
بين زمن الردع وزمن التفاوض… أين يقف لبنان؟
ما يعيشه لبنان اليوم ليس هدنة ولا مواجهة، بل فراغ استراتيجي معلّق بين سقوط وظيفة السلاح وعجز الدولة عن اتخاذ القرار. الجنوب تحت القصف، القرار الدولي واضح، الدولة عاجزة، والحزب لا يرد. ليس لأن السلاح لم يعد متاحًا، بل لأنه فقد قيمته القتالية على كل المستويات: عسكريًا، لم يعد يملك قوة نارية رادعة؛ تكنولوجيًا، بات متخلفًا أمام التفوق الإسرائيلي الساحق؛ واستراتيجيًا، لم يعد يُشكل عنصر مفاجأة في معادلة الردع. لقد سقطت سردية “السلاح يحمي لبنان”، وسقطت معها مبررات بقائه، لا على المستوى العسكري، ولا السياسي.
ومع ذلك، لا يزال “الحزب” يحتفظ بسلاحه، ويستشرس دفاعًا عنه إعلاميًا، لا لأنه سيقلب المعادلات، بل لأنه يمثّل آخر ما تبقى من هيبته الداخلية. نزع السلاح، في نظر الحزب، هو نسف لعقيدته الجوهرية، وتدمير لهويته الوجودية. يريد “الحزب” أن يُسلّم السلاح يومًا ما، نعم، لكن فقط في اللحظة التي يختارها سياسيًا، حين يكون هو المرجعية لا شريكًا متساويًا، مراهنًا على تعب الداخل ويأسه من الانهيار، كي يفرض معادلته كسقف لا يُمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة. إنه يراهن، كما اعتاد، على الوقت… والوقت وحده.
كما بعد العام 2005، وكما بعد حرب الـ2006، وكما في كل أزمة مرّ بها منذ نشأته، يعيد “الحزب” تفعيل استراتيجية التجميد: تجميد الداخل، تعطيل مؤسسات الدولة، تعليق القرارات، والرهان على تشتيت الأولويات الدولية، وخلق فائض تهديد يجعل من استمراره “أهون الشرور”. لكنه هذه المرة يواجه واقعًا مختلفًا: المنطقة لم تعد تقبل باللعب المزدوج، والمجتمع الدولي لم يعد مستعدًا لدعم دولة فاقدة لقرارها، عاجزة عن ضبط حدودها، ولا تملك الشجاعة لمصارحة نفسها.
وهنا تحديدًا يظهر العامل الإيراني في خلفية المشهد. طهران لا تطلب من “الحزب” أن يُشعل الجبهة، لكنها تمنعه من إغلاقها. لا تفرض عليه الحرب، لكنها تحظر عليه التسليم. لأن هذا السلاح، كما بات واضحًا اليوم أكثر من أي وقت مضى، ليس موجودًا لحماية لبنان، بل لحماية موقع إيران التفاوضي. فكما تفاوض طهران على تخصيب اليورانيوم، تفاوض على “بقاء الأدوات”، ومنها “الحزب”، كجزء من شبكة نفوذ لا تُقاتل بل تُلوّح وتُبقي على التوتر السياسي والعسكري حتى لو لم تعد تُشكّل أي تهديد فعلي لإسرائيل.
تعلم إيران جيدًا أن سلاح “الحزب” لم يعد ورقة رابحة ميدانيًا، لكنها تدرك أن مجرد بقائه كأداة تهديد كافٍ ليُستخدم كورقة تفاوض قائمة بذاتها. وطهران، المحاصَرة داخليًا والمعلّقة على خيط المفاوضات النووية، باتت تُدير الوقت نفسه كسلاح استراتيجي. و”الحزب” يستنسخ اللعبة ذاتها في الداخل اللبناني، مراهنًا على تشتيت الضغوط الخارجية وتآكل المطالبات الداخلية، وكأن مرور الزمن كفيل بتطبيع وجوده المسلح.
لكن هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر بلا نهاية. هناك عنصر وحيد قادر على كسرها جذريًا: ضربة إسرائيلية مباشرة، مغطاة أميركيًا، تستهدف إيران. ليست بالضرورة شاملة، بل تكفي ضربة تُظهر عجز طهران عن الرد، أو فقدانها الجرأة السياسية على الرد، أو عجز منظومتها الممتدة من اليمن إلى لبنان عن إطلاق رصاصة واحدة ذات أثر استراتيجي. حينها، يسقط ما تبقى من هيبة هذا السلاح، ويظهر “الحزب” كذراع معطلة، بلا غطاء ولا وظيفة ولا مبرر.
والأخطر أن “الحزب” يدرك هذا جيدًا. ويعلم أن جمهوره بدأ يعي حجم الانكشاف. التآكل النفسي والسياسي في صفوفه صار واضحًا: خوف من قرارات خاطئة، عدم ثقة بالقيادة الحزبية، يأس من نتائج المعارك، وشكوك متنامية حول جدوى الصمود الذي لم يجلب إلا الموت والدمار. وقد ظهرت ملامح هذا التراجع بوضوح في الانتخابات البلدية الأخيرة، حيث سعى الثنائي الشيعي للهروب من الإرادة الشعبية عبر فرض التزكيات وتسويقها على أنها انتصار، في حين أنها كانت في الحقيقة هروبًا من مواجهة الناس وسؤالهم عن خط المقاومة الذي صار خط خراب. استخدم الترهيب، وضخ الأموال، لإنتاج شرعية شعبية زائفة. لكن المدن والقرى التي شهدت انتخابات حقيقية أظهرت حقيقة المأزق: هناك تحوّل داخل البيئة، وتنامٍ ملحوظ لصوت الدولة والدعوة إلى حصرية السلاح بيدها دون أي شريك طائفي.
لقد آن الأوان لفصل البيئة الشيعية عن السلاح، لا عداءً لها، بل إنقاذًا لها. فـ”الحزب” لا يحتكر تمثيل هذه الطائفة التي عرفت عبر تاريخها وجوهًا تنويرية، وعلماء إصلاحيين، ومقاومين وطنيين حقيقيين. ما يجري اليوم هو اختطاف مزدوج: اختطاف للدولة، واختطاف لطائفة بأكملها يُمنع عليها أن تعارض، أو حتى أن تُفكّر خارج “ثنائية الحديد والنار”. وكأن الولاء لـ”الحزب” هو معيار الوطنية، بينما في الحقيقة، الولاء للدولة هو وحده ما يحرر الجميع، شيعة وسُنّة ومسيحيين، من هذا القيد الجماعي.
على المستوى الاقتصادي، تشكل استمرارية سلاح “الحزب” العقبة الأبرز أمام تعافي لبنان. وهنا يتضح أن أزمة السلاح لم تعد أزمة أمن فقط، بل أزمة مفهوم الدولة نفسه. فلبنان اليوم لا يواجه فقط ميليشيا مسلحة، بل يواجه نموذجًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا قائمًا على القوة لا القانون، على التهديد لا المؤسسات، على المحاصصة لا الحوكمة. المعركة لم تعد بين سلاح وقرار فقط، بل بين مشروع دولة قابلة للحياة، ومشروع دولة مستحيلة قائمة على الغلبة والخوف. من هنا، فإن نزع السلاح ليس إجراءً أمنيًا، بل ضرورة وجودية لبناء عقد اجتماعي جديد. المجتمع الدولي لا يثق بدولة يحكمها منطق السلاح، ولا مؤسسات مالية ستستثمر في بلد تُديره ميليشيا. والأخطر أن “الحزب” يحتمي بواجهات اقتصادية مثل “القرض الحسن”، التي تحوّلت إلى بؤر تمويل مشبوهة وتخضع لعقوبات دولية، تُستخدم للسيطرة على جمهوره، وتُبقي الولاء قائمًا من خلال فتات المساعدات.
إن الخطورة هنا لا تقع فقط على “الحزب”، بل على لبنان ككل. فمع شعور “الحزب” بالانكشاف، قد يُراوغ بإثارة التوتر الداخلي، أو اللعب على وتر الطائفية، أو خلق توازن رعب داخلي يُحصّنه سياسيًا. وهنا تأتي مسؤولية الدولة، ليس فقط في وضع جدول زمني لتسلُّم السلاح، بل في وضع حد لمسار يُهدد كيان الدولة نفسه. إما أن تُعلن الدولة بوضوح أن زمن سلاح “الحزب” قد انتهى، وأن لا تسوية ممكنة من دون إنهاء هذه الحالة، أو أن تبقى رهينة رهانات إقليمية تُدار من طهران وتُدفع أثمانها في بيروت، بينما ينظر إليها العالم كدولة هشّة، لا يُعوَّل عليها لبناء سيادة أو مؤسسات.
لم يعد السلاح أزمة جيوسياسية فقط، بل بات رمزًا لموت الأمل في نفوس اللبنانيين. كل محاولة لإعادة بناء، كل مبادرة تغيير، كل فكرة وطنية ناضجة، تصطدم بجدار الخوف الذي بناه “الحزب” حول الحياة نفسها. فالهجرة الجماعية، وانعدام الاستثمارات، وغياب الثقة بالدولة، ليست سوى أعراض مرض واحد: وجود سلاح خارج السيادة، يفرض منطقه على الحلم، قبل أن يفرضه على القرار.
عامل الوقت الذي كان حليف “الحزب” لسنين مضت، لم يعد كذلك. النفَس الدولي ضاق، والقرار واضح: من لا يخرج من منطق السلاح، سيُخرَج من النظام الجديد الذي يُعاد رسمه. فالمعادلة الإقليمية تتغير بسرعة، وما كان يُحتمل في السابق تحت شعار “الاستقرار”، لم يعد مقبولًا في زمن التحولات الكبرى. فحتى بعض الحلفاء السابقين لإيران، من دول وجماعات، باتوا يتعاملون مع نفوذها بوصفه عبئًا استراتيجيًا، لا رصيدًا تفاوضيًا. ومن الخليج إلى أوروبا، بات مطلب نزع السلاح غير الشرعي شرطًا ضمنيًا لأي مشروع دعم أو استثمار أو إعادة بناء. من لا يلتقط هذه اللحظة، لن يخسر موقعًا سياسيًا فقط، بل سينزوي مع الخرائط القديمة في ركام الأزمنة الماضية.
ولبنان الرسمي، إن لم يتحرّك بجدية واكتفى بالكلام… لن يكون له مكان على الطاولة، بل سيكون خارج المعادلة.
