#dfp #adsense

زعماء القمة الخليجية ـ الأميركية قالوا كلمتهم: حصرية السلاح والسلام مع “الجيران”

حجم الخط

شهد العالم في 14 أيار 2025 قمة خليجية ـ أميركية في الرياض جمعت قادة دول الخليج العربية مع رئيس الولايات المتحدة الأميركية. وبحسب غالبية المراقبين، يُمكن وصف هذه القمة بالتاريخية أكان لناحية الاتفاقيات الاقتصادية التي وُقّعت والتي بلغ حجمها تريليونات من الدولارات، أو لناحية اللقاءات السياسية التي عُقدت وتحديدًا اللقاء بين رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع. والأهم من كل ذلك ما ورد في هذه القمة التاريخية من كلام متعلّق بلبنان، مع تشديد كل من الرئيس دونالد ترامب وولي العهد محمد بن سلمان على نقطتين رئيسيتين وهما: مسألة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتعايش لبنان بسلام مع كل جيرانه. لذلك يمكننا القول إن ما قبل هذا الحدث الدولي التاريخي ليس أبدًا كما بعده.

بداية، وفي ما يتعلّق بالمعنى السياسي والعملي العام لعبارة “حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، لا بدّ من الإشارة الى محاولة بعض السياسيين في لبنان، أكان من المقرّبين من محور إيران ومرتزقتها، أو بعض مَن في سدة المسؤولية، من محاولة الالتفاف على هذا المصطلح وتحويره وتفريغه من مضمونه. فالمعنى الحقيقي لهذا المصطلح هو التطبيق العملي لنصّ اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع بين الحكومة اللبنانية التي كانت خاضعة لنفوذ “الحزب” وسيطرته من جهة، وبين إسرائيل من جهة أخرى في 26 تشرين الثاني 2024. والجدير ذكره أن موافقة “الحزب” على هذا الاتفاق لم تأتِ من حرصه على الدولة اللبنانية وعمل مؤسساتها، ولا من حرصه على سلامة المدنيين وأرزاقهم، والذين هم ووفق عقديته ليسوا سوى وقود في مشروع السيطرة الإيرانية على الشرق الأوسط. فالدافع الأساسي لقبول “الحزب” بالاتفاق هو الهزيمة المدوية التي مُني بها في الحرب التي أعلنها بالوكالة عن إيران ضد إسرائيل. وأكبر دليل على ذلك، إصرار “الحزب”، وتحديدًا أمينه العام وبعض من يدور في فلكه، على إجبار اللبنانيين بالاقتناع أنه منتصر.

حمل اتفاق وقف إطلاق النار عنواناً عريضًا هو: “إعلان وقف الأعمال العدائية والالتزامات ذات الصلة بشأن الترتيبات الأمنية المعززة ونحو تنفيذ القرار الأممي 1701”. وانطلاقًا من هذا العنوان كما المضمون الذي أعاد التذكير بالقرارات الدولية 1559 و1680، بنزع سلاح كافة المجموعات العسكرية في لبنان، ويعني الاتفاق هنا القرارات 1559 و1680. واللافت في مقدمة اتفاق وقف إطلاق النار استخدام فعل disarmement أي ما معناه “نزع السلاح”، وبالتالي فإن ما هو مطلوب من السلطة السياسية في لبنان، وإن أرادت عودة لبنان الى المجتمع الدولي والحصول على مساعدات ضرورية لوضع حدّ لتداعيات الانهيار الشامل الذي تسبب به “الحزب” وحليفه الأساسي التيار الوطني الحر، أن تُبادر الى نزع سلاح “الحزب” كما باقي المجموعات من لبنانية وغير لبنانية. وعملية نزع السلاح هي الطريق الوحيد للوصول الى حصرية السلاح بيد مؤسسات الدولة اللبنانية، وتحديدًا الجيش اللبناني.

