#dfp #adsense

شعلة نهاد الشامي لن تنطفئ.. الموعد كل 22 من الشهر!

حجم الخط

نهاد الشامي

قد تكون قصة نهاد الشامي مع القديس شربل مخلوف قد انتهت في 14 أيار 2025 على الأرض، إلا أنها لن تنتهي في السماء. فقد انتقلت حيث كانت تحب أن تكون، بعدما أنجزت ما طلبه منها “قديس عنايا” على أكمل وجه. الجميع في لبنان يعرف قصة الشامي مع شربل. فبعدما أصيبت بشلل نصفي (داء الفالج) في 9 كانون الثاني من العام 1993، ظهر عليها القديس شربل في 22 كانون الثاني، وكشف قميص النوم عن عنقها، ووضع يده قائلاً: “جايي أعملّك عملية”! ومن تلك اللحظة، انقلبت حياتها رأسًا على عقب، وشُفيت في الحال، وبقيت الجراح ظاهرة في عنقها كعلامة حسّية للأعجوبة. لم يُرد الرب يسوع المسيح بشفاعة شربل أن يغيّر حياة نهاد الشامي فقط، بل أن تكون علامة إيمان تردّ كثيرين من الذين ضلّوا الطريق إلى الكنيسة والصلاة والمحبة والحياة الصالحة.

والمفارقة أن دور نهاد الشامي لم ينتهِ عند هذا الحد، فالقديس شربل بقي حاضرًا في حياتها، وهي تصغي إليه بصمت. تكررت ظهوراته عليها، وكان من أبرزها الرسالة الآتية: “لا تتركي الناس، خلّيكي ع إيمانك. أنا جرحتِك بقدرة الله تا يشوفوكي، لأن البعض ابتعد عن الصلاة وعن الكنيسة واحترام القديسين. وإنتِ ما بتقدري تعملي شي للناس! اللي بيريد مني شي، أنا الأب شربل موجود في المحبسة ع طول. وبطلب منك تزوري المحبسة كل 22 من كل شهر، وبتسمعي قدّاس كل عمرك”.

من الواضح أن نهاد الشامي كانت أمينة على هذه الرسالة، فنقلتها إلى رهبان دير مار مارون – عنايا، وأخذت على عاتقها تنفيذ كل ما طلبه منها شربل، ولم تخذله يومًا، مهما كانت ظروفها الصحية. فكانت النتيجة أن الآلاف يحتشدون كل 22 من الشهر منذ العام 1993 وحتى اليوم، للسير من الدير إلى محبسة مار بطرس وبولس، حيث عاش شربل، في مسيرة صلاة وإيمان باتت محطة شهرية أدهشت القاصي والداني، وأنعشت إيمانهم بأن الله حاضر، يسمعهم، ويُلبّي طلباتهم بشفاعة “قديس عنايا”.

واللافت أنه قبل وفاة نهاد الشامي بشهرين، تم عرض فيلم عن حياتها حضرته شخصيًا، على الرغم من ظروفها الصحية الصعبة نتيجة تقدّمها في السن، وكان عنوانه “للإيمان علامة”.

هذا العنوان المعبّر تضمن كل محطات سيرة حياة الشامي منذ ولادتها حتى حصول الأعجوبة معها، وقد أحسن المخرج سمير حبشي في إخراج هذا الفيلم الدرامي الوثائقي.

ولا بدّ من الاعتراف، بأن نهاد الشامي كانت تتمتع بصفات مميزة، وعلاقة خاصة بالرب يسوع، ومريم العذراء، والقديس شربل. فقد اعتادت الصلاة منذ طفولتها، وخاضت معمودية العذاب مع زوجها في البداية وحماتها القاسية، ولم تتخلَّ عن إيمانها. ربما ضعفت في بعض المحطات، لكن عينيها بقيتا مسمّرتين على السماء، وقد اتخذت محبسة عنايا سلّمًا ارتقته درجة درجة، لتكون ابنة مخلصة للكنيسة. وعلى الرغم من أنها أنجبت 12 ولدًا وكانت أمًا وجدّة لعائلة كبيرة، لم يشغلها ذلك عن التزامها بحياة روحية خصبة، تُوّجت بأعجوبة واضحة للقديس شربل، وربما تكون الأوضح بين كل الأعاجيب التي صنعها بشفاعة الرب.

