يظن الحزب أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء في “غابة” الجنوب، و”دهاليز” الضاحية. اعتاد على هذا الأمر الواقع الذي فرضه متمقطعًا برقاب اللبنانيين لعشرات السنوات، ولم يستوعب حتى اللحظة أن ما بعد “الاسناد” ليس كما قبله.
عندما قتل جنديًا إرلنديًا من القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان في كانون الأول من العام 2022، مرّت الجريمة كأنها مخالفة وعبرت. بالأمس، كانت ذكرى هاشم السلمان، يومها كان القاتل “قديسًا”. اليوم تغيّر النفس، تبدّل الجو، ولم يعد “الحزب” باشا، بل صار حزبًا أسوة بغيره من الأحزاب، وإن كان لا يزال قادرًا على التعطيل وإحداث بعض الجلبة. ومن الواضح أن ما قام به “الحزب” في اعتداءاته على “اليونيفيل” في الجنوب والشيخ ياسر عوده في حارة حريك، ليس إلا جرس إنذار عن حالة التأزم الصارخة التي غرق فيها، حتى ولو كلّفه الأمر، أن يكون الانسجام بينه وبين إسرائيل تامًا، في عدم رغبتهما بالتمديد لليونيفيل، وتطبيق الفراغ الأمني في الجنوب، الذي سينعكس وقبل أي شيء آخر، على “الحزب” فيزيد من أزماته وغرقه.
وفي هذا السياق، تضع مصادر دبلوماسية مواكبة انسجام الطرفين ولو لأسباب مختلفة، في خانة المراقبة. فإسرائيل تسعى الى افراغ الجنوب من “اليونيفيل”، لأن الفراغ الأمني الدولي يجعلها تتحرك بحرية أكبر للقيام بكافة التدخلات العسكرية التي ترغب بها واستباحة الجنوب، من دون حسيب أو رقيب، أما الحزب فيعتبر أن إفراغ الجنوب من “اليونيفيل” يساهم في إعادة إطلاق حركته، من دون أي حسيب أو رقيب أو شاهد دولي.
وتشدد المصادر الدبلوماسية في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، على أن الخطر في انهاء عمل القوات الدولية في الجنوب موجود، وقد يكون ذلك مرتبطًا بوضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فيصبح عندها وجود “اليونيفيل” أكثر فعالية، ليس في الجنوب فقط، إنما في كل الداخل اللبناني.
في سياق متصل، تضع مصادر سياسية مطلعة التجاوزات التي يقوم بها “الحزب”، إن من خلال الاعتداءات المتكررة على “اليونيفيل” وإن من خلال التعدي على الشيخ ياسر عودة، مرورًا بالتعيينات، في خانة التخبط والتوتر، بعدما خسر “الحزب” مشروعه المسلح وصار عاجزًا عن المبادرة بأي اتجاه عسكري، وقد أصبح مستقبل الميليشيا التابعة له مجهولًا، لا سيما أنه وقّع شخصيًا على تفكيكها وإنهائها، لافتة في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن الاستهدافات الإسرائيلية اليومية لمخازنه وسلاحه، والمترافقة مع الجو اللبناني الساعي الى دولة حقيقية، والمناخ الدولي الذي يصّر على الشرعية الرسمية، تجعل “الحزب” يقارب مشاكله بعيدًا من أي منطق أو هدوء أو عقلانية، ما ينعكس عليه مزيدًا من السلبية، وبالتالي، هو يقود نفسه أكثر فأكثر نحو الهاوية.
“ما يحصل مع اليونيفيل ليس عفويًا، فالحزب يقود مخططًا واضحًا ومرسومًا في موضوع التجديد لليونيفيل، ويواجه المجتمع الدولي، من خلال ترسيم الحدود مع القوات الدولية العاملة جنوب لبنان، وشلّ عملها، لأنه لا يريد لمداهمات هذه القوى أن تأتي بنتيجة، كما أنه يرفض تسليم سلاحه”، تقول المصادر السياسية، التي تؤكد أن كل ما يقوم به “الحزب” اليوم متلطيًا وكالعادة خلف “الأهالي”، ليس إلا فرض أمر واقع جديد على اليونيفيل في حال تقرر التجديد لها، وإن كان يعي تمامًا
أنه يلعب انطلاقًا من حافة الهاوية، “صولد وأكبر”، معلنًا المواجهة المفتوحة.
لا تفصل المصادر السياسية الاعتداء على “اليونيفيل” عن الاعتداء على الشيخ ياسر عودة، فكما أن الاعتداءات على القوات الدولية مدروسة، كذلك الأمر بالنسبة الى الاعتداء على عوده، إذ يوجه “الحزب” من خلال عودة أو سواه، رسائل الى معارضيه بضرورة التنبه والحذر وعدم استسهال الدخول الى مناطق نفوذ “الحزب”، وبالتالي، يعتمد سياسة الترهيب والترغيب، منعًا لأي معارضة معلنة له.
وتشدد المصادر على ضرورة أن تقوم الدولة اللبنانية و”اليونيفيل” تحديدًا، بالتمسك بما ينص عليه القرار 1701، لجهة حق هذه القوى بالمداهمات التي يرونها مناسبة، من دون مؤازرة وتدخل الجيش اللبناني، وعدم الخضوع لابتزاز “الحزب”، وإذ ترى أنه من واجب الدولة اللبنانية أيضًا تطبيق القوانين، وتوقيف كل من يقفل الطريق أمام “اليونيفيل” أو يعتدي على أي مواطن كان، تجزم بأن المجتمع الدولي سيكون أكثر تشددًا وإصرارًا في تفكيك بنية “الحزب” العسكرية ونزع سلاح المخيمات الفلسطينية.
