




شكّل الانفراج في الاستحقاق الرئاسي مدخلًا لاستعادة المسار الديمقراطي في لبنان. فبعد ثلاث محطّات من التأجيل، أُجريت الانتخابات البلدية والاختيارية على أربع مراحل خلال شهر أيار، منهيةً حالة الجمود التي فرضتها الأزمات السياسية والمالية المتراكمة. وعلى رغم الطابع المحلّي لهذا الاستحقاق، إلا أن التحالفات التي رافقته كشفت عن معطيات بالغة الدلالة، لا يمكن القفز فوقها. فقد برزت تقاطعات لافتة بين قوى كانت حتى وقت قريب على خصومة سياسية حادة، مقابل افتراقات واضحة بين أحزاب سيادية في مناطق تُعدّ بالغة الحساسية في التوازنات الداخلية.
في الكورة، على سبيل المثال، شكّل التحالف بين حزب “القوات اللبنانية” والحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجًا لتحالفات هجينة جمعت بين قوى ذات تاريخ طويل من الخصومة السياسية، فيما شهدت بيروت تلاقيًا واسعًا ضمّ معظم الأحزاب، بما فيها “الثنائي الشيعي”، ضمن لوائح موحّدة. في المقابل، برزت في مناطق أخرى افتراقات واضحة بين أحزاب سيادية، كما في بعض أقضية الشمال وجبل لبنان، حيث خاضت هذه القوى الاستحقاق متفرقة، كلّ منها بلوائحه الخاصة. في المقابل، لم تمرّ هذه التحالفات غير التقليدية، سواء في التلاقي أو الافتراق، من دون اعتراض داخل عدد من القواعد الحزبية، التي قرأت في بعضها تناقضًا مع الثوابت التي لطالما رفعتها تلك القوى.
على أن ما أفرزته هذه التحالفات لا يمكن التعامل معه كأمر عابر، إذ كشفت الانتخابات البلدية عن قدرٍ كبير من المرونة مقارنة بالنيابية، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدّية: هل نحن أمام تحوّل فعلي في المشهد السياسي قد يشكّل مؤشّرًا أوليًا للانتخابات النيابية المرتقبة عام 2026؟ أم أن ما جرى لا يتعدّى كونه استجابة ظرفية لاعتبارات محليّة تمليها خصوصيات كل منطقة، ولا يحمل دلالات سياسية عميقة على المستوى الوطني؟
تحالفات القوات البلدية ظرفية وميثاقية
يوضح النائب السابق عن حزب “القوات اللبنانية” أنطوان زهرا، أن الانتخابات البلدية في لبنان تبقى في معظمها رهينة الاعتبارات العائلية والمحلية، باستثناء بعض المدن والبلدات الكبرى التي تتحوّل فيها الاستحقاقات إلى مواجهة سياسية بامتياز.
ويؤكد زهرا لمجلة “المسيرة” أن مقاربة “القوات” في الانتخابات البلدية لعام 2025 انطلقت من محاولة بناء توافقات محلية، وخصوصًا في المناطق ذات التنوّع السياسي الكبير، موضحًا أنه، حيث أمكن، نسّقت “القوات” مع خصومها السياسيين لتشكيل لوائح توافقية، أما حيث تعذر الأمر، فاختارت تحالفات بلدية الطابع، هدفها تأمين إدارة محلية فعّالة وقابلة للبناء السياسي لاحقًا. وأبرز مثال على ذلك، على حدّ قوله، كان التحالف مع النائب القومي سليم سعادة في الكورة، حيث تجمع الناس علاقات شخصية وثقة متبادلة. مع تشديده على أن كل طرف من المشاركين في هذه التحالفات يبقى على موقعه السياسي، “فالقومي سيبقى قوميًا، والقواتي قواتيًا”.
في المقابل، لا يُنكر أن السياسة تبقى حاضرة في هذا الاستحقاق، إذ لا يرى فصلًا بين الإنماء والقرار السياسي. ويلفت بوضوح: “القول بأن هذه الانتخابات إنمائية فقط، من دون بُعد سياسي، كذبة كبيرة… فالبلديات والمخاتير هم نتاج عمل سياسي ومواقع سياسيّة وليس فقط إدارية”.
القوات ثبات سياسي
أما في ما يخص السياق السياسي الأوسع، فيرى زهرا أن الانتخابات البلدية تشكّل مقدّمة لقياس نبض الشارع قبل الانتخابات النيابية في 2026، مشيرًا إلى أن “القوات اللبنانية أثبتت أنها في خط تصاعدي مستمر، بخلاف قوى أخرى تتأرجح شعبيتها بين الصعود والهبوط”. هذا التقدم، برأيه، سببه ثبات القوات في مشروعها السيادي ومصداقية ممثليها، ما جعلها خيارًا راكنًا لأوسع فئات اللبنانيين، حتى أولئك غير المنتسبين إليها.
وحول إمكان انعكاس هذه التحالفات لاحقًا على مستوى الانتخابات النيابية أو على إعادة تشكيل التفاهمات السياسية الكبرى، كان زهرا حاسمًا في رفض هذا الطرح، مؤكدًا أن “القوات اللبنانية” لا يمكن أن تدخل في تحالفات نيابية مع خصومها السياسيين، لا سيما مع “الثنائي الشيعي”، مشددًا على أن كل السياديين سيكون لهم التوجّه ذاته. مع ذلك، لم يُغلق الباب أمام الحوار المستقبلي، مشيرًا إلى أنه “إذا حصل تسليم فعلي للسلاح قبل الاستحقاق المقبل وانخرط الحزب في الحياة السياسية، يمكن التفكير بحوار على المستقبل… لكن حتمًا التحالفات مستحيلة”.
بيروت تجمعنا
واستطرادًا، تم التطرّق إلى تحالف “القوات” في بيروت مع أحزاب متعارضة معها سياسيًا، وعلى رأسها “الحزب” وحركة “أمل”، ضمن لائحة “بيروت تجمعنا”، ليوضح زهرا أن هذا التحالف لم يكن سياسيًا بل ميثاقيًا بحتًا، هدفه الحفاظ على المناصفة في بلديتها، ومنع طغيان الكتلتين السنيّة والشيعية عدديًا على التمثيل المسيحي في المجلس البلدي، ولتجنّب تقسيم بيروت لعدة بلديات وغيرها من التقسيمات.
في المقابل، يرفض زهرا فكرة وجود امتعاض داخل القاعدة القواتية في العاصمة، مؤكدًا أن جمهور القوات مدرك تمامًا لأبعاد هذا التحالف وظروفه، أي ضمان الحفاظ على الوجود المسيحي في البلدية، كما أن هذا الجمهور، على حدّ قوله، متمسّك بالخط السياسي السيادي الذي أثبت نجاحه وصدقيته، معتبرًا أن الأصوات التي تروّج لحال من التذمّر في صفوفه، إنما تفعل ذلك لأن أصحابها لم يُسمّوا في اللوائح، وليس اعتراضًا على الخطوة بحد ذاتها.
ويعتبر أيضًا أن هذا التحالف وُجد لتجنّب التشطيب، لا سيما للمرشحّين المسيحيين، وكل طرف فيه مسؤول عن جمهوره وأدائه. وبالفعل أثبتت الانتخابات في العاصمة، ما جاء على لسان زهرا، حيث تم تأمين المناصفة ولو مشوبة بخرق واحد، عبر التزام كافة الأطراف بعدم التشطيب، وعلى رغم صدور بعض أصوات النشاز، إلا أنها لم تلقَ آذانًا صاغية لدى الناخبين.
وختم زهرا بالتشديد على أن “القوات اللبنانية” ثابتة في مشروعها السيادي والدستوري، وعلى أن صعودها الشعبي ليس لحظة ظرفية، بل نتيجة خط سياسي واضح وصادق في مساره التاريخي والمستقبلي.
نبض القرى ومؤشرات التغيير
في هذا السياق، يقول الصحافي والمحلّل السياسي علي حمادة لـ”المسيرة” إن الانتخابات البلدية، من حيث المبدأ، تحمل دائمًا في طيّاتها مؤشرين أساسيين: الأول يتمثل في نبض القرى والبلدات والعائلات والمجتمع المحلّي، والثاني في كونها تعكس جزئيًا حجم القوى الحزبية المنتظمة في العمل السياسي. وهو ما لا ينحصر بلبنان فقط، بل يتكرّر في معظم التجارب الديمقراطية حول العالم.
ويضيف “أن هذا الاستحقاق يحمل طابعًا عائليًا وشخصيًا ومحليًا بامتياز، ما يجعله ميدانًا لا يخلو من الانقسامات داخل العائلة الواحدة، حتى عندما تتّحد ولاءاتها السياسية”. والسبب، في رأيه، يعود لارتباط البلديات بقضايا الناس اليومية، من خدمات ومعيشة وتنظيم. مؤكدًا أن هذا ما رأيناه بوضوح خلال الانتخابات الأخيرة.
بوصلة الرأي العام
سياسيًا، يرى حمادة أن النتائج البلدية الأخيرة عكست التحوّلات التي شهدها لبنان، لا سيّما في مناطق مثل جبل لبنان، حيث برزت تغييرات واضحة في مزاج الناخبين وتوجّهاتهم، وهو ما يُعدّ إشارة تستحق التوقف عندها.
وفي ما يخص الاستحقاق النيابي المقبل، يشدّد حمادة على أن الانتخابات البلدية تشكّل اختبارًا للقوى السياسية كافة، لكنها تبقى مؤشرًا غير مكتمل العناصر، إذ إن القانون النسبي واللوائح المقفلة يفرضان حسابات مختلفة تمامًا. مع ذلك، يؤكد أنه لا يمكن تجاهل ما تكشفه هذه الانتخابات من توجّهات، بل على الماكينات الانتخابية التابعة للقوى والشخصيات السياسية، أن تأخذه بعين الاعتبار لما تمنحه من معلومات حول ميول الرأي العام.
ويضيف أن التغييرات العميقة التي شهدها لبنان والمنطقة في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد انتخابات 2022، أثّرت بشكل مباشر على النظرة الشعبية للقوى السياسية، ما يجعل من نتائج الانتخابات البلدية أداة قياس مفيدة، ولكن غير حاسمة، لما سيكون عليه الاستحقاق النيابي بعد عام.
ويختم حمادة بالتأكيد على أهمية هذه الانتخابات كمنطلق لرسم الخطوط الأولى للمعركة المقبلة، لكن من دون المبالغة في قراءتها كمؤشر حتمي أو نهائي، في ظل متغيّرات داخلية وخارجية قد تقلب المعادلات قبل موعد صناديق 2026.
زحلة قلبت الموازين
تجدر الإشارة إلى أن انتخابات زحلة كانت بمثابة مؤشر صريح على تبدّل قواعد اللعبة السياسية. ففي وقت اجتمعت أطراف متعدّدة في لائحة واحدة، اختارت “القوات اللبنانية” خوض المعركة وحيدة، ونجحت.
هذا الفوز الساحق شكّل رسالة صريحة تؤكد أن المزاج الشعبي هو الحكم، ولا تحالف ينجح إن لم يكن منسجمًا مع نبض الناس. بالتالي أثبتت التجربة الزحلاوية أن ميزان القوى الحقيقي بات في الشارع، وأن انتخابات 2026 سيرسمها الناس، لا الصفقات.
وأخيرًا، بانتهاء الانتخابات البلدية، تُفتح صفحة جديدة يُفترض أن تُكرّس للعمل الجدي وخدمة الناس، في اتجاه تكريس اللامركزية الإدارية كخيار إصلاحي لا مفرّ منه، بينما تبقى الأنظار على استحقاق 2026.
كتبت ألين الحاج في “المسيرة” ـ العدد 1765
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]