#adsense

سلاح “الحزب” خارج التفاوض.. والدولة خارج المشهد

حجم الخط

الحزب

بعد يومٍ واحد فقط من زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت، والمعلومات عن رسالة نقلها إلى “الحزب” مفادها أن “الوقت لم يحن بعد” لمناقشة مسألة سلاحه، جاءت الغارات الإسرائيلية الأعنف منذ وقف الحرب الأخيرة في تشرين الثاني 2024، لتستهدف الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت وبلدة عين قانا في جنوب لبنان. وقد أعلنت إسرائيل أنها قصفت “بنية تحتية تُستخدم في تصنيع المسيّرات” تابعة لـ”الحزب”، مشيرة إلى تنسيقٍ مسبق مع واشنطن، في خطوةٍ تُشكّل تجاوزًا واضحًا للخطوط السياسية التقليدية، ودخولًا في مرحلة فرض الوقائع، لا انتظار التسويات.

أما الرد الرسمي اللبناني، فلم يتجاوز حدود التنديد المعتاد، وهو موقف بات مألوفًا، يفتقد الفعل ويكتفي بالبيانات. ففي الشكل، تُدين الدولة ما تسميه انتهاكًا للسيادة؛ وفي المضمون، تتجاهل كليًا وجود منظومة سلاح منفلتة من سلطتها، تُستخدم في توريط لبنان ضمن حروبٍ متقطعة أو مستمرة وفقًا لحسابات إقليمية. وهنا تتجلّى المعضلة اللبنانية بأوضح صورها: دولة بلا أدوات قرار، تُمضي الوقت في الإنكار، ورئاسة تحاول ممارسة التوازن في لحظة يُعاد فيها تشكيل المشهد اللبناني من فوق الجميع، وبدونهم. وكأن الدولة تمارس الحد الأدنى من ردّ الفعل السياسي، لا حمايةً للسيادة، بل اتّقاءً لمواجهة داخلية مع حزب يملك القدرة على قلب الطاولة. فتصبح الإدانة وسيلة لفظية للتماهي لا للمواجهة، تُستخدم لا لتأكيد السيادة، بل لتجنّب انفجار الداخل.

 

ازدواجية الدولة: بين التنديد والعجز

على الرغم من تغيّر الرئاسة وتبدّل الحكومة، لا تزال الدولة اللبنانية تمارس نوعًا من الازدواجية المريبة: فهي تُدين الضربات الإسرائيلية، لكنها لا تملك لا الإرادة ولا القدرة على مناقشة السبب الجوهري الذي يجعل لبنان عرضةً لها. هذا السلاح الخارج عن سلطة الدولة لم يعُد، منذ زمن، “سلاح مقاومة”، بل تحوّل إلى أداة ابتزاز سياسي داخلي، ووظيفة إقليمية ترتبط بمصالح خارجية لا صلة لها بمصلحة لبنان.

أما الحديث عن “حوار جارٍ” مع “الحزب” حول مستقبل السلاح، فلا يعدو كونه غطاءً لفظيًا لاستمرار الأمر الواقع. فحوارٌ بلا جدول زمني، ولا مرجعية وطنية، ولا خطوط حمراء واضحة، ليس حوارًا بل وهمٌ سياسي، يُستخدم لشراء الوقت بانتظار ما يُفرض على لبنان من الخارج.

 

لا تفاوض على السلاح

ضربات الساعات الأخيرة ليست عمليات روتينية، ولا ردًّا على استفزازٍ مباشر، بل فعلٌ استباقي يترجم تحوّلًا جوهريًا في العقيدة العسكرية والسياسية، من منطق الردع إلى منطق الإجبار الاستباقي، حيث يصبح تفكيك التهديد ضرورةً تتقدّم على احتوائه. فإسرائيل، وبدعم أميركي واضح، تبعث برسالة لا لبس فيها: سلاح “الحزب” لم يعُد بندًا مؤجلًا على طاولة التفاوض النووي مع إيران، بل قضية أمن قومي مستقلة، تتطلب معالجة فورية خارج السياق التفاوضي.