كرّست نهاد الشامي حياتها لله بعد الأعجوبة، وأصبحت أشبه براهبة علمانية. وكل من عرفها وتقرّب منها شعر بحضور الله في حياتها. وقد تأثرت عائلتها وآلاف الأشخاص بما حصل معها. ولو لم تكن صادقة، لما جذبت الأعجوبة التي حصلت معها الآلاف، بل الملايين من لبنان والعالم.

كثيرون من الناس أتقياء، إلا أن التقوى وحدها لا تكفي، فالرب وشركة القديسين لا يختارون أحدًا ليكون علامة إيمان، إلا إذا كانت النعمة في قلبه، والمحبة تشعّ منه كالنور الذي انبعث من قبر شربل بعد وفاته. وهذا ما تميزت به نهاد الشامي، وقد حاولت أن تنقل إرث روحانيتها إلى أبنائها الذين كوّنوا بدورهم عائلات.

ومن المؤكد أن المرض يصيب الإنسان دائمًا، وكل واحد يتعامل معه بطريقته. والجميع يتمنون لو يُشفَون كما حصل مع نهاد الشامي. أما هي، فكانت تتمتع بالصبر والاتكال على الله، مرددة دائمًا: “لتكن مشيئتك”. ولعلّ الحكمة في قصتها، أن الرب الذي أرسل شربل ليُجري لها العملية، لم يختَرها في اللحظة نفسها، بل كانت له بصمات متكررة في حياتها الصعبة والمؤلمة. ولولا امتحاناتها المتعددة ونجاحها في تجاوز التجارب، مسلّمة أمرها للرب، وثقته بأنها ستحمل الرسالة التي سلّمها شربل لها، لما اختارها لتكون رسولته. بل إن الأعجوبة بحد ذاتها بدت كفعل تبشيري أثّر في الملايين، والشامي نفّذت مهمتها على أكمل وجه، وكانت دائمًا شاكرة ليسوع والقديس شربل، لأنه تَسنى لها أن تُبصر لمحة، ولو بسيطة، عن “الحياة الأخرى” قبل وفاتها، عندما رأت العذراء والقديسين شربل ومارون وريتا في أحلامها. وبقيت الجروح تظهر على عنقها للتذكير بأن ما حصل كان من صنع الرب وشفاعة القديس شربل.

لقد مرّت أعجوبة الشامي بكل مراحل “التدقيق” الكنسي، وعلى الرغم من وجود بعض المشكّكين دائمًا، إلا أنه حتى المشكّكين لم يكن لديهم تفسير منطقي لما حصل، فبقيت أعجوبتها بالنسبة إليهم أشبه بلغز.

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن نهاد الشامي هي ابنة البيئة اللبنانية، بل امرأة متحدّرة من الأمة المارونية وبساطة شعبها وإيمانه الكبير. ولن تخلو هذه الأمة من أمثال الشامي في التقوى والمحبة. فقد عاشت في هذا المجتمع، واختبرت المعاناة، وأدّت واجبها، وكان الرب ينظر إليها لأنها امرأة صالحة، أنشأت مع القديس شربل علاقة وطيدة تميزت بشغف الصلاة والإيمان القوي. هي التي افتُتنت بالمحبسة التي زارتها في طفولتها في العام 1950، وبكت كثيرًا، وحين سألتها والدتها عن سبب بكائها أجابت: “يا ريت بعيش حياتو، لا بدي مال ولا بدي قصور!”.

كلمات معبرة لم تنسها نهاد الشامي طوال حياتها. وعلى الرغم من زواجها وانشغالها بعائلتها، كانت عيناها متجهتين دائمًا نحو جبل عنايا، الذي كان مشتهاها، وبقيت كذلك حتى آخر يوم في حياتها، حاملة المسبحة الوردية، مرددة الصلوات، صامتة، لا تنطق إلا بالكلمة اللازمة.

ستبقى نهاد الشامي في البال، وإن نسي البعض حياة هذه المرأة الطيبة، إلا أنهم لن ينسوا ما حصل في ذلك اليوم من كانون الثاني، لأنها لم تكن وحدها، بل برفقة القديس شربل والرب يسوع. وشعلة رسالتها لن تنطفئ، لأنها آتية من السماء، والنهر البشري الذي يتدفق كل 22 من الشهر سيذكرها في صلواته. وقد تكون حاضرة برفقة القديس شربل في المحبسة، لأنها أصبحت من أبناء النور!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل