.jpg)
ألغى اللبنانيون مشاريعهم كافة ليلة السبت وتسمّروا أمام التلفاز، وجهّزوا “القعدة” كما يقال لها باللبناني، تجمعت العائلات والأصدقاء، لمشاهدة الديربي البيروتي الناري، كما كان متوقعًا، بين فريق بيروت وفريق الرياضي. لكن كان لفريق الرياضي كلام آخر، فتمنيات اللبنانيين بمشاهدة مباراة حماسية بقيت مجرد أمنيات، إذ أنهى فريق الرياضي المباراة منذ الدقائق الأولى، وأنهى الشوط الأول 34-17 (دوبل سكور)، وأكمل على الوتيرة نفسها لينهي المباراة 110 -72.
20 فوزًا متتاليًا لنادي الرياضي، لا نذكر منها مباراة صعبة واحدة.
موسم كامل بخسارة واحدة أمام فريق بيروت على أرضه، وفاز بجميع مباريات “وصل” وبطولة لبنان. هذا الأداء يثبت ما قاله لاعب الحكمة جاد خليل سابقًا :”إن فريق الرياضي عندما يخسر، فهو لأنه يمل من الفوز”.
يمكن لأي فريق أن يكون جيدًا لموسم، لسنتين، لخمس أو حتى لعشر سنوات، لكنّ نادي الرياضي متربع منذ أكثر من 20 عامًا كأفضل فريق في آسيا.
أما حديث مواقع التواصل الاجتماعي بعد مباراة البارحة، فكان: “لماذا إكمال البطولة؟ فليسلم الكأس إلى الرياضي، ولتتنافس باقي الفرق على المركز الثاني.”
وكلام جماهير كرة السلة لم يأتِ من عدم، بل بعد متابعة شاملة لكافة المباريات، وهو جمهور أثبت فهمه العميق للعبة.
فالحكمة الجريح، بفريق تفوق ميزانيته 2.5 مليون دولار، حتى اليوم ليس منافسًا جديًا على اللقب. تقاتل وتجاهد إدارته للعودة، ولكن عبثًا يحاول البناؤون مع لاعبي الحكمة، تلقوا خسائر لا تعد ولا تُحصى من فريق الرياضي على مدى ثلاث مواسم متتالية، حتى بدا الجمهور الأخضر يحضر الديربي وهو يعلم سلفًا نتيجة المباراة، وأقصى طموحهم لم يعد الفوز على الرياضي، بل ألا يخسروا بفارق كبير.
أما فريق بيروت، الذي غيّر عددًا مهولًا من الأجانب لينافس الرياضي، لدرجة أن بعض الأشخاص أصبح يستهزئ من كثرة التبديل، قائلين: “هل ممكن لجاد الحج أن يغيّر أجنبيًا جديدًا بين الشوطين؟”
أداء مخيب كان لفريق بيروت البارحة، وكذلك لإدارته، التي لم تبخل بشيء، واستقدمت داعمين جدد بشكل دائم لتحافظ على الاستقرار الإداري، وجددت عقد المدرب لثلاث سنوات للحفاظ على الاستقرار الفني.
لكن تبيّن أن فريق بيروت، رغم غنى عناصره وتعدد أسلحته، لم يُجَارِ الرياضي في ليلته. وأكثر ما خيّب آمال الجمهور كان أداء سيرجيو درويش، صاحب 8 نقاط، 4 منها في الدقائق الأخيرة، حيث تركه دفاع الرياضي يسجّل لحاجز 8 نقاط كي لا يُظلم كثيرًا.
والجمهور يسأل: كيف صرّح في مقابلة عن نفسه أنه أفضل لاعب في لبنان؟
ولعل وضع بيروت أسوأ من وضع الحكمة بكثير، فبعد ليلة السبت المشؤومة التي استفاق عليها الحكماويون ورأوا فريقهم يمضي بصورة جماعية مع فريق بيروت، من المدرب والجهاز فني الى اللاعبين، ظنّ الجميع أنها معادلة ستقلب الطاولة على الجميع. وعلى مدى سنتين، لم يستطع الفريق المشاركة في “وصل”، مع العلم أن حجة بعض اللاعبين الذين غادروا الحكمة أنهم يريدون لعب مباريات دولية. وخسر الموسم الماضي من فريق الحكمة نفسه في نصف النهائي، بفريق حسب قول الحكماويين “مرّكب آخر دقيقة”.
فهل بعد ذلك تتبنى إدارة بيروت تصريح أحد أفرادها أن فريقها هو المنافس الأول على اللقب وعلى باقي الفرق اللحاق به؟
أربع نقاط لتتعلّم منها الادارات من نادي الرياضي:
1. الفريق الذي يربح البطولات لا يُبنى بسنة أو سنتين، بل يحتاج إلى الوقت:
عندما كانت الحكمة تحصد الألقاب، عانى فريق الرياضي، وحاول جاهدًا بناء فريق. وما إن “ركّبت الطبخة”، حاول دائمًا الحفاظ على العناصر الأساسية لفريقه. فهو لا يغير مدربين كثيرًا، ويحافظ على لاعبيه: إسماعيل أحمد ورقة رابحة نحافظ عليه حتى ولو بعمر 46، عرقجي ورقة رابحة نحافظ عليه ولو بمليون دولار، أمير سعود ورقة رابحة نحافظ عليه مع شارة القيادة.