بمعنى أدق، واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تسريع حسم هذا الملف، وتجريد “الحزب” من وظيفته التفاوضية القائمة على التهديد، وكسر منطق المراهنة على “ما بعد الاتفاق”. الضربات، بهذا المعنى، لا تستهدف مواقع فحسب، بل تستهدف المنظومة نفسها، وتضع لبنان في لحظة مواجهة مع ذاته قبل أن تكون مواجهة مع الخارج.

 

إيران تضبط الوقت… لكنها لا تملك إيقاف الزمن

رسالة وزير الخارجية الإيراني لـ”الحزب” بأن “الوقت غير مناسب لبحث مسألة السلاح” تعكس بوضوح نية طهران الحفاظ على هذا السلاح كورقة تفاوضية مؤجلة، لكنها، في الوقت نفسه، تُظهر خشية إيرانية من انفجار الساحة اللبنانية في توقيت لا يخدم مصالحها الدبلوماسية. فإيران اليوم تسعى إلى التهدئة في لبنان، لا من باب الحرص على استقراره، بل رغبةً في تجميد الجبهة إلى حين انتهاء مفاوضاتها مع واشنطن.

لكن ما لم تحسبه طهران هو أن الطرف الآخر، أي إسرائيل ومعها الولايات المتحدة، لم يعُد ملتزمًا بإيقاع التفاوض التقليدي، بل بات مستعدًّا لفتح جولة مواجهة خلال المفاوضات لا بعدها. بل إن هذا الطرف يعيد اليوم تعريف أمنه القومي، لا باعتباره مسألة حدود أو ردّ فعل، بل كمنظومة هجومية تُفكّك تدريجيًا البُنى التحتية للنفوذ الإيراني في الإقليم، بدءًا من لبنان. وتندرج الغارات الأخيرة ضمن هذه العقيدة الأمنية الجديدة، التي تقوم على تجريد الخصم من أدواته قبل أن تتحول إلى أمر واقع، وعلى تقويض القدرة لا انتظار استخدامها. وبهذا، تدخل الساحة اللبنانية عمليًا بين فكّي كماشة: حزب ينتظر الأمر الإيراني، ودولة تنتظر القرار الدولي، وخارج قرر التقدّم وفرض جدول أعماله بالقوة.

 

لبنان أمام لحظة الحقيقة: القرار أو الفرض

ما يجري ليس تطوّرًا ظرفيًا أو حادثة أمنية معزولة. بل هو تحوّل في البيئة الاستراتيجية يُعلن نهاية مرحلة طالما تماهت فيها الدولة مع السلاح، وتواطأ فيها المجتمع الدولي بالصمت أو التسهيل، وأدارت فيها إيران الإيقاع اللبناني من بعيد. اليوم، مرحلة الحسم بدأت، وخيارات لبنان بدأت تنحسر.

إما أن تملك الدولة شجاعة المواجهة، فتُطلق عملية داخلية جدّية تبدأ بطرح علني وواضح لملف السلاح، وتبني توافقًا وطنيًا، ولو تدريجيًا، على استعادة القرار السيادي؛ أو أن يُفرض على لبنان، من الخارج، جدول حسم لا يأخذ بعين الاعتبار واقعه الداخلي، ولا يُشركه في القرار، بل يُعامله كمنطقة حرب خارجة عن السيطرة ينبغي ضبطها مباشرة.

 

من يملك القرار؟

بين من يراهن على مرور الوقت، ومن يسعى إلى فرض وقائع على الأرض، يبقى السؤال الجوهري: هل تملك الدولة اللبنانية قرارها؟ وهل تستطيع تحويل هذه اللحظة المفصلية إلى فرصة تاريخية تخرج بها من دوّامة السلاح والتبعية والانقسام؟

ما جرى ليس مجرد غارة. بل هو إنذار استراتيجي. والرسالة التي وصلت لا تحتاج إلى تفسير: لا تفاوض على سلاح “الحزب”. لا غطاء دولي بعد اليوم. فمن لا يتخذ القرار اليوم، سيتلقاه غدًا مفروضًا… من خارج الدولة، وربما على حسابها.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل