#dfp #adsense

الرسالة وصلت والقرار لأميركا

حجم الخط

فيما ينشغل الداخل اللبناني في دوامة لا تنتهي من البروتوكولات، والمجاملات، والإنكار المؤسساتي، تمر على لبنان لحظة مفصلية أميركية لا يجوز التقليل من دلالاتها، ولا تجاهل ما تحمله من مؤشرات استراتيجية على مستوى الصراع مع “الحزب”. فالكلام عن استبدال مورغان أورتاغوس  المعروفة بخطابها الإعلامي ولكن المحدود في التأثير الميداني، بجويل رايبورن، ليس مجرد تغيير إداري أو دبلوماسي، بل تحوّل نوعي في زاوية المعالجة الأميركية للملف اللبناني، وخصوصًا في ما يتعلق بـ”الحزب”، ذراع إيران العسكرية وامتدادها السياسي داخل الدولة اللبنانية.

 

رواية “الحزب”… ونقطة ضعفها الجوهرية

يروج “الحزب” ومَن يدور في فلكه لقراءة توحي بأن التغيير الأميركي هو انكفاء عن مواجهة “الحزب”، أو محاولة لفتح قناة تفاوضية جديدة. ويستندون في ذلك إلى فهم سطحي لأسلوب الخطاب الأميركي الذي يميل إلى المواربة أكثر منه الى المواجهة.

لكن هذه الرواية تنهار أمام حقيقة أن واشنطن لا تقيس مواقفها بنبرة التصريح، بل بطبيعة الشخص الذي تسلمه المفاتيح.

 

جويل رايبورن: الرسالة الأوضح من أي خطاب

رايبورن ليس دبلوماسيًا تقليديًا. فهو آتٍ من خلفية مركّبة تجمع بين العمل العسكري، والاستخبارات الميدانية، والتخطيط السياسي. خدم في العراق، وتولّى إدارة الملف السوري خلال ولاية الرئيس ترامب الأولى، وكان أحد أبرز مهندسي العقوبات الاقتصادية على نظام الأسد، عبر ما عُرف بـ”قانون قيصر”.

وفي أكثر من مناسبة، لم يُخفِ رايبورن قناعته الراسخة بأن “الحزب” ليس فاعلًا محليًا، بل أداة صريحة بيد إيران لزعزعة الاستقرار الإقليمي. وقد شدّد على أن الخطر لا يكمن في ترسانته العسكرية فقط، بل في الشرعية السياسية التي تسمح له بشلّ مؤسسات الدولة من داخلها، والتصرف كندٍّ للدولة لا كجزء منها.

لذلك، فإن تعيينه لا يُمثّل تراجعًا في المقاربة الأميركية، بل تحوّلًا واضحًا من الضغط الناعم إلى مرحلة خنق تدريجي للمنظومة المرتبطة بـ”الحزب”، عبر أدوات متعددة ومتكاملة:

ـ سياسيًا: من خلال عزل “الحزب” داخل بيئته وفضح القوى التي تواصل تغطيته.

ـ اقتصاديًا: عبر توسيع العقوبات لتطال ذراعه المالية، وعلى رأسها “جمعية القرض الحسن”، وكل من يدعمه في القطاعات المصرفية والخدماتية.

ـ عسكريًا: من خلال تأمين الغطاء الاستراتيجي اللازم لأي تحرك إسرائيلي واسع، إذا ما فُتحت جبهة لبنان في المرحلة المقبلة.

 

أميركا… أين تتجه في لبنان

تعيين جويل رايبورن في هذا التوقيت ليس مجرد اختيار تقني أو دبلوماسي، بل ترجمة عملية لنقطة اللاعودة في سياسة واشنطن تجاه “الحزب”. فبينما وصل قائد الجيش إلى رئاسة الجمهورية بدعم أميركي واضح، تعود إلى الواجهة تصريحات رايبورن السابقة، وتحديدًا في العام 2023، حين وصف انتخاب رئيس مدعوم من “الحزب” بـ”العار الكامل”. هذا التصريح، وإن صدر في سياق رئاسي سابق، لا يفقد معناه، بل يكشف عن النظرة الثابتة التي يحملها رايبورن وأمثاله في الإدارة الأميركية: لا تساهل مع من يساير “الحزب”، ولا تغطية سياسية لسلاحه تحت أي ظرف.

الرسالة باتت واضحة: الشرعية السياسية التي يمنحها بعض الداخل اللبناني لـ”الحزب” باتت هدفًا مباشرًا للضغط الأميركي. واشنطن لا تريد فقط تحجيم “الحزب” عسكريًا، بل نزع شرعيته من داخل الدولة، وتفكيك الغطاء الذي يتيح له التمادي باسم الشراكة الوطنية. أي محاولة لتمييع هذا الملف أو الالتفاف على المقررات الدولية، ستُواجَه هذه المرة بصرامة دبلوماسية، وربما بترجمة أمنية لاحقة، تقودها إسرائيل برضى أميركي معلن أو صامت.

والأخطر أن كل ذلك يتقاطع مع مسار ميداني موازٍ: مع اقتراب نهاية المعركة في غزة، تُهيّئ واشنطن المسرح السياسي عبر رايبورن، والمسرح العسكري عبر إسرائيل، لتحريك جبهة لبنان. لكن هذه المرة، الهدف ليس تثبيت توازن رعب، بل خلخلة ما تبقى من بنية عسكرية وسياسية لـ”الحزب”، وتثبيت قواعد جديدة ليس في جنوب لبنان فقط بل على كامل الأراضي اللبنانية.

 

طبقة سياسية غائبة… ومشهد يتغيّر من حولها

في لحظة دقيقة إقليميًا ودوليًا، يُظهر معظم أهل السلطة في لبنان انفصالًا شبه كامل عن السياق الفعلي للأحداث. ففي حين تتغيّر المعادلات من حولهم، وتتقاطع التحركات الإقليمية والدولية لرسم خطوط جديدة لمستقبل البلاد، لا تزال الطبقة السياسية غارقة في رهانات مؤجلة، وخطابات شكلية، ومساعٍ تجميليّة خالية من أي مضمون سيادي فعلي.

وفي هذا الغياب المتعمد عن المواجهة، تتحرك كتلة “الحزب” بنشاط، فتجول على الرؤساء الثلاثة محاولةً إعادة تثبيت موقعها كشريك لا غنى عنه في السلطة، وتحصين شرعيتها السياسية تحسّبًا لموجة العزل الدولية التي تلوح في الأفق. أما الهدف، فليس التفاهم الوطني كما يُروَّج، بل محاولة لترميم صورة “الحزب” في الداخل، في لحظة اضطراب خارجي غير مسبوق، وذلك في إطار ما اعتاده “الحزب” من اللجوء إلى مؤسسات الدولة كلما شعر باقتراب الضغط الدولي من عنقه، مستخدمًا الغطاء الرسمي درعًا أمام العزلة القادمة.

وفي السياق ذاته، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، كدعم معنوي مباشر لحليف طهران في لبنان، ورسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج بأن إيران ما زالت قادرة على الحضور، حتى بعد فقدان رموز أساسية من قيادتها. الزيارة لم تكن بروتوكولية بقدر ما كانت محاولة لإعادة تموضع سياسي، وتأكيد استمرار النفوذ في لحظة إرباك استراتيجي إيراني شامل.

كل هذه التحركات تكتسب معناها الكامل عند ربطها بالكلام عن تعيين جويل رايبورن، رجل المواجهات الاستراتيجية لا التفاهمات الشكلية، مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة إلى لبنان. فهذا التعيين لا يُقرأ إلا كإشارة حاسمة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا على تفكيك بيئة “الحزب” السياسية، لا فقط احتواء سلاحه. وبالتالي، من يغفل عن هذا التحول، أو يسايره تحت شعار “التوازن الداخلي”، إنما يُخلي الساحة لميزان قوى جديد لا مكان فيه للرماديات.

 

وقت العودة إلى الحجم الطبيعي قد حان

لم تعد واشنطن تكتفي بالتلميحات أو الضغط الناعم. بل تعمد في اللحظة الأخيرة، إلى إرسال شخصية تحمل تفويضًا واضحًا ومباشرًا لإعادة رسم توازنات النفوذ في لبنان والمنطقة. وجويل رايبورن ليس مجرّد اسم جديد في السلك الدبلوماسي، بل عنوان لمرحلة مختلفة، أكثر صرامة، وأشد وضوحًا في استهداف البنية السياسية المرتبطة بالمحور الإيراني، لا الاكتفاء بملف السلاح وحده وإدارة تداعياته.

في هذا السياق، يصبح التصلب السياسي والمراهنة على المراوغة مغامرة خطرة لا تُهدد “الحزب” وحده، بل تُعرّض البلاد بأكملها لكلفة قد تكون قاسية. فالمشهد الإقليمي يزداد احتقانًا، وإسرائيل تتهيّأ لما تعتبره لحظة مناسبة بعد تهدئة منتظرة على جبهة غزّة، في ظل تفويض غير معلن ولكن واضح من حلفائها الدوليين.

وفيما تُبادر القوى السيادية قدر استطاعتها لتحصين ما تبقى من مؤسسات الدولة، تواصل المنظومة الرسمية باسم “الحفاظ على السلم الأهلي”، نهج التراخي والتمويه، متجنبة المواجهة الحقيقية مع من يمسك بخناق الدولة. وكأن بعض أركان الحكم قرروا أن الاستقرار الظاهري أهم من استعادة السيادة.

لكن تجاهل الرسائل المتراكمة، وقراءة التحول الأميركي بعين الإنكار أو المراوغة، لن يمنح “الحزب” فرصة جديدة للمناورة، بل قد يكون بمثابة الإنذار الأخير قبل انفجارٍ لن تكون الدولة الرسمية مستعدة لاحتوائه، ولا قادرة على دفع ثمنه.​

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل