#dfp #adsense

الرأي العام قال كلمته في بلديات 2025.. التحوّل في المزاج الشعبي ليس تفصيلا!

حجم الخط

أثبتت الإنتخابات البلدية والاختيارية لعام 2025 أنها كانت مختلفة عن سابقاتها، في المضمون والشكل والنتائج، ولذلك الاختلاف عوامل ومسببات عديدة. فهذه الإنتخابات التي كان يفترض إجراؤها في ربيع العام 2022، خضعت للتأجيل ثلاث مرّات وكانت عرضة لتأجيل رابع لم يحصل. وهي الاستحقاق الانتخابي الأول في العهد الجديد، والأول بعد حرب إسناد غزة والسقوط النسبي لهيمنة الحزب” على الدولة وانكفائه للملمة أجزائه، والاستحقاق الأول أيضًا بعد انتهاء عهد ميشال عون والتراجع الشعبي لتياره. عوامل فعلت فعلها في قلب المقاييس وإظهار القوى على حقيقتها لا مشوّهة كما كان يحصل في السابق… وهي أيضًا الأولى بعد التحولات الإستراتيجية في المنطقة، ما جعل البعد السياسي فيها يطغى على البعد الإنمائي أو العائلي. وعليه، فهذا التحوّل الحاصل في لبنان من الأداء السياسي إلى المزاج الشعبي، لم يكن تفصيلاً ولا مرّ من غير نتائج لافتة ظهرت جليّة في الإنتخابات البلدية!

إن عددًا غير قليل من البلديات التي خاضت الإنتخابات الأخيرة، لم تكن ناشطة وفاعلة خلال الفترة الماضية. إما بسبب تركيبة مجالسها الهشّة منذ البداية، أو بسبب الخلافات التي اعترتها، معطوفة على خلو خزائنها من أي تمويل بسبب الأزمة الاقتصادية والنقدية التي ضربت لبنان منذ مطلع العام 2020. وحتى بعد انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل الحكومة الحالية، ظلت الخشية سائدة من احتمال حصول تأجيل رابع للانتخابات البلدية، استدركه حسم الخيار بإجرائها ولو قبل وقت غير بعيد من حلول نهاية عهدها المؤجل.

وعلى الرغم من هذا التشوُّش والإرباك، تمكنت القوى السياسية والعائلية والشعبية من حسم خياراتها ائتلافًا وتحالفًا وانتخابًا. فكان ما كان من نتائج، مفاجئة في بعضها ومحسوبة في البعض الآخر. لكنها في الحالين رسمت خارطة تموضع وتقييم جديدة للقوى اللاعبة، وأعطت إشارات يمكن البناء على بعضها لترتيب تحالفات الإنتخابات النيابية، في ربيع العام المقبل. فكيف نظر الباحثون إلى هذه الإنتخابات وماذا رأوا في النتائج؟

 

خلاص لبنان ومشروع الدولة

مساعد الأمين العام لشؤون الإنتخابات في حزب القوات جاد دميان تحدث لـ”المسيرة” مقيّمًا الإنتخابات، فقال: “مما لا شك فيه أن القوات سجلت تقدمًا كبيرًا. فهي استطاعت، في الإنتخابات الحالية، انتزاع المدن الكبيرة التي لطالما كانت تشهد معارك أساسية، من الجديدة البوشرية السد، إلى جونية، وجبيل، وبشري، وتنورين، وزحلة، والقاع، وصغبين، والقبيات… وبالتالي ثبّتت القوات بذلك انتشارها على جميع الأراضي اللبنانية. وهذا يعود أولاً لثبات القوات خلال الحقبات الماضية، ولوضوح خطها السياسي وقوة تنظيمها الداخلي. والأهم أيضًا استقطاب الرأي العام من خلال النماذج التي قدمتها سواء في الوزارة أو في النيابة، أو بأداء القيادة الحزبية بمجملها. وقد تمت ترجمة ذلك بعملية التشبيك مع القوى المحلية في كل منطقة والتي تجد نفسها أقرب وأقرب إلى خيار القوات اللبنانية. وعليه، فإن هذه الشراكة وهذا التنظيم الصلب ووضوح خط القوات السياسي، هي ما ساعدها لتحقيق كل هذه الانتصارات”.

ويعتبر دميان أن “الإنتخابات البلدية هي مؤشر إلى ما يمكن أن يحصل في الإنتخابات النيابية، ولكن مع الأخذ في الاعتبار القوانين الانتخابية المختلفة بين أكثري في البلدية ونسبي في النيابية. لكن المعارك البلدية التي خيضت على أساس سياسي تحمل مؤشرًا أكبر يمكن ترجمته في السياسة، أما القرى الصغيرة التي يغلب فيها الطابع العائلي فلا يمكن أن تشكل هذا المعيار. الأهم في الأمر هو الرأي العام والذي أظهر ميلاً واضحًا للوائح القوات اللبنانية”.

وأشار إلى أنه “لا يمكن الحديث عن كل هذه الانتصارات من دون الإضاءة على التنظيم القواتي من رئيس حزب وقيادة حزبية وأمانة عامة وأمناء مساعدين إلى منسقي المناطق والمنسقيات ورؤساء المراكز إلى كل رفيقة ورفيق، والذين استطاعوا من خلال التزامهم وعملهم أن يعطوا صورة ناصعة عن القوات اللبنانية. فتحية لهم لأن بجهودهم تتوسع القوات أكثر فأكثر. وبإذن الله من اليوم حتى الإنتخابات النيابية تكون القوات قد باتت أكثر صلابة وانتشارًا، ونرى أن الرأي العام بدأ يعطي الحق لخيارات القوات وبدأ يتثبّت من أن القوات هي خلاص لبنان ومشروعها هو مشروع الإنسان ومشروع الدولة”.

 

اللامركزية وصحة التمثيل

الإعلامي والخبير الانتخابي جان نخول، قال لـ”المسيرة” إن “نسبة المشاركة في الإنتخابات الحالية لا تُعتبر سيئة مقارنة مع الإنتخابات السابقة في العام 2016. ففي المناطق التي شهدت معارك سياسية كانت نسب المشاركة اقتراعًا مشابه لما تم تسجيله سابقًا. أما في المناطق التي شهدت تنافسًا عائليًّا فكانت النسب أحيانًا أخف، نظرًا لغياب النبض الذي يُحفّز الناخبين على زيادة المشاركة. بالإضافة إلى ذلك تجدر الإشارة إلى عدم مشاركة المغتربين في الاقتراع، علمًا بأن مشاركة المغتربين كانت عاملاً مؤثّرًا في رفع نسبة الاقتراع في الإنتخابات النيابية. وإذا تمّت المقارنة مع الإنتخابات البلدية في العام 2016، فالظروف كانت مختلفة، وعلينا ألَّا نهمل موجة الهجرة الأخيرة الواسعة، لا سيما بعد العام 2019”.

وأشار نخول إلى أن “المشهد في المدن الكبرى، أظهر تبدّل الأهواء والانتماءات مقارنة مع ما كانت عليه في العام 2016، فيومها كنا أمام موجة عهد جديد وتحالفات قواتية – عونية بعد تفاهم معراب، وبموجة التأييد التي كانت لا تزال مستمرة للرئيس ميشال عون. أما اليوم فقد تبدّلت الظروف بعد انتهاء عهده وخروج التيار منهكًا، وبعد غياب تيار المستقبل، وسائر العوامل المؤثرة، مما بدّل الأولويات”. ولفت إلى أن “القوات كانت الرابح الأول في هذه الإنتخابات، خصوصًا في المدن الكبرى. أما في القرى والبلدات فلم تظهر متغيّرات يُعتد بها، نظرًا إلى أن الإنتخابات فيها تتقيّد، إلى حد ما، بالإطار العائلي فيقترع الناخب مثلاً لرئيس بلدية قريبه أو صديقه حتى لو كان من اتجاه سياسي مختلف”.

أما لناحية ما يمكن أن تُقدِّمه هذه الإنتخابات على صعيد العمل التنموي الملح جدًّا بالنسبة للمدن والبلدات والقرى اللبنانية، فاعتبر نخّول أن “العمل التنموي يتحقق فعلاً بعد إقرار اللامركزية الإدارية، عندما تعطى صلاحيات أكبر للبلديات، وعندما تتوفّر قدرة أكبر على التحكّم بالتغيير في مجالات وقطاعات عديدة. عندها نلمس فعلاً التحولات المأمولة والمنتظرة”.

وبالسؤال عن انتخابات بيروت وما نتج عنها وما دار من نقاش حول المناصفة وأهمية الانتقال إلى اعتماد نوع من اللامركزية التمثيلية في المجلس البلدي للعاصمة، أو أن تكون هناك أكثر من بلدية تُمثِّل العاصمة من باب صحة التمثيل وتفعيل الخدمة لا من باب التقسيم، علّق نخول على ذلك باعتبار أن “الإنتخابات الحالية والتحالفات بهدف حماية المشاركة والمناصفة، لا تبدو أنها هي ما ستجنّب الوصول إلى نوع من التقسيم البلدي. فهناك أكثر من طرف، ومن ضمنهم حزب القوات اللبنانية، أبدوا قناعة بضرورة الذهاب إلى صيغة متعددة تضمن التمثيل الصحيح للجميع، وبإعادة النظر بعمل المجلس البلدي لمدينة بيروت، فور انتهاء الانتخابات”.

وتابع: “اليوم لأول مرّة المناصفة لم تكن كاملة بسبب خرق العميد محمود الجمل رئيس لائحة “بيروت بتحبك”. إنما هذا ليس آخر الدنيا، بمعنى أن المجلس البلدي ليس من دون مسيحيين كما حصل في طرابلس مثلاً. لكن لا شك، وبهدف تفعيل العمل البلدي لا بد من إعادة النظر لاعتماد طرق أسهل لإحداث التغيير. فمثلاً 80 في المئة من بلديات لبنان نطاق عملها لا يتعدَّى الألف شخص، وبالتالي لا يُعقل أن بيروت التي يسكنها أكثر من مليون شخص، يدير شؤونها مجلس بلدي واحد. فهذا مهما كان، لا يمكن أن يكون فعّالاً ويساعد الناس في تأمين ما يستحقونه من خدمات”.

 

حضور الأحزاب وتراجع التغييريين

في السياق عينه يفنّد الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين نسب الإقتراع في الإنتخابات البلدية ومغازيها، فيقول لـ”المسيرة”: “في القراءة الأولية لهذه الإنتخابات يتبيّن أن هناك تراجعًا كبيرًا بنسبة الإقتراع. ففي جبل لبنان تراجعت النسبة 11 في المئة، وفي الشمال نحو 3 في المئة، وفي عكار نحو 12 في المئة، وفي البقاع وبعلبك الهرمل نحو 6 في المئة… طبعًا لهذا التراجع أسباب كثيرة منها فوز العديد من البلديات بالتزكية، ومنها هجرة اللبنانيين، إذ من العام 2016 حتى اليوم، هناك حوالى 625 ألف لبناني غادروا لبنان”.

ويضيف: “الأمر الثاني هو أن الأحزاب أكدت حضورها في المشهد الانتخابي وإن كانت شهدت تراجعًا في شعبيتها. لا سيما الحضور الظاهر لحزب القوات والحزب الاشتراكي والثنائي الشيعي. في المقابل نرى تراجعًا لقوى المجتمع المدني في شكل لافت، وهذا ظهر في نتائج لائحة بيروت مدينتي التي نالت أقل من 10 في المئة من أصوات المقترعين، وهو تراجع كبير مقارنة مع ما كانت عليه في العام 2016. وظهر أيضًا في بعلبك الهرمل حيث كان الحديث عن إمكانية حصول خرق، لكنه لم يحصل. هناك أمر آخر لا بد من الإشارة إليه هو الحضور اللافت للنساء سواء بالترشح أو بالفوز. ففي الماضي كان وجود امرأة في اللائحة يُعَد نقطة ضعف، أما اليوم فبات يُعتبَر نقطة قوّة. فكل الأحزاب والقوى تتبارى وتتباهى أنه فاز من صفوفها عدد من النساء”.

وبالسؤال عن بيروت تحديدًا وما تعنيه النتائج، يقول شمس الدين إن «لائحة بيروت بتجمعنا فازت بدعم “الحزب”، الذي أمّن لها حوالى 18 ألف صوت. وحصلت هذه اللائحة أيضًا على 18 ألف صوت مسيحي. كما أن السنّة ومن ضمنهم جمعية المشاريع، أمّنوا لها حوالى 14 ألف صوت. هنا يتبيّن أن البلوك الشيعي ارتفع حجمه من 6000 صوت في العام 2016 إلى أكثر من 18 ألف صوت في الإنتخابات الحالية ما أمّن المناصفة. وهنا يُطرح السؤال: مَن طلبَ من “الحزب” القيام بهذا الدور؟ وإذا كان قام به من تلقاء نفسه، لماذا وما هي الأسباب التي دفعته إلى ذلك؟”

وختم شمس الدين بأن “النتائج المحقّقة في الإنتخابات البلدية لا يمكن ترجمتها في الإنتخابات النيابية. أولاً لأن خيارات الناخبين تختلف في الإنتخابات النيابية عما هي عليه في البلدية، وثانيًا لأن التحالفات هي الأخرى تختلف باختلاف طبيعة المعركة. وحتى لو ظلّت التحالفات ذاتها وموازين القوى ذاتها، فالقانون يختلف بين نسبي في النيابية وأكثري في البلدية. فمثلاً إذا حصل حزب معين في منطقة معينة على النسبة الأعلى من الأصوات وحصد كل البلديات بوجه الحزب المنافس، ولو بفارق قليل من الأصوات، ففي النيابة قد يحصل الحزبان على عدد متساوٍ من النواب. حتى التحالفات التي ترفع نسبة الربح في القانون الأكثري، تتحول إلى عامل خسارة في القانون النسبي. عدا عن أن لكل من المعركتين اعتباراتها وظروفها”.

 

استفاقة ورهان وأمل

على الرغم من الاحتياجات التنموية المتراكمة في المناطق اللبنانية بنتيجة غياب الدولة من جهة وانحلال مجالس عدد من البلديات من جهة أخرى، علاوة على غياب التمويل، فإن معركة الإنتخابات البلدية اتخذت طابعًا سياسيًّا بامتياز. يعود ذلك بحسب المحلّلين إلى شعور لدى الرأي العام اللبناني باستعادة حرّية الحركة السياسية بعد عقود من الاضطراب السياسي والقمع والاغتيالات وتخطي الاستحقاقات. كما أن القوى السياسية على اختلافها رأت في هذه الإنتخابات فرصة لإجراء اختبار قوى بعد العديد من المتغيّرات السيواستراتيجية في لبنان والمنطقة، تحضيرًا لوضع خطط الاستعداد لمعركة الإنتخابات النيابية المقبلة.

ربما تكون هذه “المنصة” البلدية نجحت في تقديم خارطة الطريق التي تطلبها القوى لمعرفة الأحجام وخطوط العرض والطول للمرحلة المقبلة. وكما بات ثابتًا لدى الخصوم والحلفاء، أثبت حزب القوات اللبنانية تقدّمه الكبير لدى الرأي العام المسيحي الذي واجه بعد العام 2005 مرحلتين من الضياع إذا جاز التعبير: مرحلة اعتبار العماد ميشال عون قائد الإصلاح والتغيير خصوصًا أنه استقطب الناس على هذه الوعود الفضاضة. ومرحلة اختبار المجتمع المدني مع أمل شبه واثق بأنه خشبة الخلاص من المنظومة وأدائها وفسادها، فكانت الخشبة أكثر تسببًا في الغرق من التيار. اليوم أظهرت الإنتخابات البلدية بداية استفاقة لدى الرأي العام علّها تشكل وعيًأ كاملاً وبفضله خلاص منشود!

كتب سيمعون سمعان  في “المسيرة” ـ العدد 1765

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل