#dfp #adsense

خاص – استدامة صراع الخير والشرّ (د. ميشال الشّمّاعي)

حجم الخط

قامت البشريّة منذ لحظتها الأولى على صراع الخير والشرّ. فقايين قتل أخاه وسمع صوت الربّ يبكّت ضميره فأجابه: ” أأنا حارس أخي؟” نعم، أنت حارس أخيك. فالشرّ دائمًا بحاجة إلى وعاء ليستكين فيه. ولكنّ الاشكاليّة تكمن في بثّ هذا الحقد وهذه الكراهية بوجه الخير. لأنّ الحقد رابض في النّفوس. أمّا الخير فيفيض منها كما يفيض الطيب من حاملاته على قبر المسيح.
فالشرّ يعتمد على منهاج يقوم على الجهل والكراهية والتّهجير. وذلك لأنّه بذرة مرض وفساد. إنّه كالزوان وسط الحنطة. يجب أن يتمّ فرزه وطرحه في النّار ليحرق. ومن واجبنا كتلاميذ للمسيح أن نعمل في مجتمعنا أينما وجدنا على تنقية القمح وفرز الزوان منه. ماذا وإلا تكاثر هذا الزوان وغلب بوجوده وجود القمح. وصار خبزًا سامًّا للبشر. فبالتّالي لا يمكن الاستسلام في هذه المعركة أمام الشرّ.
فالمواجهة حتميّة. وهذا ما قام به يسوع المسيح بنفسه يوم دخل الهيكل المقدّس، وضرب الباعة بالسوط، وقلب طاولات الصيارفة وباعة الحمام صارخًا: “بيت أبي بيت صلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة للصوص.” لذلك لا يمكن لنا أن نسكت على غلبة الشرّ. وندرك تمامًا أن المسيح معنا. لأنّه النّور، ونحن أبناء هذا النّور. فلا يمكننا أن نخضع في الظلام.
إيماننا أن زرع الخير ينمو. لكنّه بحاجة إلى المزيد من الوقت لينضج. والحصاد سيكون وافرًا. ونعلم أنّه لن يخلو من الزّوان. والأهمّ وسط هذا الصراع هو نجاحنا في عدم الشعور بالكره والحقد الذي ينفثه هذا الشرّ. وهذا مرتبط في الوعاء الذي يحتويه. قد يكون حزبًا سياسيًّا، أو منزلًا، أو مؤسسة تربويّة. لكن الأخطر أن يكون هذا الوعاء تربويّ ومن خلفيّة سياسيّة. عندها ينفث حقده في قلوب الأطفال. وينشّئ الأجيال على ثقافة الكره والحقد تجاه الآخر. وليس فقط على رفض هذا الآخر.
ولأنّنا في بلد تعدّدي، يثمر كلّما نجح بالاعتراف المتبادل بالاختلاف واحترامه. ويصبح عقيمًا عندما يتمّ تسعير هذا الاختلاف وتحويله إلى خلاف، لا بل تثبيت هذا الخلاف إلى حدّ التجذّر في النّفوس. وهذه المهام يقوم بها معلّمون غير معلِّمين. عالمون بما يعملون لأنّهم مسحاء دجّالون. فهذه حالة مرضيّة مجتمعيّة بحاجة إلى علاج على قدر ما هي بحاجة إلى مواجهة. لذلك، لا زلنا على الرغم من انقضاء هذه السنين نرى مَن يتهجّم على التّاريخ المسيحي في الشرق. ويحاول أن يأخذ المسيحيّين إلى براد وليس إلى وادي قنّوبين حيث زرعهم التّاريخ. ليلدوا هناك الكيانيّة اللبنانيّة التي لا تشبه أبناء الشرّ والظلام بل هي منبثقة من النور لأنّها من أبناء النور.
وهذا أكثر ما يتجلّى عند كلّ استحقاق في البلد. فالحالة السياسيّة التي احتوت هذه النّاس، هي حالة ظرفيّة. يقيننا أنّها لا بدّ زائلة. والأرقام قد أثبتت تراجعها. لكنّ هذه الحالة ستبقى موجودة. تبحث دائمًا عن وعاء يحتويها. وما بين المهمّ والأهمّ يكمن نجاحنا كمفكّرين وباحثين في نزع بذور الضعف من أبنائنا. وأن نشعرهم بأنّهم محاطون بكمّ من المحبّة يفوق كمّ الشرّ الذي يتربّص بهم.
كذلك علينا أن نعلّمهم بجرأة أنّ هذه الحالة هي حالة مرضيّة، وهي بحاجة إلى صوم وصلاة لا بل أصوام وصلوات. فالشيطان موجود. ولكنّه هو المطرود. والباعة والتجار في الهيكل هم الذين يُطرَدون، لا أولئك الذين يتبعون المسيح ويبشّرون بثقافة المحبّة والانجيل. فالأنجلة تبدأ في النّفوس. ونحن نفوسنا مستعدّة. أمّا هم فلا مكان في نفوسهم سوى للشرّ. وهذا الوعاء يشبه تمامًا مستوعب القمامة الذي إن لم يحتوِ قمامة البشر انتشرت وسطهم. لعلّ هذه الناحية الايجابيّة الوحيدة في نظريّة “وعاء الشرّ” التي تكمن في الاحتواء.
لكن الأسوأ في هذه النّظريّة ألا يكمن هذا الاحتواء وسط مؤسّساتنا السياسيّة والتربويّة والاجتماعيّة. لذلك نرى مطامر ومكبّات ومحارق حيث يتمّ معالجة هذه النفايات فيها. فالشر حالته مستدامة كالخير. والصراع ما بين الشر والخير حالة مستدامة أيضًا. تتغيّر الأسماء. لكنّ جوهر الصراع واحد. والمقاومة ما وجدت لو لم يكن هنالك ابن الصّبحا في حوقا أو المقدّم سالم في بشريّ. لذلك كان البطريرك مار يوحنّا مارون وكنّا حيث لم يجرؤ الآخرون.
ولأنّنا كنّا كذلك، أظهر لنا الرّبّ ذاته، وملجأ كان لنا وسط الضيقات. ولأنّ الله معنا لا نخاف خوفهم ولا نضطرب. ومهما قووا سيغلبون لأنّ الله معنا. وأي مشورة يعقدون، يبدّدها الرّب. وأيّ قول يقولون لا يثبت فيهم. لأنّ الله معنا. ولأنّنا على الرّبّ وحده توكّلنا كان لنا قدسًا. إنّ الله معنا فاعلموا أيّها الأمم وانهزموا لأنّ الله معنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل