صحيفة النهار – خيرالله خيرالله
المؤسف أنّ هذا المفكّر غائب عن لحظة تاريخية تتمثل بعودة سوريا إلى السوريين ولبنان إلى اللبنانيين.
بعد عشرين عاماً على اغتيال سمير قصير في بيروت، لا يزال صوته اللبناني – الفلسطيني – السوري يصدح. كان سمير على حق عندما اعتبر أن الحرية في لبنان مرتبطة بالحرية في سوريا وأن العكس صحيح. كان سمير قصير أوّل من تحدث عن “ربيع دمشق” وعن تأثير ذلك على لبنان. يغيب سمير قصير عن لحظة تاريخيّة كان بين الأوائل الذين توقعوها. لحظة التغيير في سوريا.
يتبيّن، كلّما مرّ يوم، كم كان بعيد النظر ذلك الأخ والصديق والزميل الذي كان مقاله الأسبوعي في “النهار” يهز البلد ويستفزّ النظام السوري الذي انتهى مع فرار رئيسه إلى موسكو.
كان مقال سمير قصير في “النهار” يزعج خصوصاً أركان النظام الأمني السوري – اللبناني، الذي كانت لديه علاقة عضوية بالجهاز الأمني لـ”الحزب”. من هذا المنطلق، يبدو واضحاً أن الجريمة الأولى التي تلت اغتيال رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط / فبراير 2005، كانت جريمة اغتيال سمير قصير.
كان لا بدّ من اغتيال سمير قصير وآخرين وصولاً إلى اغتيال محمّد شطح كي تسكت كلّ الأصوات المعترضة على حلول الوصاية الإيرانيّة مكان الوصاية السوريّة. لا مفرّ من الاعتراف بأنّ تظاهرة 14 آذار / مارس 2005، كانت حدثاً فريداً من نوعه، لكنّه كان مطلوباً إسكات كلّ صوت معترض على الوصاية الإيرانيّة.
لم تستطع الوصاية الإيرانيّة التي مورست عبر “الحزب” إلغاء دور لبنان وإخراجه من الحضن العربي طوال سنوات فحسب، بل وجدت لنفسها غطاء مسيحياً، عبر الاتفاق الذي وقعه نصرالله الأمين العام الراحل للحزب وميشال عون في السادس من شباط / فبراير 2006 والذي سمّي “وثيقة مار مخايل”. بلغ النفوذ الإيراني درجة سمحت لنصرالله بإيصال ميشال عون إلى قصر بعبدا بعدما نفّذ بين 2006 و2016 كلّ ما هو مطلوب منه ليصبح مرشّح “الحزب” للرئاسة.
تكمن عبقرية سمير قصير في أنّه فهم باكراً أهمّية نسج علاقات مع مثقفين سوريين عانوا من ديكتاتورية حزب البعث الذي شكل منذ العام 1966 غطاء لاستيلاء الأقلّية العلويّة على سوريا تمهيداً لسيطرة عائلة معيّنة على البلد بكلّ قطاعاته. كان ذلك بعدما نفّذ حافظ الأسد انقلابه في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 تحت شعار “الحركة التصحيحيّة”.
كان ما شهده لبنان من اغتيالات شملت كل صوت حرّ فيه، خصوصاً صوت جبران تويني، تضاف إلى ذلك الضغوط التي مورست على سعد الحريري بسبب رفضه الانصياع الكلّي لرغبات “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانية، دليلاً على إصرار إيراني على التفرّد بلبنان.
كان لا بدّ من التخلّص من سمير قصير ثمّ من جبران تويني وآخرين، بمن في ذلك بيار أمين الجميل ووسام الحسن كي تزول كلّ عقبة في طريق المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة من جهة وإخضاع لبنان كلّياً وتدجينه من جهة أخرى.
نفتقد هذه الأيام سمير قصير ونفتقد زوجته جيزيل خوري، المرأة الفريدة من نوعها، التي استطاعت إبقاء ذكراه حيّة طوال سنوات.
في ذكرى مرور 20 عاماً على اغتيال سمير قصير، من الواجب إعطاء الرجل حقّه. المؤسف أنّ هذا المفكّر الذي عشق بيروت غائب عن لحظة تاريخية تتمثل في عودة سوريا إلى السوريين ولبنان إلى اللبنانيين. كان حلم سمير قصير بعيد المنال. هذا ما خيّل للبعض. لكنّ هذا الحلم صار في نهاية المطاف واقعاً.
من كان يتصوّر أن لبنان سينتخب رئيساً للجمهورية لم يكن مرشّح “الحزب”، أي إيران؟ من كان يتصور نواف سلام في موقع رئيس مجلس الوزراء وأن في استطاعته، من هذا الموقع، الجزم أنّ أيام كانت إيران تصدر ثورتها انتهت؟ من كان يتصوّر أن الحكم في سوريا سيعود إلى الأكثرية السنّية التي عرف سمير قصير باكراً أنّه لا يمكن إزالتها من المعادلة السياسية في المنطقة؟