
مرَّ عيد الأضحى هذا العام على اللبنانيين بشكل “شبه صامت” افتقد إلى الصخب الذي لطالما رافقه في السابق. غاب العيد عن بيوت كثيرة، لم يزر آلاف العائلات اللبنانية التي تثقل الأزمة الاقتصادية كاهلها وتعيش الغصّة في قلوبها. الزينة في الشوارع تكاد لا تُلمح، فيما الحركة هذا العام لم تعرف زحمة السنوات الماضية في عيد الأضحى، وساهم في ذلك استمرار عدم استتباب الاستقرار في لبنان واهتزاز الوضع الأمني عشية العيد.
لطالما شكَّلت الأعياد في لبنان فسحة أمل بالنسبة للّبنانيين ومناسبة للفرح والاحتفال مع العائلة والأصدقاء والمحبّين، فضلاً عن مساهمتها في جذب السياح من مختلف البلدان لتمضية فترة الأعياد المختلفة في لبنان. لكن أعياد اللبنانيين في السنوات الأخيرة يبدو أنها لا تشهد سوى الغصّة والحزن والهموم التي لا تنتهي، وعيد الأضحى هذا العام لم يشذ عن هذه “القاعدة” المرافقة للبنان منذ سنوات للأسف.
الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، يشير إلى أن “حركة الأسواق، إجمالاً، في عيد الأضحى، لم تكن نشطة بشكل ملحوظ هذا العام، نظراً للظروف الصعبة التي ما زالت تعانيها آلاف العائلات اللبنانية جراء الأزمة الاقتصادية، بالإضافة إلى الوضع الذي ما زال متوتراً ولم يستقر كما يجب، فلا قدرة مادية لدى آلاف العائلات، فضلاً عن أن “نفسيات الناس تعبانة” من مجمل الوضع الصعب الذي تعيشه”.
شمس الدين يرى، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “لا يمكن القول، حتى الآن، إن لبنان عاد ليشهد حركة سياحية مزدهرة، أكان في المواسم السياحية أو في فترات الأعياد المختلفة، وهذا ينطبق على عيد الأضحى كغيره من الأعياد. ذلك لأن الأوضاع ما تزال غير مستقرة تماماً، فالاستقرار هو عامل أساسي في جذب السياح وازدهار السياحة، بالإضافة إلى تآكل البنية التحتية وضعف الخدمات على هذا الصعيد، على سبيل المثال حال الطرقات، فضلاً عن ضعف الرقابة على الأسعار وغيرها”.
وفق شمس الدين، “نحن اليوم أصبحنا في زمن “السائح الذكي” المتطلب، الذي يقارن بين الخدمات والأسعار في مختلف الدول حين يقرر إمضاء إجازته أو قضاء فترة عيد الأضحى أو غيره من الأعياد في هذا البلد أو ذاك”، مشيراً إلى أن “المنافسة شديدة بين مختلف الدول السياحية المستقرة لاستقطاب السياح وجذبهم، من خلال تقديم التسهيلات السياحية، والخدمات بأفضل جودة، ومراقبة الأسعار، وتوفير الاستقرار والأمن والأمان للسائح، ولبنان، نسبة إلى الأوضاع التي يمر بها، في منافسة صعبة مع دول كثيرة على هذا الصعيد كما هو معلوم، مثل تركيا ومصر وصولاً إلى دول أوروبية عدة، بينها الدول التي كانت سابقاً ضمن ما يُعرف بالمعسكر الاشتراكي والتي تشهد نهضة سياحية كبيرة في السنوات الأخيرة”.
يضيف شمس الدين: “لنتحدث عن حركة مزدهرة في عيد الأضحى هذا العام يجب أن يكون لبنان استقبل 100 ألف سائح على الأقل للاحتفال بالعيد.فقدوم 20 ألف سائح أو 30 ألف سائح، علماً أن قسماً كبيراً منهم من المغتربين اللبنانيين، لا يعني حركة سياحية نشطة، فحتى مع رفع الإمارات حظر السفر عن مواطنيها إلى لبنان، كم أتى من الأشقاء الإماراتيين في عيد الأضحى، عدا عن باقي السياح العرب وخصوصاً الخليجيين؟، هذا إذا لم نتحدث عن سائر البلدان”.
بالإضافة إلى ذلك، يتابع شمس الدين: “تكفي مراقبة الحركة في الأماكن السكنية وخصوصاً الشعبية التي كانت تزدحم في السابق بتقديم الأضاحي في عيد الأضحى، فيما هذا التقليد التراثي بدا شبه معدوم هذا العام، فالكثير من المتبرّعين والمضحّين الذين كانوا يواظبون على تقديم الأضاحي بمناسبة عيد الأضحى كل عام، لم يُسجَّل حضور يُذكر لهم هذا العام”.
شمس الدين يوضح، أن “الحركة لدى القصّابين وتجار المواشي كانت متراجعة في عيد الأضحى هذه السنة، فعشرات آلاف العائلات اللبنانية تعيش تحت وطأة الأزمة، وكذلك الأمر بالنسبة لمحلات الحلويات. الناس تقتصد وتُخصِّص القليل الذي تملكه للأطفال، لعدم حرمانهم من بهجة العيد ولو بالحد الأدنى، لكن أين الازدحام في “المولات” والأسواق التجارية الكبرى؟، بعض الحركة التي شهدناها كان في الغالب “للفرجة” وليس للشراء، بسبب الأسعار وضعف القدرة الشرائية لدى آلاف العائلات”.
شمس الدين يعتبر، أنه “على الرغم من الجهود التي يبذلها البعض، لا زلنا بعيدين عن استعادة موقع لبنان على خريطة السياحة العالمية وخريطة البلدان الجاذبة للسياح والتي توفّر لهم مختلف أسباب الاستقرار والخدمات، نظراً للأوضاع المعروفة”، لافتاً إلى أن “الحركة التي شهدتها بعض المنتجعات أو المطاعم وأماكن السهر في عيد الأضحى هذا العام، ليست هي المعيار، فهذه الأماكن تكون مزدحمة طوال أيام السنة تقريباً إذ ترتادها فئة قليلة من اللبنانيين الميسورين أو المرتاحين مادياً، يضاف إليهم الذين يقتصدون في أمور كثيرة ليخرجوا ويسهروا مرة في الشهر، فاللبناني معروف بحبه للحياة والفرح، لكن لا يُمكن الاستناد إلى هذه الناحية للقول إن الحركة السياحية مزدهرة كما يجب أو عادت إلى أيام العز، أو أن عيد الأضحى كان عامراً هذا العام”.
