.jpg)



المسيرة مجلة؟ لم أعتبرها يومًا كذلك! ربما كاتب أو قارئ من خارج أسرة تلك الصفحات، يصفها كمجلة المقاومة اللبنانية، وهذا صحيح عمليًا لكن، وعذرًا على الكتابة باللغة الشخصانية أحيانًا، والتي فيها ما فيها من أنانية إذا جاز التعبير، لكن من عايش ذاك الحبر المغمّس من الرأس حتى أخمص الأقلام، بالمواجهة والخطر والاستشهاد والاضطهاد، ومرافقة أبطال شباب وصبايا ممتلئات من روح الرب، ومراقبة ومعايشة ذاك المقاوم التاريخي المتعب سمير جعجع، من ثم نضال تلك السيدة الاستثنائية الشجاعة ستريدا جعجع، وصولًا الى كل الفريق العتيق المتجدد المناضل، لا يعود ويستطيع القول بأن
“مجلة”، المسيرة روح، المسيرة نضال عمر وتعب وحب ورفقة الأيام الحلوة والمرة، المسيرة هي تلك الرفيقة الحزينة السعيدة، الحلوة المتعبة، تلك الراقصة على زجاج الأيام في لبنان وعلى ورود نضال الرفاق والرفيقات، المسيرة هي ذاك الحب المرهق المتبادل حينًا غير المتبادل أحيانًا مثل لبنان تمامًا، هي شيء من كل شيء يصب في خانة مشاعر العنفوان الذي فيه ما فيه من قلق واندفاع وشغف الى حدّ التهور أحيانًا، ولا نبالي، المهم أن تستمر المسيرة ليبقى القلب عم يدق مسيرة والأهم قوات. باختصار كانت المسيرة نحن ونحن المسيرة ولا تزال.
هكذا أرى تلك “المجلة”. الحكيم قال فيما قاله عنها في خلال الحفل الذي أقيم في معراب احتفاء بعامها الواحد والأربعون استمرارية، والذي تخلله إطلاق موقعها الإلكتروني الجديد، “الرفاق بالمسيرة هم الجندي المجهول… بكل وجه منهم مناضل كبير… أجيالنًا كتير تعبوا وناضلوا تـ وصلوا لهون… واستمرت المسيرة على الرغم من كل شيء. حلوا الحزب وبقيت المسيرة… اعتقلونا وبقيت المسيرة وبقيت كمان إذاعة لبنان الحر… المسيرة بقيت مستمرة وهيدا تاريخنا ووجداننا ومستقبلنا، والمسيرة الوطنية رح توصل لأهدافها”، هل وصلت تلك الصبية الأبدية الى أهدافها؟
أذكر تمامًا يوم دخلت المسيرة للمرة الأولى، كانت في عز انطلاقتها بعدما تحولت من مجلة عسكرية كانت تغطي أخبار المتاريس وحكايات الأبطال، الى مجلة قواتية شاملة، وكنا بعد طلابًا من دون خبرة، لا في الاعلام ولا حتى معنى كلمة “مقاومين”. كل ما كنت أعرفه يومذاك هو أيقونة اسمها “البشير” اغتالوه وضاع معه الحلم، وعنده ابتدأ وانتهى كل شيء بالنسبة الى جيل لم يعش الحياة الا في الملجأ. دخلت المسيرة صبية في أول الطريق، تافهة بالمعنى السياسي والنضالي، وتخرّجت منها قواتية شرسة تلبس البدلة الزيتية حتى لو لم البسها يومًا، مقاتلة تحمل بارودة القتال في وجه أعداء لبنان لأجل حرية لبنان، حتى لو لم أحمل بندقية العز تلك يومًا، ناضلت وزملائي وزميلاتي بالقلم الحاد المغمس بروح الشباب الأحياء والشهداء، بروح هؤلاء الأبطال الذين علّمونا قيم الوطنية الفعلية، وقيمة تراب الأرض حين يبلله المطر الممزوج بالدم الأحمر القاني. هناك عرفت أن التراب ممكن أ ترويه الدماء أيضا وليس فقط الماء، وهناك عرفت أن القتال ليس جريمة كما يدّعي البعض، بل هو صلاة حين يكون لأجل كرامة الأرض والناس. وهناك تعرّفت الى روح تنبض بروح المسيح والأرض، برجل لا يعرف معنى لكلمة تعب أو تراجع، لإنسان جعلنا نفهم ما معنى أن تحمل الشعلة من بطل لا يتكرر اسمه بشير الجميل، ليكون شعلة متقدة في حياة المقاومين جميعًا، وحوّل شعلة اليأس والتراجع الى انفجار حياة وكرامة وعنفوان، هناك تعرفت الى سمير جعجع ومعه تغيرت حياتي… حياتنا جميعًا، وهذا يكفيني على مدى أنفاس العمر لأعلن، ليس الولاء لرجل أو “مجلة”، إنما الولاء المطلق المتعصِب للأرض والناس والوطن كله، الولاء للبنان أرض الرب والقديسين وبخور الشهداء.
هذه هي “المسيرة” بالنسبة الينا، سواء أكنا من بين الأقلام التي نتشرّف أن تحضنها صفحاتها الرائعة، أو من بين القراء المتابعين لها، أو الرفاق المدمنين على شرائها شهريًا والاحتفاظ بالأعداد كمن يحتفظ بذاكرة مقاومة لا تشيخ. وليس الاحتفال والاحتفاء بها من قِبل رئيس الحزب وكل الرفاق والمساهمين باستمراريتها ودعمها، سوى تأكيد على تلك الحقيقة، بأن “المسيرة” ليست “مجلة” بل هي روح من روح النضال، وتاريخ الأبطال، هي تلك الشعلة وسنبلة القمح وكأس النبيذ المعتّق بخمرة الحب، والحب في مسيرة “القوات اللبنانية” هو الأيقونة وهو الصلاة المستمدة من قلب يسوع ومشلح أمه العذراء. لذلك المسيرة مستمرة ولا تقولوا أربعين وخمسين وستين عامًا، هي شقعة أرقام فقط، بينما المسيرة شقعة عمر فوق شغاف الحياة.
