
من حق اللبنانيين أن يسألوا ويتساءلوا كما من حق الشيعة منهم أن يسائلوا مرجعياتهم السياسية والدينية، لماذا تَزجُّ هذه الأخيرة نفسها، إن كان في الإفتاء الجعفري الممتاز بلسان مفتيها الشيخ أحمد عبد الأمير قبلان، وفي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بشخص نائب رئيسه الشيخ أحمد الخطيب، في المماحكات السياسية والهجمات الشخصية والاتهامات والافتراءات وحملات التخوين والتهديد والوعيد والتي تطال شريحة كبيرة من اللبنانيين عبر استهداف ممثليهم في بقية الطوائف والمذاهب، والأخطر عبر استهداف مرجعياتهم الرسمية من أعلى هرمية الدولة اللبنانية وأعني بها رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، الى الوزراء والنواب الذين يستظلون باتفاق وقف إطلاق النار وخطاب قسم الرئيس جوزيف عون والبيان الوزاري وثقة النواب المعنيين المباشرين بالمحافظة والالتزام بمضامينه.
“بتبردوا منبرّد بتخسنوا منسخن”، قد تكون العبارة الواردة على لسان رئيس مجلس النواب ورئيس حركة “أمل” الرئيس نبيه برّي، في حديثه الأخير لصحيفة “الجمهورية”، شارحًا “التوتر” الحاصل مع الرئيس نواف سلام، خيرَ إجابةٍ على سؤال وتساؤل اللبنانيين، وخيرَ تجاوبٍ مع مساءلة اللبنانيين الشيعة، إذ تتكشف عن تلك العبارة، إرادة الثنائي الشيعي الأملي وراء الحملات التي شنها مؤخرًا بوتيرة وايقاع عاليين، المفتي الجعفري الممتاز على الحكومة ورئيسها وبيانها ووزرائها، ومن خلالهم على رئيس الجمهورية وادارته لها والتحكم يإيقاعها ووتيرتها، غب طلب الحركة و”الحزب”، وبناء على أوامر وإرشادات الثنائي المذكور.
في المضمون وفي الردود التي أُبطل عنها العجب بعد معرفة السبب، يقول الشيخ أحمد قبلان: “بخصوص “ثنائية السلاح، المنطق السيادي، لا سلاح شرعيًا أكثر من شرعية السلاح الذي حرّر لبنان وما زال يحميه، وبمنطق الأرض والتاريخ والتحرير، لا شرعية فوق شرعية سلاح المقاومة والجيش اللبناني، وحين يحصل لبنان على طائرات أف 35 ومنظومات ثاد، عندها نناقش سلاح المقاومة الذي قاد أعقد المعجزات لتحرير وحماية لبنان”.
هنا نترك للشيخ نعيم قاسم “الأمين” على سلاح المقاومة، أن يظهر “كيف حمى هذا السلاح لبنان ولا يزال”، وكيف أن فعالية سلاح المقاومة ضاهت الـ”اف 35 ومنظومات الثاد”، التي لا تملكها على كامل مساحة الكرة الارضية ودولها العظمى والصغرى، إلا دولتان هما الولايات المتحدة الأميركية والدولة المعادية على الحدود اللبنانية، وداخله بفضل حماية المقاومة، إذ يقول قاسم: “أكثر من 39 الف خرق إسرائيلي جوي وبحري وبري للقرار 1701 في الفترة الواقعة بين 12 آب 2006 و8 تشرين الأول 2023″، ويكشف قاسم أن إسرائيل كانت في تلك الخروقات الجوية وعلى مدى 17 عامًا، تجمع الداتا وصولًا الى ما حصل من تفجير البايجرز في 17 أيلول 2024، مرورًا باغتيال قادة “الحزب”، وصولًا الى اغتيال الامين العام نصرالله وخليفته المفترض هاشم صفي الدين.
عن التوازن الذي سعى اليه قبلان ومن ورائه “الحزب” والحركة ومحورهما في إيران، عندما طرح طلبه التعجيزي بالحصول على طائرات “اف 35 الهجومية ومنظومات ثاد” الدفاعية، نحيل الطالبين الى الاتحاد السوفياتي وسوريا حافظ الأسد، وهما كانا أكثر وأكبر الساعين لتحقيق التوازن العسكري الاستراتيجي في العالم مع الولايات المتحدة الاميركية والشرق الاوسط مع إسرائيل، بقيادة وإرادة وإدارة سوفياتية، والذي سقط أمام الواقعية والوقائع وتحديدًا في 24 نيسان 1987، عندما أبلغ الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف أثناء استقباله الرئيس السوري حافظ الأسد في موسكو، “أن الاتحاد السوفياتي يعتبر نفسه خارج لعبة التوازن الاستراتيجي في المنطقة. وعلينا استبدال نظرية توازنات القوة، بـ”توازنات المصالح”، ليعود حافظ الأسد من موسكو ويبدأ سياسة جديدة لبناء جسور مع واشنطن وقد كانت هذه الجسور هي التي مشت عليها سوريا بعد ذلك، الى ساحة التسوية السلمية لأزمة الشرق الأوسط والى ساحة الحرب في الخليج في العام 1991، حين كان الجيش السوري يعمل تحت قيادة الولايات المتحدة الاميركية.
كما أن الواقعية والوقائع تقول إن الدولة الإيرانية النموذج الممانع الذي حلّ مكان “قلب العروبة النابض وسند وظهر المقاومة في سوريا، في خضم مفاوضات لن تؤدي الا الى تسوية تقضي بحسب الممانعين المتفائلين الى تخفيض “التخصيب” في مفاعلاتها النووية، وتقضي بحسب الواقع ووقائع التوازنات، الى إنهاء وإلغاء برنامجها النووي برمّته، في حين أن مفاعل ديمونة في إسرائيل لا بزال سالمًا معافى ناشطًا مخصّبًا منتجًا للقنابل النووية، بحسب التقارير الصادرة عن مراكز دراسات الممانعة والاستخبارات الإيرانية، كما تقضي الوقائع على مقولة إزالة إسرائيل الشيطان الأصغر من الشيطان الأميركي الأكبر في 7 دقائق.
الواقعية والوقائع تقول وعلى لسان “الحزب” نفسه إن سلاح “الحزب” ومقاومته التي تستجدي “منتجات الصناعة الأميركية”، أصبحا خارج جنوب الليطاني، اي خارج ميادين القتال والهجوم والدفاع والحماية، أو حتى خارج أي إمكانية للرد على آلاف الخروقات الإسرائيلية وعلى استهداف المئات من مجاهديه ومواطنيه منذ “انتصار” وقف إطلاق النار وحتى لحظة كلمة أو كلمات المفتي الجعفري الممتاز أحمد عبد الأمير قبلان.
أما في رمي الشيخ أحمد قبلان تهمة “تنفيذ ما يريده العدو الإسرائيلي” على المطالبين بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية عبر “استهداف المقاومة” المختزلة اليوم بـ”الحزب”، فنحيل الرامي الى ما قاله مدير حملته الرئيس نبيه بري والذي رمى “تهمة تنفيذ ما يريده العدو الإسرائيلي” على الأهالي المدعومين من الإعلام المركزي لـ”الحزب” والحركة “على السواء”، والذي يعتدون بشكل ممنهج على قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني إذ يقول متهمًا اليونيفيل ظالمة أم مظلومة”، “أرفض بشكل حازم الاحتكاكات التي حصلت أخيرًا مع دورياتها في بعض البلدات الجنوبية، سواء أكان المشاركون فيها من مناصري حركة أمل أم الحزب، اليونيفيل تعرّضت لاعتداءات إسرائيلية خلال الحرب الأخيرة، والعدو الإسرائيلي لا يريد بقاءها في الجنوب، وهذا وحده يكفي لأن نكون إلى جانبها”.
التهمة نفسها التي يرميها الشيخ أحمد عبد الأمير قبلان، بإرادة وإدارة من الحركة و”الحزب”، على المطالبين بنزع سلاح “الحزب”، تُرمى مضبوطةً بالتلبُّس على سلفه ووالده الراحل المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان، بقوله بحق “الحزب” بما يقول “المطالبون” في تاريخ 4 تشرين الثاني من العام 1988: “أما أنتم يا أهلنا في الضاحية الجنوبية وفي الجنوب المقاوم والبقاع الراعد، نقول لكم إن الخطر داهم والاجتياح على الأبواب، وما نبتلي به في الضاحية شبيه الى حد ما ابتلينا به في الجنوب قبل الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982″… وبما أن الاعتراف سيّد الأدلة، يقول والد أحمد قبلان في 12 أيار من العام 1988: “نصركم يكون بتحرير القدس لا بالسيطرة على ضاحية الضحايا، ولا بالهيمنة على المشردين من الشريط الحدودي ومن البقاع المهمل ومن الضاحية التي نبت فيها الرجال… يا أبناء الضاحية قولوا بصوت واحد لا لسلاح الارتزاق ولا للهيمنة المفتعلة، وكلنا يعرف التوجه وأين تصب هذه الأعمال”، وفي 31 تموز 1990 يؤكد على ثبات التهمة عليه… “نريد أن نقول للقاصي وللداني أن هناك ظالمًا ومظلومًا وبتقديرنا أن حركة أمل مظلومة ومعتدى عليها والحزب هاجم عليها، وليس حركة أمل فحسب، بل إن الجماهير في الجنوب هي المظلومة ويجب أن يوضع حد لهذه الهجمة على جماهير الجنوب، التي أصبحت تتوق الآن وبشكل قاطع الى وضع حد لهذه الاعتداءات، وقد آن الاوان لهذا الشعب أن يعيش وأن يحيا وأن يستقر بأمان، وهذا الاستقرار لا نراه الا من خلال خروج كل المسلحين من منطقة إقليم التفاح”.
تأكيدًا على سبب تسخين وتبريد الثنائي الشيعي، الضابط والمبرمج و”المُعيِّر” لحرارة وبرودة تصاريح الشيخ قبلان، أصاب هذا الأخير من حيث لا يريد أو لا يدري حين قال “إن سلاح المقاومة ليس موضع نقاش واحتكار الدولة للسلاح ليس موضع حوار، إذ إن قبلان يقول بما سبق ان قاله رئيسي الجمهورية والحكومة عن أن القرار اتخذ والتنفيذ حتمي والازدواجية ليست موضع نقاش ولا بسط سلطة الدولة وحدها بقواها الشرعية الرسمية وحدها على كامل الأراضي اللبنانية موضع حوار، وطبعًا يقول الشيخ قبلان ما يكرره رئيس حزب القوات ووزيرها في الحكومة يوسف رجي.
قد يكون التماهي “التبريدي” غير المباشر المذكور مع “القوات اللبنانية”، هو ما دفع بـ”قبلان” نفسه أن يتصالح مع الحقيقة وأن يكون منصفًا، عندما كان الثنائي مهادنًا مستجديًا الوزراء الشيعة الخمس وحقيبة المالية، وأن يعبّر في 9 شباط من العام 2025 بشكل مباشر “أننا في حالة ارتياح لوجود القوات اللبنانية في هذه الحكومة”.
.jpg)