فريق الرياضي من 2005 إلى اليوم يحافظ على لاعبيه: من جان عبد النور، جو فوغل، علي محمود، إلى عمر الترك، كانت دائمًا العناصر الأساسية موجودة، ويضيف لها بعض المكوّنات لربح البطولة.
2. المحافظة على الجهاز الفني:
فريق الرياضي هو من أقل الفرق التي غيّرت أجهزتها الفنية على مدى 20 عامًا.
فمع أبو شقرا حصدوا ما لا يُحصى، وأنهوا أحد المواسم من دون أي خسارة تُذكر، ومع سلوبودان سوبوتيتش جنّنوا الفرق بخطط دفاعية وهجومية لا أحد يعرفها. مع جعجع كانوا رائعين، ومع فران كانوا أروع، وكلهم حصدوا الألقاب وكتبوا التاريخ مع نادي الرياضي.
3. الانضباط:
لعلّ أكثر الفرق التي تدرك أهمية الانضباط هي إدارة الرياضي. فما أهمية أن تأتي بأفضل لاعب في العالم، وعندما يصل إلى لبنان يصبح من “كأس إلى كأس، ومن سهرة إلى سهرة”؟
المثال الأبرز على الانضباط هو زاك لوفتن، اللاعب الأكثر مزاجية في تاريخ كرة السلة. وباعتراف الكل زاك مع الرياضي غير زاك مع باقي الفرق. فهذا الموسم مع نادي الحكمة، يشاهده جمهور الحكمة يومياً مع “نفس الأرجيلة” في أوقات متأخرة في الليل في مقاهي أنطلياس، في وقت تعاني إدارات فرق كثيرة من ضبط لاعبيها ومنعهم من الشرب والسهر، ما يؤدي إلى تراجع مستواهم على أرض الملعب. نادرًا ما تواجه إدارة الرياضي مثل هذه المواقف، لأن عنوان العقد بينهم وبين اللاعب هو “الانضباط”.
4. معرفة اختيار اللاعبين:
تتميّز إدارة الرياضي برصد أفضل اللاعبين في الدوري اللبناني على مدى أكثر من 20 سنة. هل يذكر أحد لاعبًا لم يكن جيدًا مع الرياضي؟ أو لاعبًا كان أداؤه تحت المستوى؟ هذا عمل إداري جبّار، حيث فهمت الإدارة أن أكثر من 50% من الموسم يُحسم في الصيف، عبر التوقيع مع الأشخاص المناسبين في المكان المناسب، والمحافظة عليهم. فريق الرياضي اليوم هو نخبة منتخب لبنان.
المثل الأكبر على الفجوة بين الرياضي وباقي الفرق، أن يوسف غنطوس، الذي عُيّن لفترة كابتن فريق الحكمة، الكابتن الذي في منطق الأمور يجب أن يكون من النخبة، لا يُعتمد عليه أبدًا من قبل أحمد فران، ولا يُشركه حتى لو الفارق 30 نقطة. ليس لأن يوسف غير جيد، بل لأن هناك 9 لاعبين أفضل منه في الرياضي.
5. عقلية الفوز:
سنُخصّ عقلية الفوز بمشهد واحد: نهائي بطولة “وصل” بين الحكمة والرياضي.
في مشهد غير متوقع، فرض فريق الحكمة إيقاعه في الشوط الأخير، وتقدّم ببعض النقاط، والوقت يقترب من النهاية، والحلم أصبح قريبًا من أي وقت مضى، وإذ بوائل عرقجي يسجّل ثلاث ثلاثيات متتالية في الدقيقة الأخيرة بنسبة 3/3، رغم الدفاع الكبير عليه، وعدّل الأرقام مع نهاية الشوط.
خرج وائل من الملعب وكأن شيئًا لم يحدث، ذهب إلى مقاعد الاحتياط كأن ما فعله أمر عادي وروتيني. كانت ملامحه واضحة: “لن أحتفل قبل الفوز، التعادل ليس فوزًا، المهمة لم تنتهِ بعد. أنا لاعب محترف، ومن واجبي أن أسجل. أنا MVP آسيا، من واجبي أن أُعيد فريقي في الوقت الصعب. أنا القائد، أنا أتحمّل المسؤولية”.
بالمقابل، نرى لاعبين في فرق أخرى بمستوى أقل من عادي، وإن سجلوا ثلاثية واحدة من أصل 10، يحتفلون بها نصف المباراة، ويحيّون الجمهور، ويدربون أنفسهم على حركات للاحتفال لتصبح “ماركة مسجلة” باسمهم.
هذا المشهد الصغير يلخّص عقلية الفوز في نادي الرياضي.
وختامًا، نسأل القارئ: هل من منافس حقيقي لفريق الرياضي؟
اقرأ ايضاً:
بالفيديو: أوّل ظهور لأجنبي الحكمة الجديد طريق أوينز في ملعب غزير