. هذه الشعوب لم تبحث يومًا عن الحقيقة أو تنتقد موروثاتها لأنها تعشق أساطيرها حتى التقديس. لهذا لا أمل لها بالحياة قبل أن تحطم قيود أساطيرها وتقرأ التاريخ بعيون الحقيقة والعقل والمنطق بعيدا من العصبيات والعواطف. بعض المفكرين المشرقيين حاول أن يلفت انتباه الشعوب الى مستقبلها، لكن القطيع المخدّر بالعواطف والشعارات صمّ آذانه عن كلمة الحق. في هذا المقال سنقارن بين منطق الفيلسوف اللبناني شارل مالك والشعبوية العاطفية للرئيس المصري جمال عبد الناصر.
عام 1949 كتب فيلسوف المقاومة اللبنانية شارل مالك: “لقد نجح الصهيونيون، بيد أنهم لن يقنعوا بهذا النجاح الجزئي، لأن مطامحهم لن تنتهي عند الرقعة من فلسطين التي استولوا عليها. وأما المرحلة الثانية فهمّهم أن يبرهنوا أنهم هم المختارون لإنماء الشرق، وأنهم هم القوة الحقيقية فيه، وهم ممثلو مصالحه ومقررو إرادته، وفلسطين بكاملها لا تكفي حاجات اليهود، فإسرائيل تريد السيطرة على العالم العربي، وتريد أن تكون وريثة جميع عهوده السابقة. وكما عُرف مرة، إما بشكل كلّي أو جزئي، بالعهد الروماني، أو البيزنطي، أو العربي. أو التركي، أو عهد الانتداب، هكذا تريد الصهيونية أن يُعرف في عهدها العتيد بالعهد الإسرائيلي، فالعالم العربي هو المدى الحيوي للصهيونية، وأقول: إذا ظل هذا هو الحال في العالم العربي، فإنني أجزم بأن مستقبلنا هو استعمار واستعباد من قبل اليهود، ولن يحزن على استعبادنا أحد”.
لكن بعض العرب تجاهلوا نصائح شارل مالك واتهموه بأنه صهيوني وإمبريالي يريد إحباط عزائمهم، وأكملوا طريقهم بغباء عاطفي يذبحون بعضهم ويقودون مستقبل أطفالهم باتجاه الموت أو الذل أو الهجرة. لتتحول قصتهم الى مأساة ترمز الى الشعوب التي لا تقرأ وتعيش في سجون الحقد والوهم التي صنعها لها أجدادها.
على إثر هزيمة الجيوش العربية في حرب 1967 لم يتجرأ الرئيس المصري عبد الناصر على قول الحقيقة لشعبه. فبدل أن يمتلك شجاعة القائد ليقول للمصريين والعرب أن حربه الطويلة في اليمن أنهكت الجيش المصري والدولة المصرية وخلقت عداوات بين العرب خاصة مع المملكة العربية السعودية مما أوصل الجميع الى وضع صعب سهَّل على إسرائيل تحقيق نصرها، أطلق نظرية جديدة ساهمت مخابراته بنشرها “لا أمل للجيوش العربية النظامية بالانتصار على إسرائيل، والحل الوحيد هو اللجوء الى العمل العسكري الفردي وحرب العصابات”. ولإنجاح مهمته استخدم ثلاثة مؤثرين أساسيين في ذلك الزمان، فبناء على طلب القيادة المصرية كتب الشاعر الكبير نزار قباني قصيدته الشهيرة “أصبح عندي الآن بندقية” التي لحنها محمد عبد الوهاب وغنتها أم كلثوم، مما ألهب الحماس للكفاح المسلّح بين الشباب العربي. وهذا ما دفع الآلاف الى الالتحاق بالمجموعات الفلسطينية، مما أدى الى فوضى شملت جميع المجتمعات العربية وكان لبنان أول ضحاياها.
هذه الفورة العاطفية الجماهرية كانت واحدة من الأسباب الرئيسية التي أدت الى ضعف الدول العربية عمومًا اقتصاديًا وعسكريًا وفكريًا، وواحدة من الهدايا الثمينة التي قُدّمت لإسرائيل. على سبيل المثال لا الحصر، إثر العملية التي قادتها دلال المغربي تحت إسم عملية كمال عدوان، اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978، على إثرها قال أبو أياد في اجتماع لكوادر فتح: “عشق البندقية… يقتل القضية… ويقدّم للعدو أجمل هدية”. يقول كارل ماركس إن “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة”، لكنها في بلادنا في المرة الثانية كانت كارثة الكوارث. فما يشهده لبنان اليوم من تدمير ممنهج للدولة والاقتصاد بسبب إصرار جماعة “الحزب” على عشق البندقية، على الرغم من الفشل الكبير الذي وصلوا إليه إثر مغامراتهم غير المدروسة، فما زالوا يكابرون وينافقون. وعلى الرغم من أنهم وعدوا شعوبهم بالنصر والبناء تحت شعارهم “نحمي ونبني” وأوصلوا شعبهم خصوصًا ولبنان عمومًا الى الخضوع للشروط الإسرائيلية، بالإضافة الى تدمير قرى الجنوب والضاحية من دون أي أمل في إعادة البناء، لا تزال القاعدة الشعبية في غالبيتها تدافع وتهاجم إخوتها في الوطن، خصوصًا الذين حضنوهما في زمن الحرب.
بين شارل مالك الذي حاول أن يُفهم العرب أن مستقبلهم أسود إذا لم يقوموا بتغيير شامل في تفكيرهم، وبين عبد الناصر الذي قادهم للهزيمة. العرب ما زالوا يكرهون مالك ويعشقون عبد الناصر. صدق الفيلسوف الألماني نيتشه حين كتب: “الناس تحبّ وتكافئ من يستطيع تخديرها بالأوهام، منذ القدم والبشر لا تعاقب إلاّ من يقول الحقيقة”.
كتب سايد حرقص في “المسيرة” ـ العدد 1764
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]