
في تجربة مميزة تُجسّد الابتكار في خدمة البيئة، بدأت سويسرا باختبار مشروع يُعرف بـ”الطرق الذكية” التي تولد الكهرباء من خطوات المارة. تقوم الفكرة على تحويل الطاقة الحركية الناتجة عن السير إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام، وذلك من خلال بلاطات ذكية تُزرع في الأرصفة أو الممرات العامة. هذا النوع من التكنولوجيا يُعتبر مثالاً حياً على كيف يمكن للحلول الصغيرة أن تُحدث تأثيراً كبيراً في تحسين البنية التحتية وتعزيز الاستدامة البيئية.
تعتمد هذه الطرق على تقنية تُدعى **Piezoelectricity** أو “الضغط الكهربائي”، وهي تقنية تُستخدم لتحويل الضغط أو الاهتزاز الناتج عن الخطوات إلى طاقة كهربائية. كلما ضغط أحدهم على البلاطة، تولد حركة ميكانيكية تُحوّل فوراً إلى تيار كهربائي يُخزّن في بطاريات صغيرة أو يُستخدم مباشرةً لتغذية مصابيح إنارة الشوارع أو شحن أجهزة منخفضة الاستهلاك.
الاختبارات الأولى للمشروع نُفّذت في أحد شوارع زيورخ، حيث تم تثبيت عدد من هذه البلاطات في مناطق عبور مشاة كثيفة الحركة. لوحظ بعد فترة قصيرة أن هذه البلاطات قادرة على توليد كمية محترمة من الطاقة يومياً، تكفي لتشغيل الإنارة الليلية للممرات، أو تغذية شاشة معلومات صغيرة تُظهر عدد الخطوات التي تحوّلت إلى طاقة.
الهدف من المشروع لا يقتصر فقط على توليد الطاقة، بل يتعداه إلى رفع الوعي لدى الناس بأهمية الطاقة البديلة، وتحفيزهم على المشاركة في عملية الإنتاج بطريقة تفاعلية. وقد قامت البلديات بوضع لوحات تعريفية في الأماكن التي تحتوي على هذه التكنولوجيا لشرح الفكرة، مما شجّع الناس، لا سيما الأطفال والطلاب، على المشي أكثر بدلاً من استخدام وسائل النقل، إيماناً منهم بأن خطواتهم تساهم في “إضاءة الطريق”.
ولأن المشروع لا يتطلب تغييرات جذرية في البنية التحتية، يتم النظر إليه كحل عملي وسهل التنفيذ في المدن الحديثة. يُمكن تكييف البلاطات الذكية لتلائم ساحات المدارس، محطات القطارات، الملاعب، أو حتى مراكز التسوّق، حيث تكون حركة المشاة في أوجها. ومن المثير للاهتمام أن هذه التكنولوجيا لا تحتاج إلى صيانة معقدة، وتتمتع بعمر تشغيلي طويل نسبيًا، مما يجعلها استثماراً مجدياً على المدى البعيد.
خبراء الطاقة يُشيدون بالتجربة السويسرية، ويرون فيها بداية لثورة في طريقة استهلاك وإنتاج الكهرباء في المدن الذكية. وبينما لا يُعوّل على هذه الطرق لتوفير كميات ضخمة من الكهرباء، فإنها تُقدّم مثالاً بليغاً على أن التحول نحو مصادر نظيفة لا يحتاج بالضرورة إلى مشاريع عملاقة أو كلفة هائلة. أحياناً، كل ما نحتاجه هو خطوة واحدة… أو مئة ألف خطوة يومياً!من المتوقع أن تتوسّع التجربة إلى مدن أخرى في سويسرا إذا أثبتت نتائجها جدواها خلال الأشهر المقبلة، وقد بدأت دول أوروبية أخرى بإبداء اهتمامها بنقل التجربة، ما يعني أن الأرصفة التي نخطو عليها اليوم قد تتحول في المستقبل القريب إلى مولدات صغيرة للطاقة النظيفة.