من المؤسف أنه وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على تشكيل الحكومة الجديدة، لم يرَ المجتمع الدولي حتى الآن أي التزام جاد وصارم، من قبل هذه الحكومة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار كما والقرارات الدولية ذات الصلة، بل إن ما نراه هو محاولة الالتفاف على بنود هذا الاتفاق وتمرير الوقت بهدف السماح لـ”الحزب” بإعادة بناء قدراته العسكرية. ومن الوسائل المستخدمة في عملية الالتفاف هذه، استمرار من بقي من الحزب ومن يدور في بيئته من مرتزقة على شنّ حملة تخوين على كل من يعارضه، وتحديدًا على كل من يعمل على تذكير الحكومة اللبنانية بضرورة تنفيذ بنود هذا الاتفاق كافة. ومن بين الوسائل الأخرى المُستخدمة أيضًا جنوح “الحزب” نحو بدعة جنوب الليطاني وشمال الليطاني. فهذين المصطلحين غير واردين لا في القرارات الدولية السابقة ولا في اتفاق وقف إطلاق النار.

ومن آخر الوسائل المُستخدمة في الالتفاف على مطالب المجتمع الدولي اشتراط تجريد “الحزب” من سلاحه بوقف إسرائيل لعملياتها العسكرية وسحب قواتها من لبنان. وما هذا الاشتراط سوى محاولة بائسة من قبل “الحزب” ومن يدور في فلكه في استغباء الناس وإلهائها. لأن اتفاق وقف إطلاق النار الذي وافق عليه الحزب داخل الحكومة الموالية له منح إسرائيل صلاحية القيام بتحقيق أهداف الاتفاق أي تجريده من سلاحه. لذلك يكون “الحزب”، من حيث يدري أو لا يدري، قد منح إسرائيل هذه الصلاحية، بدل أن يمنح الحكومة اللبنانية صلاحية تجريده من سلاحه بالحُسنى. وهذا ما سيؤدي الى إضعاف موقف الدولة اللبنانية أكثر فأكثر. وهدف الحزب من وراء ذلك، تكبيد خسائر بشرية ومالية أكثرية تُمكنّه من تحويلها الى ورقة ابتزاز عبر لعب دور الضحية.

بناءً عليه، نرى أن المحاولات المُستخدمة من قبل “الحزب” تُضعف موقف السلطة السياسية في لبنان وتُظهرها أمام المجتمع الدولي على أنها عاجزة عن تنفيذ القرارات والاتفاقيات الدولية، مما يُفقد هذه السلطة المصداقية الضرورية التي هي بأمسّ الحاجة إليها للشروع في ترميم ما هدّمه الحزب منذ بدء سيطرته على مفاصل الدولة بعد الحرب التي أعلنها بالوكالة عن إيران ضد إسرائيل في تموز 2006. وما يقوم به “الحزب” اليوم في لبنان يُشبه الى حدّ كبير ما كانت تقوم به المنظمات الفلسطينية المسلّحة التي اتخذت من لبنان ساحة لقتال إسرائيل في حرب مفتوحة من دون أفق، وبموافقة عدد من الدول العربية. وعليه، لا بدّ من الاعتراف بأنه منذ الهزيمة العربية الكبرى في حرب 1967، يبدو أن المعضلة الأساسية تدور في فلك السؤال التالي: أي لبنان نريد؟ هل نريد لبنان مجرّد أرض حرب بالوكالة un champs de bataille par procuration يتكبّد في كل مرة خسائر فادحة في البشر والسياسة والاقتصاد؟ أم نريده وطنًا ذات مؤسسات فاعلة تعمل على تأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار السياسي المطلوب لتحقيق ازدهار اقتصادي لافت؟

