
.jpg)

ليس أسهل من التبسيط في مقاربة الواقع المتمثل باحتلال “القوات اللبنانية” ومن بعيد، الصدارة الشعبية لدى المسيحيين، وهو واقع برز في الانتخابات النيابية الماضية في أيار 2022 وتكرّس بقوة في الانتخابات البلدية والاختيارية الأخيرة، فضلاً عن تبلوره على الصعيدين الطلابي والنقابي في محطات كثيرة.
ثمة من يميل إلى الحديث عن مزاج مسيحي قواتي، لكن الحقيقة أن الرصيد الذي بلغته “القوات” بقيادة سمير جعجع يتخطى هذا التوصيف، باعتبار أنه ناجم بخاصة عن تراكم نوعي وزمني تجسَّد عددياً، أي أن “القوات اللبنانية” تنامت بشكل تصاعدي ثابت وفق خط بياني انطلق من حالة دنيا وصلت إلى حد التشكيك بوطنية “القوات” ووفائها لعناوين قضيتها، لتتقدم إلى حالة مقبولة وتبتعد عن التشكيك لكنها لا تصل إلى حد التعاطف، وصولاً إلى حالة كسرت مختلف المحرّمات والتابوهات التي ألحقتها دعاية عهد الوصاية وقبلها الدعاية العونية بالقوات وصدقيتها.
وها هو اليوم الحزب الذي يقوده سمير جعجع، قد بات رأس الحربة مسيحيًا وسياديًا وحجر الزاوية في أي طرح وطني، إذ من المستحيل أو من الصعب جدًا تجاوزه، فكم بالحري عندما يملك الكتلة النيابية الأكبر ليس على المستوى المسيحي فحسب بل على المستوى الوطني.
ولذلك فإن الانتخابات البلدية جاءت لتثبّت الموقع الريادي لـ”القوات اللبنانية” سياسيًا، بعدما ارتدت هذه الانتخابات طابعًا سياسيًا لافتاً، وكانت أقرب إلى بروفا جزئية للانتخابات النيابية.
وللدلالة على تقدم الموقع السياسي للقوات، فإن الانتخابات الرئاسية الأخيرة لم تكن لتحصل ولتنتهي إلى ما انتهت إليه، إلا من خلال التسليم بدور “القوات”. لقد قاد سمير جعجع بكفاءة عالية وذكاء تكتي واضح، معركة الاستحقاق الرئاسي، على الرغم من الأسلحة المحدودة التي امتلكها مع الفريق السيادي، إذ لم يتمكن هذا الفريق من حشد أغلبية كافية لتأمين انتخاب رئيس ولو وسطي، بل أقصى ما استطاعه الاتفاق مع التيار الوطني الحر على إسم جهاد أزعور، لكنه مع ذلك لم يحصل على النصف زائد واحد. وبعدما انكفأ التيار، راوح عدد النواب السياديين الذي يمثلون “القوات اللبنانية” وسواها عند نيف وثلاثين، ومع ذلك تمكّنت “القوات” من رفع الفيتو في وجه أي مرشح لا يرضى به الفريق السيادي، في وقت فشل “الحزب” في إيصال مرشحه، ولم يتمكّن أي مرشح آخر من فرض نفسه.
واللافت أن الاستحقاق البلدي شكّل فرصة مهمة لبلورة المرجعية القواتية السياسية حتى بالنسبة لهذا الاستحقاق المحلي والإنمائي. فمنذ اللحظة الأولى بدا واضحًا أن العديد من القوى السياسية تسعى الى التقارب مع “القوات” وصولاً إلى التحالف معها، أو على الأقل إلى الاطلاع على رأيها واستمزاجه حيال خيارات معينة. وهذا ما تمثّل خصوصًا بالنسبة للانتخابات البلدية في مدينة جونية، حيث لفت الانتقال النوعي للنائب السابق منصور غانم البون نحو التحالف مع “القوات” ليس بلديًا فحسب بل سياسيًا ونيابيًا وعلى أسس واضحة وثابتة. ولم يتأخر النائب نعمة افرام في الانضمام إلى هذا الحلف بلديًا، وصولاً إلى الاتفاق مسبقًا على رئاسة اتحاد بلديات كسروان الفتوح لمن تختاره “القوات”، وهذا الواقع دفع أيضًا بالنائب فريد الخازن إلى المشاركة في التحالف البلدي عبر شقيقه كنائب لرئيس المجلس البلدي.
ولفت الحلف بين “القوات اللبنانية” والمحامي مجد بطرس حرب في البترون والذي أدى إلى الفوز بأكثرية المجالس البلدية في القضاء. وفي الكورة، كان لافتاً اقتراب بعض أنصار النائب السابق سليم سعادة وهو أحد أركان الحزب السوري القومي الاجتماعي، من “القوات اللبنانية”، الأمر الذي أفضى إلى تحالفات محلية في بعض البلدات.
وفي ما خص العلاقة مع حزب الكتائب، فقد كان الاتفاق شاملاً في المبدأ بالنسبة لجبل لبنان، لكنه لم ينسحب على مختلف المحافظات والأقضية. ففي زحلة انضم حزب الكتائب الى التحالف العريض الذي مثّلته لائحة أسعد زغيب، بعدما تباين في الرأي مع “القوات” حول حصَّته في المجلس البلدي، علمًا بأن السيدة ميريام سكاف كسرت الخصومة والتحفظات ومشت بلائحة توافقية مع “القوات” لتنسحب منها لاحقاً بعدما بالغت في رفع سقف شروطها، فـ”طلعت من المولد بلا حمص”.
وقد أثبتت انتخابات مدينة زحلة مدى شعبية “القوات اللبنانية”، التي خاضتها وحيدة وبدعم من حزب الاتحاد السرياني، فحققت فوزًا مدويًا أذهل الأقربين والأبعدين، وحصدت نسبة فاقت ثلاثة أرباع عدد الناخبين المسيحيين الذين اقترعوا في المدينة.
وقبل زحلة، كانت الاختراقات التي حققتها “القوات” عبر اللوائح التي شكّلت رافعة أساسية لها في عدة مدن رئيسية، محطَّ متابعة وتقييم، من الجديدة – البوشرية – السد، مرورًا بسن الفيل وأنطلياس وضبية في المتن، إلى جونية وذوق مكايل وعجلتون وفيطرون وسواها في كسروان، فضلاً عن جبيل وقرطبا والعاقورة، حيث تعادلت تقريبًا أرقام لائحة “القوات” مع أرقام لائحة التيار الوطني الحر وأنصار النائب السابق فارس سعيد وسواهما، حتى إذا ما آن أوان انتخاب رئيس للمجلس البلدي فاز مرشح “القوات” بعدما عصفت الخلافات في صفوف اللائحة الفائزة بفارق عضو واحد.
أما في البترون، فإن التسونامي القواتي حط رحاله بقوة وفازت أكثرية اللوائح المدعومة قواتيًا ومن المحامي مجد حرب وأحيانا بالتحالف مع الكتائب، لا سيما في شكا وحامات وكفرعبيدا، أي الساحل الذي كان يتقاسم بلدياته عمومًا التيار العوني وتيار المردة، كما انسحبت النتائج نفسها على أبرز بلدات القضاء في الوسط والجرد كعبرين وتنورين ودوما بالتحالف مع حرب.
وفي الكورة خاضت “القوات اللبنانية” أحياناً المعركة وحدها وفازت في بلدات صعبة جدًا على غرار أنفة، بينما كرّست حضورها الطاغي في جبة بشري حيث حققت نتائج ساحقة بدفع من النائبة ستريدا جعجع فاقت النتائج السابقة، لا سيما من خلال التزكية.
وبالنسبة لمنطقة عكار، فلم يغب تقدم “القوات اللبنانية” في عدد من مجالسها البلدية المهمة، فيما سجلت “القوات” نتائج من دون أي دعسة ناقصة في منطقة دير الأحمر، كما احتفظت اللائحة التي دعمتها في القاع بالمجلس البلدي، علمًا بأن رئيسها هو المحامي بشير مطر عضو الهيئة التنفيذية في “القوات اللبنانية”.
جنوبًا، مثلت انتخابات جزين شائبة في نسيج الانتصارات القواتية، علمًا أن أرقام من اقترع لـ”القوات” فاقت لأول مرة أرقام من اقترع للتيار الوطني الحر الذي لم يكن ليفوز لولا تحالفه مع إبراهيم عازار، فضلاً عن الدعم المادي الضخم لأحد النواب السابقين، مع الإشارة إلى أن اللوائح المدعومة من “القوات” تقدمت على اللوائح المدعومة من التيار في أكثرية بلدات القضاء، كما في البلدات المسيحية الجنوبية عموما كمرجعيون والقليعة ورميش وعين إبل ومغدوشة وسواها.
وفي ما خص بيروت، كان للتحالف السياسي الوثيق بين النائب فؤاد مخزومي و”القوات اللبنانية” دورًا أساسيًا في حسم المعركة، علمًا بأن “القوات” فازت بثلاثة مقاعد وانتُخب العضو القواتي راغب حداد نائبًا للرئيس بعد أخذ ورد وتجاذبات كثيرة.
هذا المشهد على الصعيد الوطني والمسيحي، إن دل على شيء فعلى أن “القوات اللبنانية”، ولو من خلال الباب البلدي، حققت لأول مرة تقدمًا هائلاً بهذا المقدار فاق إلى حد ما التقدم الذي مثّله الفوز النيابي في الـ2022، ما دفع المراقبين الى القول: إذا كانت هذه نتيجة انتخابات محلية تختلط فيها العوامل الإنمائية بالسياسية، فماذا ستكون عليه نتائج الانتخابات النيابية؟
وهذا الواقع يرتب على “القوات” مسؤولية أساسية، إن لجهة توظيف إنجازاتها انتخابيًا من خلال تفعيل جدي للعمل البلدي حيث لها كلمة حاسمة أو فاعلة، بما يعزز طرحها لاعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة ما أمكن، لا سيما وأن رئيس الحزب سمير جعجع يؤمن أكثر فأكثر بفعالية السلطات المحلية عندما تتوافر لها الشروط والإمكانات اللازمة، وبخاصة في ضوء تجربتي جائحة كورونا والنزوح الشيعي في الحرب الأخيرة بحجة إسناد غزة.
وتبقى دلالة على الدور المحوري الذي تلعبه “القوات اللبنانية” حاليًا. فإذا كان لافتا أن الموفدة الأميركية مورغان أورتيغوس قد اكتفت في زيارتها الأخيرة بلقاء الدكتور سمير جعجع من دون سواه من السياسيين، فإن السفيرة الأميركية في لبنان حرصت على الاتصال حصرًا بأحد نواب “القوات اللبنانية” للاستفسار عن حيثيات اللائحة الإئتلافية في بيروت، والتي ضمت مرشحين من “القوات” وسواها من القوى والشخصيات السيادية، إلى مرشحين قريبين من “الحزب”، وكان الجواب طبعًا بدواعي الحفاظ على المناصفة وعلى الطابع البلدي على غرار ما هو حاصل في الحكومة.
أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة
كتب أنطوان مراد في “المسيرة” ـ العدد 1765
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]