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الصراع الأكبر في منطقة الشرق الأوسط ليس مع إسرائيل، بل الصراع على زعامة الشرق الأوسط، والأدلة على ذلك كثيرة، بدءًا بالثورة العربية ضد سلطات الانتداب البريطاني ومنظمة الصهيونية في فلسطين في العام 1936، مرورًا بحرب 1948، وباقي الحروب العربية-الإسرائيلية، والعمليات التي قامت بها فصائل فلسطينية في جنوب لبنان، ومن ثم عمليات “الحزب” العسكرية في لبنان منذ تأسيسه عام 1982. وبحسب غالبية المتخصصين في تاريخ الشرق الأوسط، فإن أكثر ما حال دون حلّ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هو الصراع على زعامة الشرق الأوسط، بدءًا بنظام جمال عبد الناصر مرورًا بنظام البعث في سوريا، وصولاً الى نظام ولي الفقيه في إيران. وأبلغ دليل على ذلك هو رفض اقتراح خطة التقسيم الواردة في القرار الدولي 181 الصادر عام 1947، والذي منح السكان العرب على حوالى 50 في المئة من أرض فلسطين تاريخية. ولم تكن حرب “طوفان الأقصى” التي أعلنتها الفصائل الفلسطينية الموالية لإيران في 7 تشرين الأول 2023 وحرب الإسناد التي أعلنها “الحزب” في 8 تشرين الأول 2023 إلا استمرارية للصراع على زعامة الشرق الأوسط. ولعل السبب الرئيسي في الهزائم المدوية التي مُنيت بها الأنظمة العربية الاستبدادية والظلامية والمرتزقة التابعة لها، هو اعتمادها بشكل أساسي على سياسة القمع والاستبداد والعنف داخل دولها ونشر الجهل بين أفراد المجتمع ونكران الواقع ورفض الإعتراف به.

لذلك وبعد مرور حوالى أكثر من 80 عامًا، على اندلاع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وانخراط لبنان به عبر مجموعة من المرتزقة، فلسطينية بدايةً ومن ثم لبنانية، لا بدّ من الشروع الى طرح مجموعة تساؤلات يكون الهدف من ورائها طرح آلية جديدة في مسألة الصراع مع إسرائيل. على أن تكون مؤسسات الدولة اللبنانية، أي بصورة خاصة مجلس النواب والحكومة، محورها. ومن هذه التساؤلات لماذا لا يدخل لبنان في مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل؟

المطالبة باعتماد الخيار السلمي لحلّ الصراع مع إسرائيل يأتي ضمن إطار المبادرة العربية للسلام التي اقرّتها القمة العربية التي عُقدت في بيروت في آذار 2002. والأهم من كل ذلك، ما ورد في هذه القمة التاريخية من كلام متعلّق بلبنان، مع تشديد كل من الرئيس دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وعلى تعايش لبنان بسلام مع كافة جيرانه. وفيما يتعلق بالسلام، أعاد ولي العهد التذكير بالمبادرة العربية للسلام. وأبعد من كل ذلك، فإن توافق اللبنانيين في ما بينهم على أهمية الطابع التعددي والتنوّع، المذهبي والسياسي للمجتمع اللبناني، تفرض، ومن أجل الحفاظ على هذا الطابع لما يُمثّل من غنى ثقافي وحضاري، الاعتماد على الخيارات السلمية في حلّ المعضلات التي يواجهها لبنان، ومنها تحديدًا مسألة الصراع مع إسرائيل. ووفقًا لكل هذه الاعتبارات، نعيد التذكير بما طرحه رئيس الجمهورية جوزيف عون في هذا المجال: “لا مصلحة لأي لبناني ولا مصلحة لأي بلد وشعب في منطقتنا في أن يستثني نفسه من مسارِ سلام شامل وعادل”.

إلا أن شروع لبنان في الانخراط في عملية السلام، وفق كلام رئيس الجمهورية يستوجب قيام لبنان بالتحضير جيدًا لملفات التفاوض، ولعل أبرزها الملف المتعلّق باللاجئين الفلسطينيين. والتحضير لهذا الملف يفرض على لبنان العمل على خطين متوازيين. الأول، إقناع المجتمع الدولي بأن توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان سيؤدي الى خلل ديموغرافي، وبالتالي خسارة لبنان لطابعه التعددي. وهذه الخسارة، إن حصلت، ستُمثّل تهديدًا وخطرًا على كامل منطقة الشرق الأوسط، لإنها ستجنح نحو التطرف والعنف. إلا أن عملية إقناع المجتمع الدولي تتوقف بدرجة أساسية على قدرة السياسيين اللبنانيين على اكتساب مصداقية تكون الحجر الأساس في عملية إقناع المجتمع الدولي بذلك. واكتساب هذه المصداقية يتطلب من السياسيين العمل على تنفيذ مشاريع تنموية وإنمائية وتكريس التضامن الاجتماعي بين كافة مكوّنات المجتمع اللبناني لتأمين حدّ أدنى من الاستقرار السياسي، والذي هو محوري في عملية الحدّ من الهجرة وتفكك المجتمع. أما في ما يتعلّق بالخط الثاني الذي على الدولة اللبنانية العمل عليه، فهو ما يتعلّق باللبنانيين اليهود وبأملاكهم في لبنان. فمن بين الأسباب الرئيسية التي تتحجج بها إسرائيل لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين من الدول العربية الى أرضهم هو أنه وبعد عام 1948 تمّ طرد حوالى 800 ألف يهودي من بعض الدول العربية، وتحديدًا من العراق وسوريا ومصر، مقابل ترك حوالى 600 ألف فلسطيني لأرضهم. إلا أن هذا لا ينطبق على لبنان ولا بأي شكل من الإشكال. فبعض اللبنانيين اليهود تركوا لبنان بعد حرب 1967، والجزء الأكبر منهم غادر خلال الحرب الأهلية 1975 ـ 1990.

وفي ما يتعلّق بأملاك اليهود، فإن لبنان هو الدولة العربية الوحيدة التي لم تصدر أي قانون يقضي بمصادرة أملاك اللبنانيين اليهود، وحقهم بالتملّك مُكرّس كما غيرهم من اللبنانيين في الدستور اللبناني. وعلى عكس غالبية الدول العربية التي أصدرت تشريعات وقوانين قضت بالتضييق على المواطنين اليهود لديها، فإن الحقوق السياسية والمدنية والشخصية للبنانيين اليهود مُكرّسة في الدستور اللبناني والقوانين اللبنانية. كما أن لأي لبناني يهودي الحق في الترشح للمقعد النيابي المخصص للأقليات في بيروت. لذلك، يبدو، ومن دون أدنى شك، أن لبنان يملك ورقتين قويتين يمكن أن يستخدمهما لصالحه ومصالح اللبنانيين في مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل، إن حصلت. كما على الدولة اللبنانية تقوية أوراق مفاوضاتها، للحيلولة دون فرض التوطين في لبنان، من خلال التشديد على الطابع التعددي للمجتمع وذلك من خلال إصدار تشريعات وقوانين تشجع المواطنين اللبنانيين من الطوائف الـ18 على العودة الى لبنان والاستثمار والعيش فيه.

بناءً على كل ما تقدم، وبناءً على التجارب التاريخية، وتحديدًا تداعيات الحرب الأخيرة ونتائجها، بات الخيار العسكري في حلّ الصراع بين لبنان وإسرائيل خيارًا مدمّرًا للبنان، وبالتالي غير مقبول به، ولا حتى النقاش حوله. لأنه وبعد أكثر من 80 عامًا من تجربة الحروب بالوكالة ضد إسرائيل لم تحمل للبنان سوى القتل والدمار والتهجير والفقر. في المقابل، وبعد طرح رئيس الجمهورية لأهمية الانخراط في عملية السلام ومواكبة التطوّرات الحاصلة في المنطقة العربية المُتجهة الى استكمال العمل بالسلام الإبراهيمي، يجب الشروع في التفكير جديًا في تبني لبنان للخيار السلمي لحلّ مسألة الصراع مع إسرائيل.

 

كتب د. مارك م. أبو عبد الله  في “المسيرة” ـ العدد 1765

إقرأ أيضًا

للإشتراك في”المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

د. مارك م. أبو عبد الله ـ أستاذ جامعي وباحث في تاريخ الشرق الأوسط في جامعة Illinois في الولايات المتحدة الأميركية

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل